العودة   الموقع الرسمي لقبائل بني عُقيل - عكيل > المنتديات العامة > منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
 
 

آخر 10 مشاركات
حان الوقت لتحقق اعلى نسبة ربح عن طريق الانترنت 2000 $ بجانب دورة متكاملة مجانية مع (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 41 - الوقت: 03:05 PM - التاريخ: 07-25-2014)           »          ماهي الحكمه من ابقاء العين مفتوحه اثناء السجود (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 581 - الوقت: 05:11 AM - التاريخ: 07-25-2014)           »          اصول قبيلة جيس وانحدارها من القبائل القيسية (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 479 - الوقت: 05:10 AM - التاريخ: 07-25-2014)           »          حديث نبوي في فضل قبائل قيس (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 10 - المشاهدات : 3377 - الوقت: 05:09 AM - التاريخ: 07-25-2014)           »          عشيرة العيدان والعيداني!! (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 7 - المشاهدات : 4564 - الوقت: 05:08 AM - التاريخ: 07-25-2014)           »          تاريخ قبيلة ثمود من العرب البائدة (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 1320 - الوقت: 05:06 AM - التاريخ: 07-25-2014)           »          عشيرة العزي العبادية الهوازنية (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 29 - الوقت: 05:05 AM - التاريخ: 07-25-2014)           »          تاريخ العمالقة من قبائل العرب البائدة (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 1766 - الوقت: 05:01 AM - التاريخ: 07-25-2014)           »          اماره الجشعم في العراق (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 2025 - الوقت: 04:59 AM - التاريخ: 07-25-2014)           »          نسب قبيله بني خالد (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 2720 - الوقت: 04:58 AM - التاريخ: 07-25-2014)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-24-2011, 03:13 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي



-2-

حلقة الذات الكبرى وحلقة الموضوع الكبرى

حلقة الذات الكبرى

حلقة الذات الكبرى (أو المحصلة) التي تستكمل (تتمظهر امكانياتها) عند الذات المذهبية وتدرك في تموضعها من قبل الذات المعاصرة والتي تم شرح مقاييسها المتتابعة يمكن توضيحها بالمخطط شكل رقم -1-

شكل رقم -1-

يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار درجة حلقة الذات المحصلة وهي متتابعة أي ان المقياس الذهني المركب يحتوي ضمناً على المقياس الفطري والذهني البسيط بصورة كامنة كنتاج للنفي الديالكتيكي للمقياس الذهني المركب، وكذلك قد تكون ذات معاصرة في درجة المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي) وذات أخرى في درجة المقياس الذهني المركب ـ
(الوعي القصدي) وهذه واضحة حتى في المجتمعات المذهبية، وهنا تبرز نقطة مهمة هي قد يكون الوعي بمستوى مقياس ذهني مركب لموضوع ما وفي نفس الوقت بمستوى مقياس ذهني بسيط لموضوع آخر (كل موضوع واطار حلقته) ولتوضيح هذا التداخل ((فمنا مثلاً من لا يزال يعيش في القرون السحيقة في القدم وبذهنيتها ومنا من يصارع تيارات القرن العشرين الصاخبة ومنا من يقف في مرحلة من المراحل العديدة بينهما، بل منا من يفكر ويعيش في جانب من حياته في مرحلة وفي جانب آخر في مرحلة أخرى بعيدة عنها كل البعد مختلفة عنها أشد الاختلاف فاذا بالشخصية الواحدة منقسمة على ذاتها: انقساماً لا شعورياً مضحكاً في بعض الأحيان، وانقساماً في أحيان أخرى واعياً ثائراً منطوياً على كثير من الألم المولد والتفاعل النفسي المثمر))(1).ـ

(1) زريق: نحن والتاريخ ص28 – وحتى على مستوى حلقة الموضوع الكبرى يوجد هذا التداخل فمثلاً فيما يتعلق باكتشاف واستخدام المعادن، فان العصور السابقة لاستخدام المعادن تسمى بالعصور الحجرية لاستخدام الانسان الحجر ثم العصر البرونزي ثم العصر الحديدي ثم عصر الذرة، وعصر الفضاء (يمكن اعتبار هذا التقسيم التقسيم المعرفي (المدني) للتاريخ) يقول سارتون عن هذه العصور في تطورها ((ولكن من المفيد ان نسوق هنا تحذيراً ذا شقين: الأول ان العصر الحجري أو العصور التي تجمعها هذه الصفة، وكذلك العصر البرونزي والعصر الحديدي، لم تحدث في زمان واحد في كل اقليم من الاقاليم، فربما ابتدأت مبكرة، وربما استمرت أطول في اقليم عنها في اقليم آخر، استمر العصر الحجري في الأمريكيتين – مثلاً – إلى عصر الفتح الأوربي. الثاني ان هذه العصور لم تكن منفصلة مختلفة بعضها عن بعض اذ استمرت الأدوات الحجرية مستعملة في العصر البرونزي، واستمرت الأدوات البرونزية في العصر الحديدي وأحياناً استمر [ كما هو الحال على مستوى وعي الفرد باستمرار الغريزة ] استخدم المواد القديمة لاغراض دينية أو حقلية [ كما هو الحال على مستوى وعي الفرد باستمرار استخدام التعاويذ والتمائم ] كاستخدام السكاكين الحجرية لاغراض الختان في مصر الفرعونية وفلسطين، تاريخ العلم جـ1 ص49-50)).ـ

ان الذات المذهبية تتفاعل مع الموضوع وتغيره ويتغير تبعاً لذلك وعي الناس وهكذا يكون وعي الناس نتاج تغيير الموضوع وتغيير الموضوع نتاج عبقرية انسان والعبقرية ليست خالصة بل هي دائماً وأبداً عبقرية محصلة، بمعنى انها ليست متفردة مجردة بل متفردة منتمية باعتبارها غير مقطوعة عن الجذور التكوينية لوعي الأمة ومحركاتها الموضوعية (ما عدا علاقة العبقرية بالمعرفة حيث لا تنتمي إلى وطن أو امة) وهي تكمن في ابداع العبقري بتنظيم سلسلة تطور المجتمع من حلقاته المبعثرة إلى صيغ وتكوينات جدلية متقدمة وهي محصلة باعتبارها تاريخ الانسان الطويل في تعامله مع الطبيعة والمجتمع، لان العقل الجدلي لا يمكن ان يمثل القوة الفاعلة للحقبة التاريخية ما لم يعبر عن التكوين التاريخي للامة ان هذا الانسان الجدلي التاريخي الحي الفاعل والمتمثل بانسان الذات المذهبية الصانع للتاريخ هو ((ليس ((مستقبلياً)) مطلقاً سابحاً في الرؤى والأحلام ولا ((حاضرياً)) مطلقاً غارقاً كل الغرق في ما حوله من مشكلات ولا ((تاريخياً))(1) مطلقاً يحن إلى الماضي ويبغي ان يرجعه كما كان، وانما هو يعيش في توتر دائم بين الحاضر والمستقبل والماضي، وتتفاعل ذاته واياها جميعاً بادراك متزن صحيح، وبشعور دقيق نافذ، فيكون من أثر هذا التفاعل العمل التاريخي المبدع، الامين للماضي المتغلب على الحاضر، المخطط للمستقبل، الداخل في صلب الحضارة، المسهم فيها، المتشوق إلى من يأتي بعده ويتخطاه في مجالات الصنع والابداع والاسهام الحضاري. ومن الطبيعي ان صانع التاريخ هذا لا يستطيع تحقيق كيانه وبلوغ هذه المرتبة التي نصف إذا لم يشعر بقدرته على الاختيار واذا لم يكن مستعداً لتنفيذ اختياراته فالذي لا يرى السبل المختلفة المرتسمة أمامه، ولا يثير هذا الاختلاف قلقاً في نفسه ولا يحس ان عليه ان يختار بينها، وان يعتزم ويقرر، وانه قادر على هذا ومسؤول في نهاية الامر عنه – الذي لا يتصف بهذه الصفات أو ليس مؤهلاً لها يقصر عن الارتفاع إلى مرتبة العمل التاريخي ويظل تابعاً يجر قدميه في مؤخرة الركب ولا يتوصل إلى مقدمته))(2).ـ

ومن خلال هذا الانسان الحي الفاعل، البطل التاريخي، الذات المذهبية، نلاحظ خطأ عبارة ميزونوف حين يتحدث عن التيار الدينامي، (أحد مفاهيم عالم النفس الألماني لوين): ان هدف الدينامية في علم النفس كما في الفيزياء هو دائماً ((ارجاع الغرض إلى الوضع))(3) فدينامية الوعي الجدلي تصحح العبارة السابقة، بان هدف الدينامية هو دائماً دفع الغرض

(1) يميز مؤلف كتاب نحن والتاريخ بين التاريخي والتأريخي إذ ان التاريخ بـ(الألف اللينة) الماضي ذاته والتأريخ (بالهمزة) دراسة الماضي.

(2) زريق: نحن والتاريخ ص190.

(3) ميزونوف: دينامية الجماعات ص23.
أو الهدف إلى التموضع، والتموضع يعني تحقيق موضوعي لوعي بعدي، فهو ديناميكية آصرة الوسيلة – الغاية، والا فالدينامية التي يتحدث عنها ميزونوف هي عملية تكيف استاتيكي فهي دينامية في ظاهريتها كمراوحة في المكان دون ان تتضمن تموضع أي محتوى أو وعي جديد فهي بمعناها العريض استاتيكية:الوسيلة – الغاية كاستجابة تكيفية لتموضع وعي ذات بعدية الوعي، وبمعناها الضيق هي مسار آصرة الغاية – الوسيلة كعودة لتحريك وعي قبلي، وبهذا تصبح مهمة التثقيف كتطور هو تحقيق الاستجابة التماثلية مع ما هو متحقق فعلاً والمتمثل بتموضع الذات البعدية الوعي كبطل تاريخي.

ان المجتمع (أي مجتمع في جميع مستويات تكويناته الانبعاثية التاريخية) ليس وجوداً مستقلاً خارج الافراد وانما هو نتاج تموضعات الوعي البعدي لافراده، وهكذا فالمجتمع كتجريد عام لا يفكر ولا يملك وعياً بعدياً وانما الافراد هم الذين يفكرون ويملكون وعياً بعدياً، وأفضل تشبيه للتفاعل المتبادل ما بين الفرد ومجتمعه الورقة والشجرة ((فالفرد من نوعه كالورقة من الشجرة تتغذى منها وتساعد على تغذيتها))(1).ـ

ويوجد أساس مادي لهذا التطور الذهني على المستويين الزمني والزماني ويتضح ذلك في العمليات العقلية العليا التي تكون ذات ركنين متميزين ومتلاحمين في آن واحد هما الجانب الجسمي المخي الذي هو أساسها والجانب الاجتماعي الثقافي المكتسب الذي يؤلف محتواها ((معنى هذا بعبارة أخرى محتوى الفكر ليس هو نتاج الوظيفة المخية وان كان مرتكزاً اليها وناشئاً بعدها وعلى أساسها، انه نتاج المجتمع عبر تاريخه الطويل))(2) وهذا الاساس المادي هو المبدأ الذي يعرف علمياً بأسم Corticalization: وهي العملية الفسلجية التي بلغت عند الانسان ذروتها والمتمثلة بخضوع الجسم كله لسيطرة القشرة المخية ((أي انتقال الوظائف الدماغية المهمة انتقالاً متدرجاً وفق مبدأ التطور صعداً إلى نصفي الكرة المحنية فالقشرة المحنية فالفصين الجبهيين بحسب تكامل كل منهما في الانواع البايولوجية المختلفة، فالوظائف التي تنجزها الاقسام الدماغية الواقعة تحت المخ في الفقاريات الدنيا التي لم يكتمل نمو المخ عندها قد انتقلت إلى المخ لدى الفقاريات الأرقى مع اختلاف متدرج بين هذه فيما يتعلق بدرجة تكامل نمو المخ))(3) ((وقد دل تاريخ تطور دماغ الانسان على ان المراكز العصبية الدنيا، الاقدم من الناحية التطورية التي تقع تحت المخ Sub Cortex (مثل ثلاماس وهايبو ثالاماس والجهاز الشبكي والمخيخ والقنطرة والنخاع المستطيل) قد أزاحت أهميتها البايولوجية جانباً وأصبحت ثانوية بفعل تطور المراكز الدماغية العليا والأحدث في نشوءها وارتقاءها بالاضافة ايضا إلى خضوع المراكز الدماغية السفلى إلى العليا، معنى هذا ان المراكز الدماغية السفلى لم تفقد أهميتها البايولوجية في المحافظة على حياة الفرد والنوع في ارتباطه بالبيئة المحيطة فقداناً تاماً بسبب انتقال الوظائف الدماغية المهمة إلى المراكز العليا بل أصبحت ثانوية خاضعة أو تابعة، وان المراكز الدنيا مستمرة في عملها في الجهاز العصبي المركزي السليم تحت اشراف المراكز العليا . . . أي ان الدماغ يتطور وفق مبدأ ((تراكم الطبقات)) Stratification: وذلك باضافة طبقات دماغية جديدة إلى القديمة وعلى أساسها وان اية طبقة قديمة لا تختفي أو تزول عن الوجود عندما تنشأ فوقها طبقة جديدة بل تنزاح جانباً بفعل الطبقة الجديدة. معنى هذا، بتعبير هيجل الفلسفي ان الطبقة الجديدة تنفي الطبقة القديمة نفياً ديالكتيكياً))(4) وتتم تلك العملية التطورية عن طريق وجود ممثلات مخية لأعضاء الجسم المختلفة من الناحية الحسية والحركية تختلف مساحاتها المخية باختلاف أهمية العضو من الناحية البايولوجية.

(1) ديورانت: قصة الفلسفة ص411 ترجمة فتح الله محمد المشعشع.

(2) جعفر: طبيعة الانسان في ضوء فسلجة بافلوف جـ1 ص303.

(3) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص101.

(4) نفس المصدر ص82-83 – هذا (النفي) الديالكتيكي هنا يشبه إلى حد ما المبدأ الفيزياوي المعروف بمبدأ التطابق Corres Pondence principle وهو القائل ((بان نظرية تصح في حقل معين لا تفقد صحتها فقداناً تاماً بنشوء نظرية جديدة أعم إنما تصبح قوانينها وصياغتها الرياضية حالة خاصة حدية من قوانين النظرية الجديدة وصياغتها الرياضية، الفلسفة والفيزياء جـ2 ص104 تأليف د. محمد عبد اللطيف مطلب))



حلقة الموضوع الكبرى

قبل توضيح حلقة الموضوع الكبرى (المجال الجذبي للواقع) باعتبارها نتاج التطور الجدلي لتموضع ذوات بعدية الوعي والاستجابة التماثلية الجمعية لها من قبل أفراد المجتمع ان اوضح عوامل المقياس الذهني وتكوين الذات الاجتماعية حيث بصورة عامة ان للمقياس الذهني عدة عوامل هي:


الموضوع: وهو المحفز الذي ينطلق منه تكوين المقياس الذهني لشتى الموضوعات فهو الواقع أو مجموعة المفاهيم العامة التي ينطلق منها ويتوجه اليها النشاط الذاتي (العقلي) للانسان أو أي نشاط آخر، وهي مفاهيم مرتبطة بمستوى محتوى العلاقة الجدلية بين الذات والموضوع.


العقلانية: هي انسجام القوة الكامنة للمقياس الذهني كمطلب بعدي (التطور، الغاية) مع الامكانية الموضوعية كوجود فعلي وان انعدام هذا الانسجام يؤدي إلى تكوين أفكار لا عقلانية من خيال وسحر وشعوذة، وعلى مستوى التطور التاريخي في الحقب التاريخية الأولى لم يتبلور هذا العامل (وهذه حالة شرعية) الذي هو عبارة عن التفاعل التاريخي للقصدية مما أدى إلى تكوين أفكار لا عقلانية من أساطير وآلهة محلية.


التكيف: تآلف نسبي بين المقياس الذهني والموضوع لتحقيق الاستمرارية، والتكيف نوعان: تكيف استاتيكي وتكيف ديناميكي، فالاستاتيكي هو تكيف لاستاتيكية الوعي المتمثلة بالقالبية المطلقة للمجتمع والتي تؤدي إلى العرف كاستجابة تماثلية لما هو موجود (آصرة استاتيكية: الوسيلة – الغاية)، والديناميكي هو تكيف لديناميكية الوعي المتمثلة بالعقلانية والتي تؤدي إلى (القانون) باعتبارها التفاعل الموضوعي للوعي البعدي للذات المذهبية في تموضع ذاتها كبطل تاريخي.

ويجب تمييز التكيف عن الترويض بكون الأخير يمثل سلطة الغير الاضطهادية المفروضة قسراً (سلطة مفروضة من خارج المجال الجذبي للواقع) على الانا سواء أكانت أنا فردية أو اجتماعية، وعندها تحدث أزمة، انتصار الترويض فيها على التكيف يؤدي إلى الاغتراب وانتصار التكيف فيها على الترويض يؤدي إلى العِرقية.


الاضافة الذاتية: تحويل المقياس الذهني إلى عقيدة.


الزمن: تهذيب مستمر للمقياس الذهني من خلال اسقاطات الخزين العقلي للانسان على الموضوع.

الذات الاجتماعية(1) التي هي نتاج تفاعل الذات المذهبية (وعي بعدي) والمعاصرة (استجابة تماثلية له) مع الموضوع [ الذات الاجتماعية=(المذهبية + المعاصرة) الموضوع ] ـ

عبارة عن سلسلة تطور المقاييس الذهنية المستمرة لافرادها ذات الوجود الموضوعي كضرورة تفرضها جدلية التكوين التاريخي للعقل.

(1) يجب التمييز – كما سيتضح فيما بعد – ما بين المدنية والحضارة في عقل الذات الاجتماعية حيث بصورة عامة جانب العقل الفاعل أي الكشف الذاتي يمثل المدنية حيث يمكن نقل المدنية في الزمان والمكان بينما الحضارة لها زمانها ومكانها وهي (أي الحضارة) ماضي لها قوة في الحاضر بينما المدنية ليست لها تلك القوة لانها مجردة من ضغط الوعي الجدلي، لذا فان عصرنة الماركسية وعقلنة الشيوعية يتم عن طريق التمييز هذا أي ما بين الوعي كخلق ذاتي للمجتمع والمدنية ككشف ذاتي للعالم وبهذا يكون النضال العالمي الموحد باتجاه ردم تلك الفجوة المدنية بين شعوب الأرض وكذلك يتوقف على هذا التمييز نوعية العلاقة ما بين الذات والموضوع، ففي حالة الكشف الذاتي تكون ذات سلبية تجاه الموضوع (ذات منفعلة، موضوع فاعل) وفي حالة الخلق الذاتي ذات ايجابية تجاه الموضوع (ذات فاعلة، موضوع منفعل) ويقوم تفاعلهما على التأثير التاريخي المتبادل ما بين الخبرة والممارسة والعقل والتاريخ للذات الاجتماعية.

الفارق الوحيد هو في (المتى) المرتبطة بالامكانيات المتمثلة بتموضع ذات بعدية الوعي كبطل تاريخي؛ لان العقل سمفونية رائعة لا يقبل النشاز، فالاضطراب يمثل النغمة (النشاز) التي لا تنسجم مع اذن المجموعة (الوعي الاجتماعي) والاضطراب يعني أزمة التكيف – الترويض، قد يكون نشاز للوهلة الأولى نتيجة تقوية النغمة (العقلية) وتطويرها من خلال التكيف لديناميكية الوعي وقد يكون نتيجة ملل تكرار النغمة الناتج عن التكيف لستاتيكية الوعي وان اشد أنواع الاضطراب هو الناتج عن النغمة الأجنبية نتيجة الترويض.

فالعقل ليس نتاج قوى خارج الطبيعة، وليس أيضاً نتاج قوى متناقضة بل هو نتاج انساني محض ذو محتوى موضوعي للاستمرار المتتابع على شكل سلسلة ديالكتيكية من النفي والصيانة للمقاييس الذهنية يكون الزمن فيها الغربال.

عندما لا يكون المحرك نتيجة قوى خارجية ولا نتيجة قوى متناقضة للموضوع فماذا يكون إذن ؟!!!

الدافع للحركة هو قوة الوعي البعدي والذي يتمثل بالتكوين المستقبلي لما هو موجود ضمن اطار تكوين العقل الجدلي والذي يخلق موازنة قلقة تلك التي ترفد الحركة بالطاقة نتيجة مفارقته (أي الوعي البعدي) للواقع مفارقة جدلية، وتستنفذ إمكانية الحركة بمطابقة جديدة للواقع مع الوعي البعدي، وكما قال برادلي ((الحركة مستحيلة على الشيء إذا كملت حقيقته))(1). فالحركة هي طاقة ذهنية تستنفذ امكانياتها في الواقع وتنتهي بمطابقة الواقع الجديد للذهن المتضمن على الوعي البعدي باطاره الجدلي، اذن فالحركة هي وعي نتاج لوعي وتنتهي بوعي فالحركة بعبارة مقتضبة هي ولادة وعي تماثلي من أمهِ الوعي القبلي وأبيه الوعي البعدي ولادة تكمن شرعيتها من الواقع الذي تعبر عنه. كنتيجة لنشاط العقل الاجتماعي الموروث عن طريق اللغة (المنطوقة والمكتوبة)(2) تطورت المقاييس الذهنية للانسانية من الفطرية إلى المذهبية. فمراحل التطور النفسي للفرد هي عينها مراحل تطور المجتمع(3) وكل مجتمع

(1) المنهج الجدلي عند هيجل ص143، د. امام عبد الفتاح امام .

(2) ((الميزة الخاصة التي يمتلكها الانسان، الا وهي تدوين خبراته حتى يستفيد منها الآخرون فهذه القدرة الفريدة تسمى الترميز Symbolization وبها تكون الكلمات المكتوبة رموزاً للافكار وهذه الرموز نفسها يمكن استخدامها لتوضيح الافكار بل وللوصول بسرعة أكبر فاكبر إلى افكار أكثر تعقيداً، ويكمن في هذه النقطة بالذات – نقطة استخدام الفكر الرمزي – سر تفوق الانسان على غيره من الكائنات الحية. ص6. عقول المستقبل، تأليف جون ج. تايلور . ترجمة لطفي فطيم)).

(3) ((المبدأ البايلوجي العام أو قانون (Biogenetic) الذي وضعه ارنست هيكل الالماني (1834-1919) والذي فحواه ان كل فرد يعيد بين طفولته ورشده الملامح الكبرى التي مر بها اسلاف الانسان في عملية النشوء والارتقاء، اما محاولات تطبيقه على التطور العقلي فقد قام بها ستانلي هول الامريكي (1844-1924). ص137. اللغة والفكر د. نوري جعفر)) ((من المقرر ان المراحل التي يجتازها الطفل في مظهر ما من مظاهر حياته تمثل المراحل التي اجتازها النوع الانساني في هذا المظهر.... يطلق على هذه النظرية اسم ((نظرية هيكل Hoeckel أو ((نظرية التلخيص العام)) ص43 نشأة اللغة عند الانسان والطفل، د. علي عبد الواحد)) ((ولقد علمتنا الاشياء البيولوجية الهامة المماثلة ان التطور النفسي للفرد ما هو الا تكرار قصير لتطور الجنس البشري، ص65 ليوناردو دافينشي. دراسة في السلوك الجنسي الشاذ، فرويد. ترجمة عبد المنعم الحنفي)) ((فالطفل يكرر في مسار نموه النفسي، وعلى منوال مختصر، التطور النفسي للسلالة البشرية وهو التكرار الذي كان علم الاجنة قد أقام البرهان عليه فيما يتصل بالجسم ص47 مسائل في مزاولة التحليل النفسي، فرويد. ترجمة جورج طرابيشي)) ((فمن الواجب على هذا المخلوق البدائي الصغير ان يصبح في عدة سنوات قليلة انساناً متحضراً، ومن الواجب عليه ان يمر بمراحل هذا التراث الضخم من تطور الحضارة الانسانية في صورة مختصرة جداً وقد جعل الاستعداد الوراثي ذلك أمراً ممكنا. غير ان ذلك لا يمكن ان يتحقق أبداً بدون المعاونة الاضافية التي تقدمها التربية وسلطة الوالدين- وهي أصل الأنا الأعلى – التي تحدد نشاط الأنا بالنواهي والعقاب، وتسهل حدوث الكبت أو تجبر الأنا عليه وذلك لا ينبغي علينا ان ننسى ادخال تأثير الحضارة ضمن العوامل المسببة للامراض العصابية، فمن السهل في رأينا، ان يكون الهمجي في صحة جيدة اما الرجل المتمدن فعبأ الحياة عليه ثقيل، وقد تبدو لنا الرغبة في الحصول على أنا قوي مكبوت أمراً معقولاً، غير ان ذلك شيء معاد للحضارة أشد المعاداة كما يظهر ذلك في هذه الأيام التي نعيش فيها ص104 فرويد. معالم التحليل النفسي ترجمة. محمد عثمان نجاتي)).


يختلف عن غيره من المجتمعات في فترات السكون التاريخي ما بين المقاييس الموضوعية ومحتواها حيث التطور يتناسب عكسياً مع السكون التاريخي أي التطور في المجتمع هو تقلص السكون ما بين المقاييس الموضوعية (الاجتماعية) وهو تطور متوازي مستقل في مراحله التكوينية الأولى بين المجتمعات المختلفة ومستقل نسبياً فيما بعد نتيجة الايحاء وهو تطور يتميز بالتماثل في الشكل العام(1) والاختلاف فيه يكون في الفترة الزمنية لانطلاق مراحله ومحتواه الضمني ومن أبرز الأمثلة على ذلك الانقلاب الزراعي وتدجين الحيوانات الذي حدث في بلاد الرافدين في العصر الحجري الحديث (في حدود الألف التاسع أو الثامن إلى 5600 ق.م) قد تباين زمن ظهوره في المجتمعات المختلفة الأخرى حيث ((انه إلى جانب مناطق الشرق الأدنى وفي مقدمتها شمالي العراق التي ظهرت فيها أولى وأقدم زراعة، ظهر ذلك الانقلاب أيضاً بوجه مستقل في مركزين آخرين من العالم ولكن في أزمان متأخرة عن ظهوره في الشرق الأدنى وهما الشرق الأقصى (الصين) حيث زراعة الرز وتدجين الخنزير في حدود 3000 ق.م وفي أمريكا الوسطى حيث زراعة الذرة في حدود 1000 ق.م أما في سائر انحاء العالم فقد انتقلت اليها منجزات العصر الحجري في ازمان متفاوتة في الشرق الأدنى بالدرجة الأولى، فمثلاً انتقلت إلى اوربا عن طريق تركيا واليونان والى جنوبي روسيا ووادي الدانوب ومع ذلك الانتشار فان مجتمعات بشرية عديدة ظلت تعيش في طور جمع القوت بعد مرور ألوف كثيرة من السنين على ظهور الزراعة في

الشرق الأدنى))(2)(3).ـ

(1) أنظر مرفق ص 64 المخطط العام لتطور المجتمعات (الشكل العام).

(2) باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الوجيز في حضارة وادي الرافدين ص202.

(3) لاحظ أيضاً الاختلاف في محتوى الانقلاب.

ما هو عامل تفعيل التطور وما هي عناصر تسارعه؟

كسر حالة التوازن ما بين الموضوع والذات الاجتماعية تتم بمحصلة تتجه دوماً من الذات المذهبية (باطار تكوينها الجدلي) إلى الموضوع بتعبير آخر تفاعل الاصالة
(التراث = عناصر التسارع) مع الخلق والابداع (عبقرية انسان = عامل التفعيل) هو الصيرورة الحضارية المستديمة كنتاج للقانون الرئيسي في تطور المجتمعات وهو: ـ

ان حياة المجتمع بدون عبقرية انسان هي فترة السكون التاريخي(1) (فراغ تاريخي، عدم، اجترار وعي) وهذا القانون هو جوهر جدل التاريخ ويمثل نفياً ديالكتيكياً للقانون العام القائل ((بان المرء ينتهي دوما بتطبيق السلوك الذي اكتسبه من الآخرين على نفسه))(2) فالقانون الرئيسي يمثل

(1) وللفيلسوف اليوناني انباذوقلس (490-430 ق.م) نظرة في ما يتعلق بـ (الاتحاد) وما يؤدي إليه من وحدة ساكنة والانفصال وما يؤدي إليه من فساد وكثرة مضطربة والذي سوف يكون علّة التجدد في الاتحاد الجديد.

(2) بياجيه: التطور العقلي لدى الطفل ص69 ترجمة سمير علي.

ديناميكية الوعي والقانون العام يمثل ستاتيكيته (الوعي التماثلي، القالبية المطلقة، العرف) والقانون الرئيسي قانون جدلي خاص، فهو جدلي لأنه لا يمكن فصله عن التكوين التاريخي لمجاله الجذبي أي القطب الأول من جدل التاريخ: المؤثر الكامن المكنون، وخاص لأنه نتاج وعيه أي القطب الثاني من جدل التاريخ: المحرك الكامن المطلوب، ويمكن صياغة هذا القانون بالشكل التالي: ان المرء الذي يفكر بوعي بعدي كبطل تاريخي ينتهي دوماً بتطبيق السلوك الذاتي الذي اكتسبه جدلياً على الآخرين ضمن مدى مجاله الجذبي أي ان ما هو موجود بالفعل كوعي تماثلي (تطابقي) هو تموضع قبلي لامكانات ذوات بعدية الوعي، بمعنى ان الوعي التطابقي لها يعني الايمان بما هو موجود فعلاً اما تثويره بواسطة وعي بعدي جديد هو الديناميكية الفاعلة لجدل التاريخ حيث تبقى الذات في الوعي التطابقي ذات عارفة اما في الوعي البعدي فهي ذات فاعلة وهي ذات البطل التاريخي. والابطال التاريخيون هم العلة الاساسية للتعددية المذهبية في المجتمع، لأن مراحل التكوين العقلي للفرد متصلة ومستمرة ديالكتيكياً لا مع بعضها فحسب بل مع التكوين العقلي التاريخي لأمته, التعددية المذهبية تمثل مرحلة تعدد التيارات وتصادم النزعات باعتبارها مذاهب في صراع وهي تتناسب طردياً مع الحقب التاريخية الانبعاثية حيث ان كل فترة تاريخية انبعاثية تعني تموضع ذات بعدية الوعي لأنه بدون هذا التموضع فالوعي لا يعني أكثر من ان يكون تمثل تطابقي للوعي الموضوعي أو تمثل قبلي للتموضعات السلفية والتعددية المذهبية في كل مجتمع تاريخي تكون كامنة وظاهرة فهي كامنة عندما تمثل اغتراب جدلي لبطل تاريخي كامن يكافح لتموضع وعيه وظاهرة تمثل المذهب المركزي والمذاهب الثانوية كما موضح أدناه.



هؤلاء الأفراد التاريخيون هم على حد تعبير ماركيوز(1) ـ

(1) العقل والثورة ص220.

وهو يتحدث عن هيجل ((رجال عصر تنشأ فيه ((مصادمات جبارة)) ((بين الواجبات والقوانين والحقوق القائمة المعترف بها، وبين الامكانات التي تتعارض مع هذا النظام الثابت، والتي تزعزع أسسه ووجوده، بل تهدمها)) هذه الامكانات تبدو للفرد التاريخي في صورة اختيار متاح لقدرته الخاصة ولكنها تنطوي على ((مبدأ كلي)) من حيث انها اختيار شكل أعلى للحياة، تصبح في داخل النظام القائم وهكذا فان الافراد التاريخيين قد استبقوا ((الخطوة التالية الضرورية للتقدم، التي كان يتعين على عالمهم اتخاذها)). فالموضوع الذي كانوا يرغبونه ويناضلون من أجله هو ((نفس حقيقة عصرهم وعالمهم)). والاساس الذي انبنى عليه سلوكهم هو الوعي
((بمقتضيات العصر)) وبما أصبح ((ناضجاً للنمو والتطور))))وعلى حد تعبير ويد جيري وعو يتحدث عن الابطال وعبادة الابطال والبطولة في التاريخ عند توماس كارليل( ان التاريخ الشامل كما أراه، تاريخ ما انجزه الانسان في هذا العالم، هو في قرارة الأمر تاريخ الرجال العظام الذين عملوا فيه، هؤلاء الرجال العظام، كانوا القادة، فقد كانوا القدوة والنموذج، وبمعنى أعم، كانوا هم الذين خلقوا كل ما فاز به وبتحقيقه جمهور الناس العام، فكل ما نراه من انجاز في العالم هو حرفيا النتيجة المادية والتحقيق العملي والتجسيد للافكار التي عمرت بها مخيلة الرجال العظام المرسلين إلى العالم، ويمكننا ان نقول بأصح حجة ان تاريخهم يوضح ما حرك تاريخ العالم باكلمه)) فان ((تاريخ العالم)) هو ((مسيرة الرجال العظام)))) (1) وتفعيل الواقع بواسطة البطل التاريخي يتم بمرحلتين مرحلة الحركة الذاتية للفهم من الواقع إلى الذهن والتي يكون فيها الوعي في مفارقة ديالكتيكية مع ما هو موجود (الواقع) وحركة ذاتية للفعل من الذهن إلى الواقع والتي يتم فيها تفعيل ما هو موجود ليطابق الوعي البعدي. يقول رسل(2)ـ

(1) ويد جيري: المذاهب الكبرى في التاريخ من كونفو شيوس إلى توينيي ص141 – نص هامش المؤلف ((لقد كتب كارليل في بحث سابق بعنوان في التاريخ يقول(ان التاريخ هو جوهر سير عديدة)) ولكنه على خلاف الاهتمام الذي سيظهره فيما بعد بالشخصيات النابغة وحدها، كان يلفت النظر إلى أهمية الشخصيات المنسية والمعتبرة عامة في المرتبة الثانية. ((من كان أعظم مجدد، ومن كان أهم شخصية في تاريخ الناس: أهو هذا الذي أول من قاد الجيوش عبر جبال الألب وانتصر في معارك كان Cannes وفي معركة بحيرة ترازيمين Trasimine أم هو ذلك المجهول الخشن الذي كان أول من اخترع المعول؟)). ص241 المذاهب الكبرى في التاريخ من كونفو شيوس إلى تويني . ت. ذوفان قرقوط)).

(2) حكمة الغرب ص162جـ2 ترجمة د. فؤاد زكريا.

((ولا بد من التمييز بين الذهن أو الفهم وبين العقل. وقد عبر هيجل في مرحلة لاحقة عن هذه الفكرة بقوله ان العقل هو ما يوحّد الناس، على حين ان الفهم هو ما يفرقهم ويمكننا القول ان الناس يكونون متساوين بقدر ما يكونون عقلاء، أو مالكين لنعمة العقل، ولكنهم يتفاوتون فيما يتعلق بالفهم، لأن هذا الأخير تعقل إيجابي يتفاوت الناس فيما يتعلق به تفاوتاً هائلاً)) فالتفكير هو تفعيل الحركة الذاتية للفهم بمعنى ان يجعل لها وجوداً موضوعياً بشكل تموضع ذات، ولتوضيح ذلك، ان المراجع الاساسية للدين الاسلامي هي نفسها بالنسبة للمذاهب المختلفة وهي تمثل العقل ولكن الاختلاف ناتج من اختلاف وجهات نظر العلماء المجتهدين وهي تمثل الفهم، والعقل هنا هو استمرارية الوعي القبلي الناتج عن تموضع ذات، ولتوضيح ذلك أكثر استطيع ان استعير مفهوم دي سوسور في تفريقه الاساسي بين اللغة وهي نظام وبين فعل الكلام حيث يكون جانب اللغة التي تمثل عنده ذخيرة من العلاقات التي تجمعت سلبياً (والمقصود بالسلبية انها موجودة خارج إرادة الفرد باعتباره متلقي سلبي لها) وتمثل الجانب الاجتماعي والتي تسلمها الفرد من بقية الافراد في مجتمع لغوي واحد، هذا الجانب يمثل في تشبيهنا العقل، والكلام Parole الذي هو عنده يمثل الجانب الفردي يمثل في تشبيهنا الفهم والتفكير هو عملية الخلق الذاتي في الكلام ومن خلاله، بحيث يكون للجانب الفردي الجديد (الكلام المخلوق) جانب اجتماعي (لغة) لأن الفكرة الذهنية كتكوين ذاتي لا يكون لها وجود موضوعي كمفهوم اذا لم تكن باطار رمز مدرَك (سواء أكان رمز منطوق أو مكتوب)، وهذه العلاقة توضح كما يلي: لغة (ذخيرة سلبية بالنسبة لذات الفرد، لغة مجتمعه) [ العقل ] كلام (ذخيرة ايجابية بالنسبة لذات الفرد وتمثل ما يلتقطه من مجتمعه اللغوي) [ الفهم ] خلق الكلام [ تفكير ](1).ـ

فالعلاقة الجدلية واضحة فالكلام يعتمد على اللغة واللغة بحد ذاتها هي معادل عام لمجموعة الجذور التكوينية للكلام في تفاعله التاريخي، وهذا هو الوعي الجدلي المستند إلى قوة التاريخ، وبدون هذا الفهم يكون الوعي كالاشياء لا يحسب أي حساب لجذوره التاريخية كمؤثر كامن مكنون باعتبارها القوى القبلية الكامنة، ومن المهم ان أشير إلى ان الوعي التطابقي لا يعني ان الفرد في تمثله لوعي المجتمع ان يكون تمثله كلي (بمعنى ان تمثله لا يشمل كل جوانب الحياة العقلية لمجتمعه) وانما يكون مع خصائص فردية في وعي المجتمع تكون على صلة مع وعيه البعدي باعتبار هذه الخصائص امكانيات من جهة ولمنع استرخاء شد الذهن في التعامل الروتيني كهدنة توتر(2) مع الواقع من جهة أخرى.

فلو نظرنا إلى تكوين العقل البشري كما هو كائن في الواقع بمختلف تكويناته الجذبية المخلوقة لأدركنا الترابط الجدلي بين مراحل التكوين العقلي للفرد مع التكوين العقلي التاريخي لأمته(3) وهذا هو السبب الجوهري لايماني العميق بعدم امكانية تحديد علم النفس ضمن اطار دوغمائي مجرد من محتوى التكوين التاريخي للعقل لأنه علم تتفاعل فيه الديناميكية الذهنية مع التعددية الموضوعية عبر قناتي مبدأ جدل التاريخ: المؤثر الكامن المكنون والمحرك الكامن المطلوب.ـ

(1) خلق الكلام [ التفكير ] يمكن ان يكون:

1)مضمون فقط/ خلق مفهوم جديد للكلمة بنفس اطارها اللفظي / في معظمها تمثل جانب الوعي من العقل / فكلمة الاستعمار مثلاً تعني في معناها الأصلي نزوح جماعة من الناس إلى منطقة شبه خالية من اجل تعميرها اما الآن فتعني نزوح (جماعة) من الناس إلى منطقة عامرة لتخريبها، ومثال آخر الجدلية كانت تعني المجادلة وهي مقابلة الحجة بين المتناظرين وهي أيضاً: اللدد في الخصومة، ولكن الآن ((يقال بين هذه المسألة وتلك علاقة ((جدلية)) يريدون ان العلاقة حتمية وان الأولى لا بد أن تفضي إلى الثانية وان كليهما مترابطان متكاملان (السامرائي العربية تواجه العصر ص42).

2)اطار ومضمون/ خلق مفهوم جديد يضاف إلى الذخيرة اللغوية باطار صوتي جديد/ معظمها جانب المعرفة من العقل/ مثال ذلك/ المذياع/ الكهرباء/ النشاط الاشعاعي.

3)اطار فقط/ خلق اطار لفظي جديد للكلمة بنفس مفهومها الاجتماعي أي خلق مرادفات للكلمة مثال ذلك/ مصباح، قنديل واسد، ليث، الخ.

(2) أنظر نهاية ص144، وما بعدها.

(3) من المهم ان أذّكر هنا ان الجذر التاريخي لكلمة القومية في اللاتينية هي كلمة Nascar التي تعـــني
((انا مولود)) وهي تشبه في اشتقاقها هذا إلى حدما اشتقاق كلمة القومية في العربية من كلمة قوم عند العرب بكل ما تعنيه هذه الكلمة عندهم في جذورها التاريخية من معنى الارتباط بالرحم كما لا يخفى على أحد.

.

يمكن توضيح حلقة الموضوع الكبرى (المجال الجذبي للواقع) باعتبارها التطور الجدلي بالمخطط شكل رقم -2- مع ملاحظات لابد منها لاستيعاب مبدأ جدل التاريخ ضمن اطار تكوين العقل الجدلي.

ـ

ملاحظة أدناه تكبير لكل صفحة من المخطط أعلاه لغرض التوضيح علما أن المخطط موجود في أصل الكتاب ملحق صفحة 64 ]ـ]

شكل رقم -2-ـ

مخطط عام للتطور الإجتماعي الجدلي (حلقة الموضوع الكبرى )ـ

لا تختلف المجتمعات بالتسلسل التتباعي للمراحل بل في عمق ومحتوى وطول وأسبقية الفترات الزمنية للمراحل)ـ)











ملاحظات لابدَّ منها لاستيعاب مبدأ جدل التأريخ

أولاً – ان الاطار العام الذاتي والموضوعي في تكوين العقل الجدلي يتميز بالعمومية لجميع الأفراد والمجتمعات، ولكن بسبب الاندفاعات الخاصة والاهداف المتباينة والخبرات المختلفة التي يكتسبها الأفراد وتكتسبها المجتمعات، يكون محتوى هذا التكوين مختلف ومتباين باختلاف وتباين المجالات الجذبية الموضوعية والاهداف الموضوعانية(1) التي يتعامل معها الافراد والمجتمعات، حيث (على سبيل المثال) ليس هناك من فردين يمران بنفس التجارب ويكتسبان نفس الخبرات بالضبط وبشكل متماثل، ويشمل هذا ليس فقط الأخوة الاشقاء، بل حتى التوائم الذين ترعرعوا في نفس الرحم والبيت والبيئة والمدرسة والمجتمع.

ثانياً – المراحل التتابعية الأولى للنمو النفسي (الوعي) ما قبل المفترق الأممي الحضاري للمجتمعات تتميز بالتماثل المتوازي المستقل شأنها شأن التماثل المتوازي المستقل لأشياء الطبيعة الا في الاتفاق العفوي للفونيم وهذا هو الذي يعلل لنا تعدد اللغات في العالم.

ثالثاً – ان نشأة اللغة عند الجماعات البشرية ضرورة قانونية موجودة عند جميع المجتمعات البشرية ولكن الاتفاق العفوي للفونيم (النغمة الصوتية) ظاهرة لا قانونية أي صدفي وهذا مثال حيوي على الرابطة الجدلية ما بين الضرورة والصدفة وهي تشبه إلى حد ما القانون الاحصائي بالنسبة للعالم الميكروفيزياوي حيث انه (على سبيل المثال) تفسخ بعض نوى اليورانيوم يحدث بصورة صدفية أي ظاهرة لا قانونية ولكن حتمية حدوث تفسخ لبعض نوى اليورانيوم يولد قانون النشاط الاشعاعي، بحيث تستطيع القول بانه يوجد (في حالة الاتفاق العفوي للفونيم، تفسخ بعض نوى اليورانيوم) امكانيات كامنة جدليا تطلب واقع موضوعي جديد(2).ـ

(1) الموضوعاتية هي الصورة المستقبلية لما هو موجود.

(2) جدل الطبيعة تمييزاً له عن جدل الحياة الاجتماعية للانسانية في تطورها التاريخي نستطيع ان نسميه بالجدل المغلق باعتباره عملية تكرارية تستمر في حدوثها كما تحدث في كل مرة، اما جدل الحياة الاجتماعية فهو جدل مفتوح تستمر فيه عملية عصرنة الوسيلة وتحديث النفس (الوعي) إلى ما لا نهاية.

رابعاً – أبسط برهان على التطور التماثلي المتوازي المستقل للتكوين البايولوجي للانسان والتطور اللامتماثل واللامتوازي والمستقل نسبياً للتكوين التاريخي للافراد والمجتمعات هو اللغة، حيث ان ميكانيزم اللغة (جانبها الفسيولوجي) هو واحد للانسانية وهو يمثل التكوين البيولوجي المغلق، وبتعبير أدق لا يوجد من الناحية الفسيولوجية ميكانيزم خاص باستيعاب لغة معينة دون أخرى.

خامساً – من خلال المخطط ندرك ان تبلور اللغة في إطار التثقيف التاريخي للفونيم(1) باعتباره النغمة الصوتية التي تم استخدامها لتكوين المورفيم باعتباره متتابعات صوتية منطوقة ذات معنى هي أساس – وليس عامل – الوعي القومي ومحور المفترق الأممي وهي الاساس الوحيد الذي لا يحد تاريخياً بفترة زمنية معينة واللغة كأداة أساسية للخلق الذاتي (أي كوسيلة لمحتوى الوعي) هي علة التغاير الأممي. وسبب انكسار التماثل المتوازي المستقل حيث تنسج كل أمة من خلال مورفيمها أساليب تفكيرها وهي وسيلة ثنائية الوظيفة حيث انها أداة تكوينية وتميزية للأمم في تحويل علاقاتها من علاقات ستاتيكية متماثلة (كتجمعات) إلى علاقات ديناميكية متنوعة (كمجتمعات) ويمكن توضيح ذلك تاريخياً من خلال طرح السؤال التالي: ما الفرق بين الكوتيين البرابرة القادمين إلى العراق من الجهة الشمالية الشرقية والعموريين المتكلمين بالسامية القادمين إلى العراق من الجهة الجنوبية الغربية؟ الجواب دليل على الوعي كجدل تاريخي حيث قام الكوتيون(2) باسقاط الإمبراطورية الأكدية في نفس الوقت الذي بدأ فيه العموريون دخول العراق والذين أنشأوا فيما بعد مدينة بابل(3). ـ

(1) ((الفونيم هو النتيجة النهائية للانطباعات السمعية والحركات اللفظية: ان الوحدة المسموعة والوحدة المنطوق بها، كل منهما تؤثر في الأخرى، اذن الفونيم وحدة معقدة لها جذر في السلسلة المسموعة، وآخر في سلسلة عملية النطق ص14 علم اللغة، الاسس الأولى – دي سوسور وعلم اللغة، تأليف رولون .س.ولز. ترجمة الدكتور يوئيل يوسف عزيز)).

(2) الدور الكوتي 2230 – 2110 ق.م.

(3) العصر البابلي القديم 2000 – 1500ق.م.

الأولى بقيت غريبة عن العراقيين ونظر لها كحالة احتلال ناضل العراقيون للتخلص منها وقد قضي عليهم بعد حوالي القرن من دخولهم، وهي فترة تعتبر فراغ تاريخي بالنسبة للعراق، أما الثانية فهي تكوين حضاري وتميز بان ((انتقل العموريون ولا ريب بيسر إلى التكلم بالأكدية لأن لغتهم الأصلية كانت السامية مثل الأكدية))(1).ـ

سادساً – ان خلق اللغة هو الذي جعل البشرية تتخطى حدود الميراث الغريزي كاحتكاك مباشر في توظيف الخبرة الشخصية إلى توظيف اجتماعي ذهني لها كخزين عقلي جمعي للادراك الذي يجعل ما تلتقطه الحواس أكثر عمقاً مما سبق نتيجة لتوظيف خبرة الأجيال عن طريق اللغة المنطوقة أولاً ثم أُضيف اليها قبل زهاء ستة آلاف سنة اللغة المكتوبة ثم أضيف إليها فيما بعد قبل حوالي خمسمائة سنة اللغة المطبوعة ثم أضيف اليها حديثاً لغة الكومبيوتر والانترنيت فعلى حد تعبير سارتون(2) ((يستطيع الانسان ان يظل في حياته شوطاً طويلاً بلا كتابة ولكن لا يستطيع ذلك بلا لغة، فاللغة هي الاساس الذي يقوم عليه بناء الحضارة وقد اصبحت على توالي الأيام أغنى ذخيرة للحضارة)).ـ

سابعاً – يلاحظ من الناحية الانثروبولوجية ان اللغة تمثل كل الثقل (الحضاري) في المجتمعات الاستاتيكية (البدائية) بينما الحضارة هي التي تستوعب اللغة في المجتمعات الديناميكية فمثلاً عند الإسكيمو أكثر من (40) كلمة تصف الثلج من ناحية الشكل والمواسم وذلك للاهمية (الحضارية) للثلج بالنسبة لسكان الإسكيمو وكذلك الحال بالنسبة للببغاوات في حضارة قبيلة البورو نتيجة لأهميتها (الحضارية) ((فان لغة هذه القبيلة تمتلك عدداً كبيراً من الاسماء التي تقابل الأنواع المختلفة من الببغاوات ولكن لا توجد لديهم كلمة واحدة تعبر عن كافة أنواع الببغاوات(3)))(4) ((يقال ان العرب يمتلكون أكثر من ثلاثة آلاف كلمة لوصف الجمال التي كانت مهمة في حياتهم. ولاشك ان العربي الاعتيادي المعاصر لا يستعمل منها الا عدد محدود مثل جمل وبعير وناقة اذ لم تعد الجمال ذا فائدة حيوية في حياتهم المعاصرة .... ـ

(1) تويني: تاريخ البشرية. جـ1 ص119.

(2) تاريخ العلم، جـ1 ص43.

(3) الحمداني: اللغة وعلم النفس ص194.

(4) ((يفترض بعض العلماء في تفسير هذه الظاهرة ان التشابه بين الببغاوات ليس مهما لهذه الحضارة وما هو المهم هو الفروق بينهما لذلك ليست هناك حاجة لكلمة تعبر عن التشابه بين الببغاوات عموماً بل الحاجة ماسة لعدة كلمات تبين الفروق بين الببغاوات)) نفس المصدر.

وللأطر الاجتماعية دور في هذه المفاهيم ففي العربية نميز بين العم والخال والعمة والخالة ولكننا لا نجد مثل هذه التمييزات في اللغة الانكليزية مثلاً))(1) ((ولقد ازدادت قدرة الانسان على التعميم عن طريق اللغة تدريجياً وكانت هذه القدرة عند الانسان البدائي هزيلة رغم بدئه بالكلام ((كانت لغته لا تحتوي الا على القليل من المفاهيم العامة، كما ان عمومية هذه الأخيرة كانت محدودة، ويمكن التثبت من ذلك عند دراسة لغة بعض القبائل المتأخرة المعاصرة، علماً بان هذه القبائل قد قطعت أشواطاً بعيدة إلى الامام اذا ما قورنت بقبائل الزمن البدائي، هكذا نرى ان لغة احدى القبائل تحتوي على (75) كلمة للتعبير عن عمليات السير التي تتباين فيما بينها بفوارق بسيطة، وعلى أكثر من (10) كلمة للتعبير عن الطبخ، ولكنها لا تحتوي على أية مفاهيم عامة لعمليتي السير والطبخ، وهناك بعض القبائل الشمالية التي تعبر بكلمات منفردة عن الثلج مقروناً بحالات معينة كـ ((الثلج على الأرض))، ((الثلج المتساقط))، ((الزوبعة الثلجية))، ((الثلج المتراكم)) ويزيد مثل هذه التعابير لديها عن أربعين، في حين انه لا يوجد لديها كلمة عامة تعني الثلج بالذات، وهناك قبائل لا تحتوي لغتها على كلمة عامة تعني ((عجل البحر)) بل تحتوي على تعابير كالتالية ((عجل البحر على قطعة من الجليد)) . . . . الخ))))(2)ـ

(1) المصدرنفسه. ص114.

(2) الآلوسي: بواكير الفلسفة قبل طاليس أو من الميثولوجيا إلى الفلسفة عند اليونان ص57.

((فقد أجمع علماء الانتوجرافيا الذين قاموا بدراسة هذه الشعوب (أي الشعوب البدائية) بامريكا واستراليا وأفريقيا وغيرها على القول بضعف عقلياتهم بهذا الصدد وعجزها عن إدراك المعاني الكلية في كثير من مظاهرها وقد كان لهذه العقلية صدى كبير في لغاتهم، فلا نكاد نجد في كثير منها لفظاً يدل على معنى كلي ففي لغة الهنود الحمر مثلاً يوجد لفظ للدلالة على شجرة البلوط الحمراء وآخر للدلالة على شجرة البلوط السوداء . . . وهكذا، ولكن لا يوجد أي لفظ للدلالة على شجرة البلوط، ومن باب أولى لا يوجد أي لفظ للدلالة على الشجرة على العموم، وفي لغة الهورونيين Hurons (من السكان الأصليين لامريكا الشمالية) يوجد لكل حالة من حالات الفعل المتعدي لفظ خاص بها، ولكن لا يوجد للفعل نفسه لفظ يدل عليه، فيوجد لفظ للتعبير عن الأكل في حالة تعلقه بالخبز، ولفظ آخر للتعبير عنه في حالة تعلقه باللحم وثالث في حالة تعلقه بالزبد ورابع في حالة تعلقه بالموز وهكذا ولكن لا يوجد فعل ولا مصدر للدلالة على الأكل على العموم أو الاكل في زمن ما: ولغة السكان الأصليين لجزيرة تسمانيا Tasmania (بقرب استراليا)، لا يوجد بين مفرداتها لفظ يدل على الصفة فاذا أرادوا وصف شيء لجئوا إلى تشبيهه بآخر مشتمل على الصفةالمقصودة، فيقولون مثلاً ((فلان كشجرة كذا)) اذا أرادوا وصفه بالطول))(1) ((فتكاد اللغات البدائية كلها ان تحصر نفسها في حدود الحسي والجزئي، وهي بصفة عامة فقيرة في الاسماء الكلية والمجردة فسكان استراليا الاصليون يطلقون اسماً على ذيل الكلب واسماً آخر على ذيل البقرة، ولكن ليس في لغتهم كلمة تدل على ((ذيل)) بصفة عامة، ولا شك ان أجيالاً من الناس تعاقبت قبل ان يستطيع الانسان ان ينتهي من اسم العلم إلى الاسم الكلي، وفي قبائل كثيرة لا تجد ألفاظاً تدل على الألوان مجردة عن الأشياء الملونة))(2).ـ

ثامناً – عند دراسة المجتمعات وفق هذا الفهم الجدلي (مبدأ جدل التاريخ) يجب التمييز بين ما هو كامن وما هو منظور حيث توجد مجتمعات (متماثلة) ظرفياً بما هو منظور، الا ان هناك فارق في الجذور التكوينية يتمثل بجانب جدل التاريخ الكامن المؤثر (القطب الأول: المؤثر الكامن المكنون) لذا ان التفاعل الموضوعي لهما باتجاه أي توظيف عقلي غير متناظر.ـ

تاسعاً – النظرية المالتوسية(3) ما قبل مالتوس تكون صحيحة لا ما بعد مالتوس حسب ما توقع هو وذلك لعدم ادراكه للامكانية العلمية في تكوين التراكم الغذائي بمتوالية هندسية كما هو الحال بالنسبة لنمو السكان وليس بمتوالية عددية كما فرضته عليه درجة المعرفة العلمية في عصره، فهي (أي المالتوسية ما قبل مالتوس) العامل الحاسم الذي كسر السكون (السلم البيولوجي) المتماثل المتوازي المستقل (للتجمعات) وادخل أفراده في مرحلة صراع اوسع نسبياً من دائرة الصراع الغريزي، أي صراع ذاتي لغرض اشباع الذات الذي يتطلب (يشترط) تقييد الغير، وهي أول بؤرة استقطاب لنمو الانانية داخل الذاتية (محاولة تقييد الغير الناجمة عن المصلحة الذاتية) لأن لحرية الأنا تكوين آلي كناتج عرضي سلبي لها هو تقييد حرية الغير.ـ

(1) وافي: نشأة اللغة عند الانسان والطفل ص38.

(2) ديورانت: قصة الحضارة ص125جـ1.

(3) نظرية مالتوس: يذكر مالتوس مصادرتين يبني عليهما تحليله: الأولى هي ان الغذاء ضروري لحياة الانسان، والثانية، ان العاطفة بين الجنسين ضرورية وسوف تظل في المستقبل في حالتها الراهنة تقريباً. وهاتان المصادرتان من طبيعة ثابتة، ولكنهما متعارضتان، ويقول مالتوس ((انه بفرض ان المصادرتين قضية مسلم بها، أقول، ان قدرة السكان هي أعظم بدرجة متناهية من قدرة الارض على انتاج وسائل العيش للانسان فالسكان يتزايدون بنسبة هندسية – اذا لم يحد من هذه الزيادة – بينما لا تزيد وسائل العيش الا بنسبة حسابية، وبناءً عليه، فان المعرفة الطفيفة بالاعداد لتبين ضخامة القوة الأولى بالمقارنة مع الثانية ص29 المشكلة السكانية، تأليف د. رمزي زكي))ـ

عاشراً – كاطار عام كل علاقة يدخل فيها توظيف الخبرة هي علاقة ديناميكية (يشترط ان يكون الانسان طرف مباشر بتلك العلاقة) اما العلاقات الأخر (التي لا يدخل الانسان كطرف فيها) فهي علاقات ستاتيكية حتى لو كان هناك حركة فمثلاً العلاقة ما بين ارتفاع درجة الحرارة وتمدد الزئبق حيث ان كل زيادة في درجة الحرارة
(لدرجة معينة) يطابقه تمدد عددي يناسبه للزئبق في المحرار مثل تلك المطابقة المتزمتة غير موجودة في الوظائف النفسية، ونفس الشيء بالنسبة إلى صفات المواد الناجمة عن علاقة ترتيب الجزيئات تكون فيزياوية وليست كيمياوية بينما صفات المواد الناجمة عن علاقة ترتيب الذرات تكون كيمياوية وليست فيزياوية مثل تلك الصفات المتزمتة الناجمة عن هذه العلائق غير موجودة بالنسبة لعلاقات الترتيب للمجتمعات حيث بالرغم من تماثل المجتمعات بترتيب حلقة الموضوع الكبرى والافراد بترتيب حلقة الذات الكبرى الا انهما (أي الافراد والمجتمعات) غير متماثلين بالتكوين النفسي.

الحادي عشر – ما هو مبدأ جدل التاريخ؟

المراحل التكوينية لوعي الأمة تتكرر في وعي الفرد كمؤثر كامن مكنون لتكوين المحرك الكامن المطلوب والذي في حالة نجاحه في تمثيل المرحلة التاريخية الجديدة من خلال تموضع ذات بعدية الوعي (أي يكون لها وجود موضوعي) يكمن من جديد كمؤثر كامن مكنون لتكوين محرك كامن مطلوب جديد وهكذا تم تجاوز السلم البايولوجي والوعي الجمعي والعرف ويتم تجاوز أي استاتيكية للوعي وباستمرار لكي تستمر الحياة بفعالية وجمالية بلا استنساخ وتقليد.

نعود إلى مخطط حلقة الموضوع الكبرى فنقول ان الانسان الغريزي والذي يمثله في الوقت الحاضر الاطفال الذين سرقتهم الحيوانات لاشتراكهما معاً بصفة التجرد من الوعي الاجتماعي فعلى سبيل المثال ((الطفلتان اللتان عثر عليهما في الهند سنة 1920 وكان عمر أحدهما زهاء سنتين وعمر الأخرى حوالي ثماني سنوات وقد وجدتا في زريبة (Lair) احدى اناث الذئاب تعيشان مع صغارها (Cube) ثم نقلتا إلى احد المياتم وقد تركت الذئاب طابعها العميق في سلوكهما فكانتا تمشيان على اربع وتسهران ليلاً وترقدان في النهار في احدى زوايا بناية الميتم (الذي وضعتا فيه) محتضنتين بعضهما (Cudding) كصغار الذئاب وكانتا تعويان (Howl) مثلها، وقد تضايقتا كثيراً من حياة الميتم الاجتماعية وحاولتا الهروب إلى ((موطنهما الاصلي)) السابق، غير ان صغراهما (المسماة آمالا) توفيت بعد سنة من حياتها الجديدة، أما الكبرى (كمالا) فقد عاشت زهاء عشر سنوات حاول أثناءها المشرفون على شؤون الميتم تعويدها على نمط حياة الانسان ولكنهم لم ينجحوا في ذلك الا جزئياً وبمشقة، ويلوح ان البطء في تعلمها حياة الانسان مرده في الاصل الفسلجي إلى ان جميع إمكانيات دماغها قد استنزفت في التكيف للعيش في بيئة حيوانية تختلف عن بيئة الانسان (1) اختلافاً نوعياً وجذرياً، اتضح ذلك في ان مستوى نموها العقلي لم يتجاوز قبيل وفاتها (عندما بلغت السنة السابعة عشرة من عمرها) مستوى النمو العقلي لطفل في السنة الرابعة من عمره، وقد وصفها كثير من المعنيين بدراسة هذه الحالات وبخاصة الدكتور سنك الذي اشرف على تربيتها وراقب سلوكها مراقبة دقيقة وسجله يوماً بيوم: وكانت كما ذكرنا تمشي في أول الأمر على أربع وتعى كالذئب وتلعق السوائل من الأرض ولا تتناول طعامها أو شرابها الا اذا سفح على الأرض(2)ـ

(1) من المهم ان اذكر هنا ((ان فسلجة مخ رجال الفضاء الكوني التي بدت طلائعها قبل بضع سنوات قد بينت ان القشرة المخية بحاجة متواصلة إلى تلقي عوامل الخفر البيئية التي تنشطها إلى الدرجة المطلوبة، كما ان التجارب المختبرية التي اجريت حديثاً على اشخاص وضعوا لبضعة أيام في مختبرات يسودها السكون المطبق والانعزال التام عن جميع المؤثرات البيئية الطبيعية والاجتماعية دلت على خمول القشرة المخية، واخفاقها في القيام بالتزاماتها الفكرية ص197 الفكر طبيعته وتطوره، الدكتور نوري جعفر)).ـ

(2) أنظر القصيدة الأولى في بداية الكتاب ص8.

ولا تقترب منه ما دام في الاناء وان اشتد بها الجوع. وكانت تزمجر كالحيوان أثناء اقتراب الانسان منها وتعوي أثناء الليل. وكان مدى رؤيتها أوضح في الظلام وكانت تتحامى النور الساطع والماء والنار، وتنام أثناء النهار ولا تسمح لأحد ان ينظف جسمها، وقد مزقت الثياب التي وضعت عليها لتغطية جسمها ورمت الغطاء الذي وضع عليها في الليالي الباردة، ولم تستطع ان تفعل شيئاً آخر بعد سنتين من عمرها الجديد غير الوقوف البدائي برهة قصيرة مع استمرارها على الجري على اربع ولم تتعلم حتى نهاية السنة الرابعة سوى ست كلمات ولم تستطع المشي كالانسان الا في نهاية السنة السادسة ... الطفل الذي عثر عليه في الهند عام 1956 بين قطيع Pach من الذئاب وكان عمره زهاء تسع سنوات، وقد لوحظ ان مستوى تطوره العقلي لم يتجاوز مستوى التطور العقلي لطفل في الشهر التاسع من عمره))(1).ـ

فيما سبق يتضح لنا قوة تحجر المقياس الذهني البسيط لاستمراره لفترة طويلة في بيئة حيوانية والى المستوى الذي أدى إلى الحد من قوة غريزة الجوع وهذا المقياس هو أبسط مكتسب بيئي يرتكز في ذهن الانسان كامتداد من الموضوع إلى الذات بدرجة تتخطى اطار الغريزة كتكوين جدلي بدائي في نشأته و(ميتافيزيقي) في تقولبه كوعي مستقل ومتفرد ويفتقر لصفتي التجريد والتعميم اللتين يتصف بهما تفكير الانسان الذي يتم في وعبر الالفاظ أي انه هنا (عند كمالا) مقياس ذهني وظيفي كآخر عملية (فكرية) ذهنية بالنسبة للحيوانات الراقية، فالانسان الغريزي في فجر البشرية يشترك مع الحيوانات الراقية في المقياس الغريزي وكلاهما يمتلك هذا المقياس، الاختلاف فقط يكمن في السيادة البيولوجية للسلوك الموروث وعلى الارجح بالنسبة للانسان الغريزي بالاضافة إلى الصفات الخاصة التي يختص بها كانت الحلقة السائدة في مقياسه الغريزي هي العبث بالاشياء الموجودة في عالمه الخارجي والتأمل فيها وفي البيئة المحيطة به واستخدامها كأداة ((وكل أداة اتخذها الانسان للاستعمال كانت ثمرة لخطوات طويلة من المحاولة والخطأ، ونتيجة لجدل طويل بين المخترعين، أي بين المجددين والمصلحين من ناحية، والمحافظين من ناحية أخرى وطبيعي ان تكون الطائفة الثانية أكثر عدداً، على حين تكون الطائفة الأولى أكثر حماسة وأقوى دفعاً(2))) ولا تعرف كل أمة بطلها الذي استخدم أول معول(3) وبطلها الذي دجن أول حيوان وبطلها الذي أول من حرث الأرض، ولكن كل أمة استخدمت المعول ودجنت الحيوان وحرثت الأرض وزرعتها.

(1) جعفر: اللغة والفكر ص75-76.

(2) سارتون: تاريخ العلم جـ1 ص64.

(3) لعب العمل وصنع الادوات دور مهم في تكوين الانسان وفي احداث القفزة الواسعة بينه وبين أعلى مراتب الحيوانات ((ان اعداد حتى أبسط الأدوات يميز الانسان عن عالم الحيوانات لأنه ما من حيوان بقادر على القيام بالنشاط الهادف، وما من حيوان يستطيع اعداد حتى أكثر أدوات العمل بساطة والانتقال من استخدام أدوات العمل التي أوجدتها الطبيعة – الحجارة والعصى – والتي كانت تقع صدفة في متناول اليد إلى اعداد أدوات العمل هو قفزة عظمى في تطور الطبيعة ويدشن تحول القرد الشبيه بالإنسان، جـ1 ص8 عرض اقتصادي تاريخي، تشكيلات ما قبل الرأسمالية، عدة مؤلفين.

ومما ساعد الانسان بصورة أساسية على تجاوز المقياس الفطري التجمعي من دون الحيوانات الراقية الأخرى هو الاختلافات الفسيولوجية ((عندما ظهر الانسان لأول مرة في العالم كان يملك خمس صفات مميزة، بعضها جديدة وبعضها قديمة وبعضها مركبة من الجديد والقديم، أعطته الفرصة ليكون سيد الأرض، وهذه الصفات الخمس هي: أسنانه الطاحنة وقامته المنتصبة، ويداه حرتا الحركة وعيناه حادتا التبؤر والتشخيص ودماغه القادر في النهاية على اصدار الاحكام الدقيقة واتخاذ القرارات المهمة والذي يمتاز بقوة الادراك ونفاذه والقدرة على النطق، ويشترك الانسان بجميع هذه الصفات إلى حد ما، مع السعادين والقرود، ولكن هذه الصفات الخمس لم تحصل مجتمعه الا للانسان وحده، واجتماع هذه الهبات الخمس في الانسان، بحد ذاته شيء فريد))(1) ولتطور حافة حنك الانسان دورها الهام ((وقد ثبت علمياً في الوقت الحاضر ان تطور حافة Ridge الحنك هو أول مستلزمات نشوء القدرة على النطق بالكلمات من الناحية التشريحية وهو الذي يتفرد به الانسان العاقل ليس بالموازنة بالحيوانات الراقية فحسب وانما ايضاً بالموازنة بانواع الانسان المنقرضة (انسان جاوه وانسان بكين وانسان هايدلبرغ وحتى انسان نندرتال) وهناك عوامل فسلجية كثيرة أخرى مهدت للقدرة على النطق بالكلمات عند الانسان يأتي في مقدمتها تحول الفك الاسفل (Mandible) إلى هيئة قوس بعد ان كان مستطيل الهيئة (Elongated) وزيادة حجم تجويف الفم مما سهل حركة اللسان بطلاقة وكذلك حرية حركة الفك الأسفل باتجاه جديد مماأدى إلى تقلص الانياب))(2) ـ

(1) كون: قصة الانسان ص17 ترجمة محمد توفيق حسن وعبد المطلب الأمين.

(2) جعفر: اللغة والفكر ص58.

ويعزو الباحث البريطاني ويلز Willis ((تطور جمجمة الانسان في عصور ما قبل التاريخ إلى التبدلات التي طرأت على غذائه وأسلوب عيشه من حيث الاساس، ويقول ان كثيراً من خواص جمجمة الانسان التي تنفرد بها قد نشأت بتأثير الطعام المطهي الذي أصبح سهل المضغ لا يستلزم مضغ Masticatory عالي التطور بخلاف نظيره لدى الحيوانات الراقية الأخرى، هذا بالاضافة إلى ان الانسان مع ضعف جهاز المضغ عنده، الذي تعبر عنه الفكان والاسنان، يصنع أدوات القطع المعروفة وأدوات تكسير المواد الغذائية الصلبة، كل ذلك أدى إلى تناقص دور عملية المضغ عنده والى حدوث تحول مورفولوجي في فكه الأسفل بصورة خاصة))(1) في حين ((ان القرود التي تعيش على الارض والسعادين لا تستطيع ان تحرك فكوكها بحرية إلى الامام والى الجانبين بسبب عائق، وبما ان المضغ لديها يتم بحركة الفكين إلى الأعلى والأسفل فهي تحتاج إلى اسنان أكبر من أسناننا لتنجز مقداراً معيناً من العمل، وهذا العائق هو سنّان متخصصتان على جانبي الفك الأعلى يسمى كل منهما الناب العليا أو ناب الفك الأعلى، وبينما تتلاقى سائر اسنان الفكين في صف واحد فان كلاً من نابي الفك الأعلى يتراكب مع سنين من أسنان الفك الأسفل بشكل يجعله يحتك بهما كلما انغلق الفم، وهذا الفعل يعطيه دائما طرفين ثابتين كطرفي السكين. ومع ان الشمبانزي يستعمل هاتين النابين لتقشير ثمر المناطق الاستوائية الغليظة فانهما تزودان جميع القرود والرباح بآلتين مميتتين من آلات القتال(2))).ـ

(1) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص95.

(2) كون: قصة الانسان. مصدر سابق ص27.

ويعتبر تطور مخ الانسان هو الاختلاف الفسيولوجي الحاسم في تمييز الانسان عن الحيوانات كمرحلة حدية فاصلة، وبالاخص المراكز المخية اللغوية الثلاث الموجودة في الفص الجبهي الايسر (95% من البشر الذين يستخدمون أيديهم اليمنى) والايمن (5% من البشر الذين يستخدمون ايديهم اليسرى) لارتباطهما الفسيولوجي الوثيق بعملية التفكير والتي ينفرد بها هذا الكائن الذي أصبح انساناً عاقلاً وهي سند علمي مختبري لا يقبل الجدل في تجاوز سكونية التجمعات اللاقصدية الناتجة من التجمع الغريزي للانسان مثلما تتجمع الطيور في اسراب والابقار في قطعان ويعود تاريخها إلى أكثر من (50.000) سنة تقريباً وهو تاريخ نشوء الانسان العاقل، وهذه المراكز هي:


المركز المخي اللغوي الحركي (المختص بنطق الكلمات) ويسمى مركز بروكا الموجود فوق الاذن (اليسرى 95% واليمنى 5%) إلى الامام قليلاً.

ـ
المركز المخي اللغوي السمعي (المختص بسماع الكلمات المتحدث بها).

ـ
المركز المخي اللغوي البصري (المختص بقراءة الكلمات)

ـ
ودلت الدراسات الفسلجية الحديثة ((على ان المراكز المخية اللغوية الثلاثة لا تنمو جميعاً بشكل متناسق عند الطفل بعد الولادة، ففي الاشهر الأولى بعد الولادة يبدأ ظهور المركز المخي الكلامي السمعي الذي يمهد بعد ذلك ببضعة أشهر لظهور المركز المخي الكلامي الحركي الذي يتضح كثيراً في نهاية السنة الأولى. ثم يليه بعد ذلك منذ بداية السنة الثانية ظهور المركز المخي اللغوي البصري، وهذا يدل على ان الاسس الفسلجية المخية للغة تبدأ بالنشوء والارتقاء عند الطفل بشكل متدرج وان الاقدم منها يهيء الاساس المناسب لنشوء الاحدث وان الطفل لا يستطيع ممارسة أي شكل من اشكال الكلام قبل نضج المركز المخي المسؤول عنه ووصوله إلى مستوى معين))(1). ((ويبدو ان اسناد السبب في القصور اللغوي عند القرود إلى مخها، له ما يبرره في ضوء الفروق التشريحية بين القرد والانسان في التركيبات اللحائية، فالمخ لدى الانسان مزود بسخاء بما يسمى بمناطق الترابط (Association Areas) وهي المناطق التي تربط بين مراكز الاحساس للبصر والسمع واللمس معاً، وتتركز الروابط المسؤولة عن وظائف الكلام في احد فصوص المخ فقط (عادة الفص الايسر حيث توجد التركيبات الترابطية المتخصصة التي تقوم بالتحويل الضروري للاشارات البصرية والسمعية إلى تكوينات لفظية))(2). ويعزو الباحثون تطور اللغة في أعلى مراحلها الارتقائية عند الانسان العاقل Homosapiens الذي يتميز بوجود المنظومة الاشارية الثانية أو اللغوية المسؤولة عن التفكير المجرد والتي يتفرد بها وحده إلى نمو منطقتين في المخ هما منطقة بروكا Broca Area الموقع المخي المسؤول عن توليد اللغة ومنطقة ويرنيك Werniks Area المسؤولة عن فهم اللغة المنطوقة والمكتوبة وهي تصل بمنطقة بروكا بخلية طويلة منحنية تمر بالمراكز الحسية البصرية والسمعية(3).ـ

(1) جعفر: اللغة والفكر ص65.

(2) اسماعيل: الاطفال مرآة المجتمع ص105.

(3) ص76 الانسان وعلم النفس د. عبد الستار إبراهيم.

واكتشف علماء الاعصاب ((مناطق مخية ينفرد بها الانسان اطلقوا عليها أسم ((المناطق المحنية الثلاثية)) Teritiary Cortical Zone مسؤولة عن نمط العمل الذهني الذي يمارسه الدماغ أثناء اليقظة وفي النوم المصحوب بالاحلام، هذه المناطق المخية الثلاثة هي التي تميز مخ الانسان تمييزاً نوعياً جذرياً وحاسماً عن مخ سائر الحيوانات الراقية القريبة منه في سلم التطور البايولوجي وهي التي تجهز مخ الانسان بخصائصه ((الانسانية)) ((الاجتماعية)) المتميزة، وتسمى ايضا مناطق ((مفترق الطرق)) ((Cross roads)) بمعنى انها تقع في الحدود الفاصلة بين الفصين المخيين الجبهيين Frontal Lobes والفصين المخيين الصدغيين Temporal lobes والفصين المخيين الجداريين Parietal Lobes والفصين المخيين القذاليين Occipital Lobes وهي حدود ذات أهمية كبيرة في حياة الانسان العقلية وتنقسم المناطق المخية الثلاثية قسمين من حيث موقعها في المخ ومن ناحية وظائفها السايكلوجية ، هذان القسمان هما : المناطق المخية الثلاثية الجبهية Frontal Cortical Zone التي تقع في القسم الامامي الأعلى من المخ ووظيفتها التعامل مع الأمور المجردة وتكوين انطباعات ذهنية مجردة والتعبير عنها تعبيراً مجرداً بالرموز والكلمات والمعادلات الرياضية، ولا علاقة لها بالاحلام، اما القسم الاخر من المناطق المخية الثلاثية فهو: المناطق المخية الثلاثية الحسية Sensory Cortical Zone التي تقع في القسم الخلفي الأعلى من المخ وعلى جانبيه الايمن والايسر، ووظيفتها التعامل مع الاشياء المحسوسة وتكوين انطباعات حسية عنها والتعبير عن هذه الانطباعات تعبيراً حسيا بالرسم أو النحت أو الموسيقى،وهي المسؤولة عن الأحلام: المناطق المخية الحسية الثلاثية البصرية التي تقع في القسم الخلفي الاعلى من المخ هي المسؤولة عن الاحلام عند ذوي البصر السليم، في حين ان المناطق المخية الحسية الثلاثية التي تقع جانبي المخ – المسؤولة عن السمع والشم واللمس – هي المسؤولة عن الاحلام لدى فاقدي البصر))(1) وبصورة عامة ان ((أهم المناطق القشرية التي تقوم بوظيفة ربط وظائف المخ المتعددة هي: ـ


المنطقة الرابطة الجدارية وتوجد في المنطقة الجدارية ويعطى لها رقم تشريحي
(5،7) ان وظيفة هذه المنطقة هي ربط كل المعلومات الحسية الواردة من المناطق الحسية في قشرة المخ مع تلك التي ترد من مناطق الهايبوثالاماس التي تنقلها من مناطق الجسم الحسية المختلفة.

ـ

المنطقة الرابطة الجدارية القفوية: وتستلم هذه المنطقة اليافاً من المناطق الحسية المختلفة ومن المناطق الرابطة (رقم 5،7) ومن المنطقة الحسية البصرية والمنطقة السمعية .

ـ

المنطقة الرابطة الصدغية: ويؤدي تلف هذه المنطقة إلى فقدان المصاب قابلية فهم الكلمة المنطوقة أو المكتوبة.


المنطقة الرابطة قبل الجبهية: وتتصل هذه المنطقة عن طريق الياف واردة وصادرة مع معظم المناطق المخية، سواء في قشرته أو تحتها وسواء على الجهة نفسها أو على الجهة المعاكسة من المخ: وقد تتلف هذه المنطقة من المخ نتيجة آفات أو أورام تصيبها فتؤدي إلى مجموعة أعراض تسمى تناذر الفص الجبهي
Frontal Lobes Syndrome وأهم أعراضه: (1) قلة التعقل والكبح.
(2) الضجر والشرود. (3) فرط الحركة وزيادتها. (4) عدم استقرار الرأي وتركيزه. (5) فقدان المبادرة. (6) ضعف الذاكرة. (7) ضعف الشعور الاخلاقي والاجتماعي))(2).

ـ
(1) جعفر: طبيعة النوم والاحلام في ضوء علوم الدماغ ص178.

(2) ابراهيم: النفس والعدوان ص78.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2011, 03:13 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي



-2-

حلقة الذات الكبرى وحلقة الموضوع الكبرى

حلقة الذات الكبرى

حلقة الذات الكبرى (أو المحصلة) التي تستكمل (تتمظهر امكانياتها) عند الذات المذهبية وتدرك في تموضعها من قبل الذات المعاصرة والتي تم شرح مقاييسها المتتابعة يمكن توضيحها بالمخطط شكل رقم -1-

شكل رقم -1-

يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار درجة حلقة الذات المحصلة وهي متتابعة أي ان المقياس الذهني المركب يحتوي ضمناً على المقياس الفطري والذهني البسيط بصورة كامنة كنتاج للنفي الديالكتيكي للمقياس الذهني المركب، وكذلك قد تكون ذات معاصرة في درجة المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي) وذات أخرى في درجة المقياس الذهني المركب ـ
(الوعي القصدي) وهذه واضحة حتى في المجتمعات المذهبية، وهنا تبرز نقطة مهمة هي قد يكون الوعي بمستوى مقياس ذهني مركب لموضوع ما وفي نفس الوقت بمستوى مقياس ذهني بسيط لموضوع آخر (كل موضوع واطار حلقته) ولتوضيح هذا التداخل ((فمنا مثلاً من لا يزال يعيش في القرون السحيقة في القدم وبذهنيتها ومنا من يصارع تيارات القرن العشرين الصاخبة ومنا من يقف في مرحلة من المراحل العديدة بينهما، بل منا من يفكر ويعيش في جانب من حياته في مرحلة وفي جانب آخر في مرحلة أخرى بعيدة عنها كل البعد مختلفة عنها أشد الاختلاف فاذا بالشخصية الواحدة منقسمة على ذاتها: انقساماً لا شعورياً مضحكاً في بعض الأحيان، وانقساماً في أحيان أخرى واعياً ثائراً منطوياً على كثير من الألم المولد والتفاعل النفسي المثمر))(1).ـ

(1) زريق: نحن والتاريخ ص28 – وحتى على مستوى حلقة الموضوع الكبرى يوجد هذا التداخل فمثلاً فيما يتعلق باكتشاف واستخدام المعادن، فان العصور السابقة لاستخدام المعادن تسمى بالعصور الحجرية لاستخدام الانسان الحجر ثم العصر البرونزي ثم العصر الحديدي ثم عصر الذرة، وعصر الفضاء (يمكن اعتبار هذا التقسيم التقسيم المعرفي (المدني) للتاريخ) يقول سارتون عن هذه العصور في تطورها ((ولكن من المفيد ان نسوق هنا تحذيراً ذا شقين: الأول ان العصر الحجري أو العصور التي تجمعها هذه الصفة، وكذلك العصر البرونزي والعصر الحديدي، لم تحدث في زمان واحد في كل اقليم من الاقاليم، فربما ابتدأت مبكرة، وربما استمرت أطول في اقليم عنها في اقليم آخر، استمر العصر الحجري في الأمريكيتين – مثلاً – إلى عصر الفتح الأوربي. الثاني ان هذه العصور لم تكن منفصلة مختلفة بعضها عن بعض اذ استمرت الأدوات الحجرية مستعملة في العصر البرونزي، واستمرت الأدوات البرونزية في العصر الحديدي وأحياناً استمر [ كما هو الحال على مستوى وعي الفرد باستمرار الغريزة ] استخدم المواد القديمة لاغراض دينية أو حقلية [ كما هو الحال على مستوى وعي الفرد باستمرار استخدام التعاويذ والتمائم ] كاستخدام السكاكين الحجرية لاغراض الختان في مصر الفرعونية وفلسطين، تاريخ العلم جـ1 ص49-50)).ـ

ان الذات المذهبية تتفاعل مع الموضوع وتغيره ويتغير تبعاً لذلك وعي الناس وهكذا يكون وعي الناس نتاج تغيير الموضوع وتغيير الموضوع نتاج عبقرية انسان والعبقرية ليست خالصة بل هي دائماً وأبداً عبقرية محصلة، بمعنى انها ليست متفردة مجردة بل متفردة منتمية باعتبارها غير مقطوعة عن الجذور التكوينية لوعي الأمة ومحركاتها الموضوعية (ما عدا علاقة العبقرية بالمعرفة حيث لا تنتمي إلى وطن أو امة) وهي تكمن في ابداع العبقري بتنظيم سلسلة تطور المجتمع من حلقاته المبعثرة إلى صيغ وتكوينات جدلية متقدمة وهي محصلة باعتبارها تاريخ الانسان الطويل في تعامله مع الطبيعة والمجتمع، لان العقل الجدلي لا يمكن ان يمثل القوة الفاعلة للحقبة التاريخية ما لم يعبر عن التكوين التاريخي للامة ان هذا الانسان الجدلي التاريخي الحي الفاعل والمتمثل بانسان الذات المذهبية الصانع للتاريخ هو ((ليس ((مستقبلياً)) مطلقاً سابحاً في الرؤى والأحلام ولا ((حاضرياً)) مطلقاً غارقاً كل الغرق في ما حوله من مشكلات ولا ((تاريخياً))(1) مطلقاً يحن إلى الماضي ويبغي ان يرجعه كما كان، وانما هو يعيش في توتر دائم بين الحاضر والمستقبل والماضي، وتتفاعل ذاته واياها جميعاً بادراك متزن صحيح، وبشعور دقيق نافذ، فيكون من أثر هذا التفاعل العمل التاريخي المبدع، الامين للماضي المتغلب على الحاضر، المخطط للمستقبل، الداخل في صلب الحضارة، المسهم فيها، المتشوق إلى من يأتي بعده ويتخطاه في مجالات الصنع والابداع والاسهام الحضاري. ومن الطبيعي ان صانع التاريخ هذا لا يستطيع تحقيق كيانه وبلوغ هذه المرتبة التي نصف إذا لم يشعر بقدرته على الاختيار واذا لم يكن مستعداً لتنفيذ اختياراته فالذي لا يرى السبل المختلفة المرتسمة أمامه، ولا يثير هذا الاختلاف قلقاً في نفسه ولا يحس ان عليه ان يختار بينها، وان يعتزم ويقرر، وانه قادر على هذا ومسؤول في نهاية الامر عنه – الذي لا يتصف بهذه الصفات أو ليس مؤهلاً لها يقصر عن الارتفاع إلى مرتبة العمل التاريخي ويظل تابعاً يجر قدميه في مؤخرة الركب ولا يتوصل إلى مقدمته))(2).ـ

ومن خلال هذا الانسان الحي الفاعل، البطل التاريخي، الذات المذهبية، نلاحظ خطأ عبارة ميزونوف حين يتحدث عن التيار الدينامي، (أحد مفاهيم عالم النفس الألماني لوين): ان هدف الدينامية في علم النفس كما في الفيزياء هو دائماً ((ارجاع الغرض إلى الوضع))(3) فدينامية الوعي الجدلي تصحح العبارة السابقة، بان هدف الدينامية هو دائماً دفع الغرض

(1) يميز مؤلف كتاب نحن والتاريخ بين التاريخي والتأريخي إذ ان التاريخ بـ(الألف اللينة) الماضي ذاته والتأريخ (بالهمزة) دراسة الماضي.

(2) زريق: نحن والتاريخ ص190.

(3) ميزونوف: دينامية الجماعات ص23.
أو الهدف إلى التموضع، والتموضع يعني تحقيق موضوعي لوعي بعدي، فهو ديناميكية آصرة الوسيلة – الغاية، والا فالدينامية التي يتحدث عنها ميزونوف هي عملية تكيف استاتيكي فهي دينامية في ظاهريتها كمراوحة في المكان دون ان تتضمن تموضع أي محتوى أو وعي جديد فهي بمعناها العريض استاتيكية:الوسيلة – الغاية كاستجابة تكيفية لتموضع وعي ذات بعدية الوعي، وبمعناها الضيق هي مسار آصرة الغاية – الوسيلة كعودة لتحريك وعي قبلي، وبهذا تصبح مهمة التثقيف كتطور هو تحقيق الاستجابة التماثلية مع ما هو متحقق فعلاً والمتمثل بتموضع الذات البعدية الوعي كبطل تاريخي.

ان المجتمع (أي مجتمع في جميع مستويات تكويناته الانبعاثية التاريخية) ليس وجوداً مستقلاً خارج الافراد وانما هو نتاج تموضعات الوعي البعدي لافراده، وهكذا فالمجتمع كتجريد عام لا يفكر ولا يملك وعياً بعدياً وانما الافراد هم الذين يفكرون ويملكون وعياً بعدياً، وأفضل تشبيه للتفاعل المتبادل ما بين الفرد ومجتمعه الورقة والشجرة ((فالفرد من نوعه كالورقة من الشجرة تتغذى منها وتساعد على تغذيتها))(1).ـ

ويوجد أساس مادي لهذا التطور الذهني على المستويين الزمني والزماني ويتضح ذلك في العمليات العقلية العليا التي تكون ذات ركنين متميزين ومتلاحمين في آن واحد هما الجانب الجسمي المخي الذي هو أساسها والجانب الاجتماعي الثقافي المكتسب الذي يؤلف محتواها ((معنى هذا بعبارة أخرى محتوى الفكر ليس هو نتاج الوظيفة المخية وان كان مرتكزاً اليها وناشئاً بعدها وعلى أساسها، انه نتاج المجتمع عبر تاريخه الطويل))(2) وهذا الاساس المادي هو المبدأ الذي يعرف علمياً بأسم Corticalization: وهي العملية الفسلجية التي بلغت عند الانسان ذروتها والمتمثلة بخضوع الجسم كله لسيطرة القشرة المخية ((أي انتقال الوظائف الدماغية المهمة انتقالاً متدرجاً وفق مبدأ التطور صعداً إلى نصفي الكرة المحنية فالقشرة المحنية فالفصين الجبهيين بحسب تكامل كل منهما في الانواع البايولوجية المختلفة، فالوظائف التي تنجزها الاقسام الدماغية الواقعة تحت المخ في الفقاريات الدنيا التي لم يكتمل نمو المخ عندها قد انتقلت إلى المخ لدى الفقاريات الأرقى مع اختلاف متدرج بين هذه فيما يتعلق بدرجة تكامل نمو المخ))(3) ((وقد دل تاريخ تطور دماغ الانسان على ان المراكز العصبية الدنيا، الاقدم من الناحية التطورية التي تقع تحت المخ Sub Cortex (مثل ثلاماس وهايبو ثالاماس والجهاز الشبكي والمخيخ والقنطرة والنخاع المستطيل) قد أزاحت أهميتها البايولوجية جانباً وأصبحت ثانوية بفعل تطور المراكز الدماغية العليا والأحدث في نشوءها وارتقاءها بالاضافة ايضا إلى خضوع المراكز الدماغية السفلى إلى العليا، معنى هذا ان المراكز الدماغية السفلى لم تفقد أهميتها البايولوجية في المحافظة على حياة الفرد والنوع في ارتباطه بالبيئة المحيطة فقداناً تاماً بسبب انتقال الوظائف الدماغية المهمة إلى المراكز العليا بل أصبحت ثانوية خاضعة أو تابعة، وان المراكز الدنيا مستمرة في عملها في الجهاز العصبي المركزي السليم تحت اشراف المراكز العليا . . . أي ان الدماغ يتطور وفق مبدأ ((تراكم الطبقات)) Stratification: وذلك باضافة طبقات دماغية جديدة إلى القديمة وعلى أساسها وان اية طبقة قديمة لا تختفي أو تزول عن الوجود عندما تنشأ فوقها طبقة جديدة بل تنزاح جانباً بفعل الطبقة الجديدة. معنى هذا، بتعبير هيجل الفلسفي ان الطبقة الجديدة تنفي الطبقة القديمة نفياً ديالكتيكياً))(4) وتتم تلك العملية التطورية عن طريق وجود ممثلات مخية لأعضاء الجسم المختلفة من الناحية الحسية والحركية تختلف مساحاتها المخية باختلاف أهمية العضو من الناحية البايولوجية.

(1) ديورانت: قصة الفلسفة ص411 ترجمة فتح الله محمد المشعشع.

(2) جعفر: طبيعة الانسان في ضوء فسلجة بافلوف جـ1 ص303.

(3) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص101.

(4) نفس المصدر ص82-83 – هذا (النفي) الديالكتيكي هنا يشبه إلى حد ما المبدأ الفيزياوي المعروف بمبدأ التطابق Corres Pondence principle وهو القائل ((بان نظرية تصح في حقل معين لا تفقد صحتها فقداناً تاماً بنشوء نظرية جديدة أعم إنما تصبح قوانينها وصياغتها الرياضية حالة خاصة حدية من قوانين النظرية الجديدة وصياغتها الرياضية، الفلسفة والفيزياء جـ2 ص104 تأليف د. محمد عبد اللطيف مطلب))



حلقة الموضوع الكبرى

قبل توضيح حلقة الموضوع الكبرى (المجال الجذبي للواقع) باعتبارها نتاج التطور الجدلي لتموضع ذوات بعدية الوعي والاستجابة التماثلية الجمعية لها من قبل أفراد المجتمع ان اوضح عوامل المقياس الذهني وتكوين الذات الاجتماعية حيث بصورة عامة ان للمقياس الذهني عدة عوامل هي:


الموضوع: وهو المحفز الذي ينطلق منه تكوين المقياس الذهني لشتى الموضوعات فهو الواقع أو مجموعة المفاهيم العامة التي ينطلق منها ويتوجه اليها النشاط الذاتي (العقلي) للانسان أو أي نشاط آخر، وهي مفاهيم مرتبطة بمستوى محتوى العلاقة الجدلية بين الذات والموضوع.


العقلانية: هي انسجام القوة الكامنة للمقياس الذهني كمطلب بعدي (التطور، الغاية) مع الامكانية الموضوعية كوجود فعلي وان انعدام هذا الانسجام يؤدي إلى تكوين أفكار لا عقلانية من خيال وسحر وشعوذة، وعلى مستوى التطور التاريخي في الحقب التاريخية الأولى لم يتبلور هذا العامل (وهذه حالة شرعية) الذي هو عبارة عن التفاعل التاريخي للقصدية مما أدى إلى تكوين أفكار لا عقلانية من أساطير وآلهة محلية.


التكيف: تآلف نسبي بين المقياس الذهني والموضوع لتحقيق الاستمرارية، والتكيف نوعان: تكيف استاتيكي وتكيف ديناميكي، فالاستاتيكي هو تكيف لاستاتيكية الوعي المتمثلة بالقالبية المطلقة للمجتمع والتي تؤدي إلى العرف كاستجابة تماثلية لما هو موجود (آصرة استاتيكية: الوسيلة – الغاية)، والديناميكي هو تكيف لديناميكية الوعي المتمثلة بالعقلانية والتي تؤدي إلى (القانون) باعتبارها التفاعل الموضوعي للوعي البعدي للذات المذهبية في تموضع ذاتها كبطل تاريخي.

ويجب تمييز التكيف عن الترويض بكون الأخير يمثل سلطة الغير الاضطهادية المفروضة قسراً (سلطة مفروضة من خارج المجال الجذبي للواقع) على الانا سواء أكانت أنا فردية أو اجتماعية، وعندها تحدث أزمة، انتصار الترويض فيها على التكيف يؤدي إلى الاغتراب وانتصار التكيف فيها على الترويض يؤدي إلى العِرقية.


الاضافة الذاتية: تحويل المقياس الذهني إلى عقيدة.


الزمن: تهذيب مستمر للمقياس الذهني من خلال اسقاطات الخزين العقلي للانسان على الموضوع.

الذات الاجتماعية(1) التي هي نتاج تفاعل الذات المذهبية (وعي بعدي) والمعاصرة (استجابة تماثلية له) مع الموضوع [ الذات الاجتماعية=(المذهبية + المعاصرة) الموضوع ] ـ

عبارة عن سلسلة تطور المقاييس الذهنية المستمرة لافرادها ذات الوجود الموضوعي كضرورة تفرضها جدلية التكوين التاريخي للعقل.

(1) يجب التمييز – كما سيتضح فيما بعد – ما بين المدنية والحضارة في عقل الذات الاجتماعية حيث بصورة عامة جانب العقل الفاعل أي الكشف الذاتي يمثل المدنية حيث يمكن نقل المدنية في الزمان والمكان بينما الحضارة لها زمانها ومكانها وهي (أي الحضارة) ماضي لها قوة في الحاضر بينما المدنية ليست لها تلك القوة لانها مجردة من ضغط الوعي الجدلي، لذا فان عصرنة الماركسية وعقلنة الشيوعية يتم عن طريق التمييز هذا أي ما بين الوعي كخلق ذاتي للمجتمع والمدنية ككشف ذاتي للعالم وبهذا يكون النضال العالمي الموحد باتجاه ردم تلك الفجوة المدنية بين شعوب الأرض وكذلك يتوقف على هذا التمييز نوعية العلاقة ما بين الذات والموضوع، ففي حالة الكشف الذاتي تكون ذات سلبية تجاه الموضوع (ذات منفعلة، موضوع فاعل) وفي حالة الخلق الذاتي ذات ايجابية تجاه الموضوع (ذات فاعلة، موضوع منفعل) ويقوم تفاعلهما على التأثير التاريخي المتبادل ما بين الخبرة والممارسة والعقل والتاريخ للذات الاجتماعية.

الفارق الوحيد هو في (المتى) المرتبطة بالامكانيات المتمثلة بتموضع ذات بعدية الوعي كبطل تاريخي؛ لان العقل سمفونية رائعة لا يقبل النشاز، فالاضطراب يمثل النغمة (النشاز) التي لا تنسجم مع اذن المجموعة (الوعي الاجتماعي) والاضطراب يعني أزمة التكيف – الترويض، قد يكون نشاز للوهلة الأولى نتيجة تقوية النغمة (العقلية) وتطويرها من خلال التكيف لديناميكية الوعي وقد يكون نتيجة ملل تكرار النغمة الناتج عن التكيف لستاتيكية الوعي وان اشد أنواع الاضطراب هو الناتج عن النغمة الأجنبية نتيجة الترويض.

فالعقل ليس نتاج قوى خارج الطبيعة، وليس أيضاً نتاج قوى متناقضة بل هو نتاج انساني محض ذو محتوى موضوعي للاستمرار المتتابع على شكل سلسلة ديالكتيكية من النفي والصيانة للمقاييس الذهنية يكون الزمن فيها الغربال.

عندما لا يكون المحرك نتيجة قوى خارجية ولا نتيجة قوى متناقضة للموضوع فماذا يكون إذن ؟!!!

الدافع للحركة هو قوة الوعي البعدي والذي يتمثل بالتكوين المستقبلي لما هو موجود ضمن اطار تكوين العقل الجدلي والذي يخلق موازنة قلقة تلك التي ترفد الحركة بالطاقة نتيجة مفارقته (أي الوعي البعدي) للواقع مفارقة جدلية، وتستنفذ إمكانية الحركة بمطابقة جديدة للواقع مع الوعي البعدي، وكما قال برادلي ((الحركة مستحيلة على الشيء إذا كملت حقيقته))(1). فالحركة هي طاقة ذهنية تستنفذ امكانياتها في الواقع وتنتهي بمطابقة الواقع الجديد للذهن المتضمن على الوعي البعدي باطاره الجدلي، اذن فالحركة هي وعي نتاج لوعي وتنتهي بوعي فالحركة بعبارة مقتضبة هي ولادة وعي تماثلي من أمهِ الوعي القبلي وأبيه الوعي البعدي ولادة تكمن شرعيتها من الواقع الذي تعبر عنه. كنتيجة لنشاط العقل الاجتماعي الموروث عن طريق اللغة (المنطوقة والمكتوبة)(2) تطورت المقاييس الذهنية للانسانية من الفطرية إلى المذهبية. فمراحل التطور النفسي للفرد هي عينها مراحل تطور المجتمع(3) وكل مجتمع

(1) المنهج الجدلي عند هيجل ص143، د. امام عبد الفتاح امام .

(2) ((الميزة الخاصة التي يمتلكها الانسان، الا وهي تدوين خبراته حتى يستفيد منها الآخرون فهذه القدرة الفريدة تسمى الترميز Symbolization وبها تكون الكلمات المكتوبة رموزاً للافكار وهذه الرموز نفسها يمكن استخدامها لتوضيح الافكار بل وللوصول بسرعة أكبر فاكبر إلى افكار أكثر تعقيداً، ويكمن في هذه النقطة بالذات – نقطة استخدام الفكر الرمزي – سر تفوق الانسان على غيره من الكائنات الحية. ص6. عقول المستقبل، تأليف جون ج. تايلور . ترجمة لطفي فطيم)).

(3) ((المبدأ البايلوجي العام أو قانون (Biogenetic) الذي وضعه ارنست هيكل الالماني (1834-1919) والذي فحواه ان كل فرد يعيد بين طفولته ورشده الملامح الكبرى التي مر بها اسلاف الانسان في عملية النشوء والارتقاء، اما محاولات تطبيقه على التطور العقلي فقد قام بها ستانلي هول الامريكي (1844-1924). ص137. اللغة والفكر د. نوري جعفر)) ((من المقرر ان المراحل التي يجتازها الطفل في مظهر ما من مظاهر حياته تمثل المراحل التي اجتازها النوع الانساني في هذا المظهر.... يطلق على هذه النظرية اسم ((نظرية هيكل Hoeckel أو ((نظرية التلخيص العام)) ص43 نشأة اللغة عند الانسان والطفل، د. علي عبد الواحد)) ((ولقد علمتنا الاشياء البيولوجية الهامة المماثلة ان التطور النفسي للفرد ما هو الا تكرار قصير لتطور الجنس البشري، ص65 ليوناردو دافينشي. دراسة في السلوك الجنسي الشاذ، فرويد. ترجمة عبد المنعم الحنفي)) ((فالطفل يكرر في مسار نموه النفسي، وعلى منوال مختصر، التطور النفسي للسلالة البشرية وهو التكرار الذي كان علم الاجنة قد أقام البرهان عليه فيما يتصل بالجسم ص47 مسائل في مزاولة التحليل النفسي، فرويد. ترجمة جورج طرابيشي)) ((فمن الواجب على هذا المخلوق البدائي الصغير ان يصبح في عدة سنوات قليلة انساناً متحضراً، ومن الواجب عليه ان يمر بمراحل هذا التراث الضخم من تطور الحضارة الانسانية في صورة مختصرة جداً وقد جعل الاستعداد الوراثي ذلك أمراً ممكنا. غير ان ذلك لا يمكن ان يتحقق أبداً بدون المعاونة الاضافية التي تقدمها التربية وسلطة الوالدين- وهي أصل الأنا الأعلى – التي تحدد نشاط الأنا بالنواهي والعقاب، وتسهل حدوث الكبت أو تجبر الأنا عليه وذلك لا ينبغي علينا ان ننسى ادخال تأثير الحضارة ضمن العوامل المسببة للامراض العصابية، فمن السهل في رأينا، ان يكون الهمجي في صحة جيدة اما الرجل المتمدن فعبأ الحياة عليه ثقيل، وقد تبدو لنا الرغبة في الحصول على أنا قوي مكبوت أمراً معقولاً، غير ان ذلك شيء معاد للحضارة أشد المعاداة كما يظهر ذلك في هذه الأيام التي نعيش فيها ص104 فرويد. معالم التحليل النفسي ترجمة. محمد عثمان نجاتي)).


يختلف عن غيره من المجتمعات في فترات السكون التاريخي ما بين المقاييس الموضوعية ومحتواها حيث التطور يتناسب عكسياً مع السكون التاريخي أي التطور في المجتمع هو تقلص السكون ما بين المقاييس الموضوعية (الاجتماعية) وهو تطور متوازي مستقل في مراحله التكوينية الأولى بين المجتمعات المختلفة ومستقل نسبياً فيما بعد نتيجة الايحاء وهو تطور يتميز بالتماثل في الشكل العام(1) والاختلاف فيه يكون في الفترة الزمنية لانطلاق مراحله ومحتواه الضمني ومن أبرز الأمثلة على ذلك الانقلاب الزراعي وتدجين الحيوانات الذي حدث في بلاد الرافدين في العصر الحجري الحديث (في حدود الألف التاسع أو الثامن إلى 5600 ق.م) قد تباين زمن ظهوره في المجتمعات المختلفة الأخرى حيث ((انه إلى جانب مناطق الشرق الأدنى وفي مقدمتها شمالي العراق التي ظهرت فيها أولى وأقدم زراعة، ظهر ذلك الانقلاب أيضاً بوجه مستقل في مركزين آخرين من العالم ولكن في أزمان متأخرة عن ظهوره في الشرق الأدنى وهما الشرق الأقصى (الصين) حيث زراعة الرز وتدجين الخنزير في حدود 3000 ق.م وفي أمريكا الوسطى حيث زراعة الذرة في حدود 1000 ق.م أما في سائر انحاء العالم فقد انتقلت اليها منجزات العصر الحجري في ازمان متفاوتة في الشرق الأدنى بالدرجة الأولى، فمثلاً انتقلت إلى اوربا عن طريق تركيا واليونان والى جنوبي روسيا ووادي الدانوب ومع ذلك الانتشار فان مجتمعات بشرية عديدة ظلت تعيش في طور جمع القوت بعد مرور ألوف كثيرة من السنين على ظهور الزراعة في

الشرق الأدنى))(2)(3).ـ

(1) أنظر مرفق ص 64 المخطط العام لتطور المجتمعات (الشكل العام).

(2) باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الوجيز في حضارة وادي الرافدين ص202.

(3) لاحظ أيضاً الاختلاف في محتوى الانقلاب.

ما هو عامل تفعيل التطور وما هي عناصر تسارعه؟

كسر حالة التوازن ما بين الموضوع والذات الاجتماعية تتم بمحصلة تتجه دوماً من الذات المذهبية (باطار تكوينها الجدلي) إلى الموضوع بتعبير آخر تفاعل الاصالة
(التراث = عناصر التسارع) مع الخلق والابداع (عبقرية انسان = عامل التفعيل) هو الصيرورة الحضارية المستديمة كنتاج للقانون الرئيسي في تطور المجتمعات وهو: ـ

ان حياة المجتمع بدون عبقرية انسان هي فترة السكون التاريخي(1) (فراغ تاريخي، عدم، اجترار وعي) وهذا القانون هو جوهر جدل التاريخ ويمثل نفياً ديالكتيكياً للقانون العام القائل ((بان المرء ينتهي دوما بتطبيق السلوك الذي اكتسبه من الآخرين على نفسه))(2) فالقانون الرئيسي يمثل

(1) وللفيلسوف اليوناني انباذوقلس (490-430 ق.م) نظرة في ما يتعلق بـ (الاتحاد) وما يؤدي إليه من وحدة ساكنة والانفصال وما يؤدي إليه من فساد وكثرة مضطربة والذي سوف يكون علّة التجدد في الاتحاد الجديد.

(2) بياجيه: التطور العقلي لدى الطفل ص69 ترجمة سمير علي.

ديناميكية الوعي والقانون العام يمثل ستاتيكيته (الوعي التماثلي، القالبية المطلقة، العرف) والقانون الرئيسي قانون جدلي خاص، فهو جدلي لأنه لا يمكن فصله عن التكوين التاريخي لمجاله الجذبي أي القطب الأول من جدل التاريخ: المؤثر الكامن المكنون، وخاص لأنه نتاج وعيه أي القطب الثاني من جدل التاريخ: المحرك الكامن المطلوب، ويمكن صياغة هذا القانون بالشكل التالي: ان المرء الذي يفكر بوعي بعدي كبطل تاريخي ينتهي دوماً بتطبيق السلوك الذاتي الذي اكتسبه جدلياً على الآخرين ضمن مدى مجاله الجذبي أي ان ما هو موجود بالفعل كوعي تماثلي (تطابقي) هو تموضع قبلي لامكانات ذوات بعدية الوعي، بمعنى ان الوعي التطابقي لها يعني الايمان بما هو موجود فعلاً اما تثويره بواسطة وعي بعدي جديد هو الديناميكية الفاعلة لجدل التاريخ حيث تبقى الذات في الوعي التطابقي ذات عارفة اما في الوعي البعدي فهي ذات فاعلة وهي ذات البطل التاريخي. والابطال التاريخيون هم العلة الاساسية للتعددية المذهبية في المجتمع، لأن مراحل التكوين العقلي للفرد متصلة ومستمرة ديالكتيكياً لا مع بعضها فحسب بل مع التكوين العقلي التاريخي لأمته, التعددية المذهبية تمثل مرحلة تعدد التيارات وتصادم النزعات باعتبارها مذاهب في صراع وهي تتناسب طردياً مع الحقب التاريخية الانبعاثية حيث ان كل فترة تاريخية انبعاثية تعني تموضع ذات بعدية الوعي لأنه بدون هذا التموضع فالوعي لا يعني أكثر من ان يكون تمثل تطابقي للوعي الموضوعي أو تمثل قبلي للتموضعات السلفية والتعددية المذهبية في كل مجتمع تاريخي تكون كامنة وظاهرة فهي كامنة عندما تمثل اغتراب جدلي لبطل تاريخي كامن يكافح لتموضع وعيه وظاهرة تمثل المذهب المركزي والمذاهب الثانوية كما موضح أدناه.



هؤلاء الأفراد التاريخيون هم على حد تعبير ماركيوز(1) ـ

(1) العقل والثورة ص220.

وهو يتحدث عن هيجل ((رجال عصر تنشأ فيه ((مصادمات جبارة)) ((بين الواجبات والقوانين والحقوق القائمة المعترف بها، وبين الامكانات التي تتعارض مع هذا النظام الثابت، والتي تزعزع أسسه ووجوده، بل تهدمها)) هذه الامكانات تبدو للفرد التاريخي في صورة اختيار متاح لقدرته الخاصة ولكنها تنطوي على ((مبدأ كلي)) من حيث انها اختيار شكل أعلى للحياة، تصبح في داخل النظام القائم وهكذا فان الافراد التاريخيين قد استبقوا ((الخطوة التالية الضرورية للتقدم، التي كان يتعين على عالمهم اتخاذها)). فالموضوع الذي كانوا يرغبونه ويناضلون من أجله هو ((نفس حقيقة عصرهم وعالمهم)). والاساس الذي انبنى عليه سلوكهم هو الوعي
((بمقتضيات العصر)) وبما أصبح ((ناضجاً للنمو والتطور))))وعلى حد تعبير ويد جيري وعو يتحدث عن الابطال وعبادة الابطال والبطولة في التاريخ عند توماس كارليل( ان التاريخ الشامل كما أراه، تاريخ ما انجزه الانسان في هذا العالم، هو في قرارة الأمر تاريخ الرجال العظام الذين عملوا فيه، هؤلاء الرجال العظام، كانوا القادة، فقد كانوا القدوة والنموذج، وبمعنى أعم، كانوا هم الذين خلقوا كل ما فاز به وبتحقيقه جمهور الناس العام، فكل ما نراه من انجاز في العالم هو حرفيا النتيجة المادية والتحقيق العملي والتجسيد للافكار التي عمرت بها مخيلة الرجال العظام المرسلين إلى العالم، ويمكننا ان نقول بأصح حجة ان تاريخهم يوضح ما حرك تاريخ العالم باكلمه)) فان ((تاريخ العالم)) هو ((مسيرة الرجال العظام)))) (1) وتفعيل الواقع بواسطة البطل التاريخي يتم بمرحلتين مرحلة الحركة الذاتية للفهم من الواقع إلى الذهن والتي يكون فيها الوعي في مفارقة ديالكتيكية مع ما هو موجود (الواقع) وحركة ذاتية للفعل من الذهن إلى الواقع والتي يتم فيها تفعيل ما هو موجود ليطابق الوعي البعدي. يقول رسل(2)ـ

(1) ويد جيري: المذاهب الكبرى في التاريخ من كونفو شيوس إلى توينيي ص141 – نص هامش المؤلف ((لقد كتب كارليل في بحث سابق بعنوان في التاريخ يقول(ان التاريخ هو جوهر سير عديدة)) ولكنه على خلاف الاهتمام الذي سيظهره فيما بعد بالشخصيات النابغة وحدها، كان يلفت النظر إلى أهمية الشخصيات المنسية والمعتبرة عامة في المرتبة الثانية. ((من كان أعظم مجدد، ومن كان أهم شخصية في تاريخ الناس: أهو هذا الذي أول من قاد الجيوش عبر جبال الألب وانتصر في معارك كان Cannes وفي معركة بحيرة ترازيمين Trasimine أم هو ذلك المجهول الخشن الذي كان أول من اخترع المعول؟)). ص241 المذاهب الكبرى في التاريخ من كونفو شيوس إلى تويني . ت. ذوفان قرقوط)).

(2) حكمة الغرب ص162جـ2 ترجمة د. فؤاد زكريا.

((ولا بد من التمييز بين الذهن أو الفهم وبين العقل. وقد عبر هيجل في مرحلة لاحقة عن هذه الفكرة بقوله ان العقل هو ما يوحّد الناس، على حين ان الفهم هو ما يفرقهم ويمكننا القول ان الناس يكونون متساوين بقدر ما يكونون عقلاء، أو مالكين لنعمة العقل، ولكنهم يتفاوتون فيما يتعلق بالفهم، لأن هذا الأخير تعقل إيجابي يتفاوت الناس فيما يتعلق به تفاوتاً هائلاً)) فالتفكير هو تفعيل الحركة الذاتية للفهم بمعنى ان يجعل لها وجوداً موضوعياً بشكل تموضع ذات، ولتوضيح ذلك، ان المراجع الاساسية للدين الاسلامي هي نفسها بالنسبة للمذاهب المختلفة وهي تمثل العقل ولكن الاختلاف ناتج من اختلاف وجهات نظر العلماء المجتهدين وهي تمثل الفهم، والعقل هنا هو استمرارية الوعي القبلي الناتج عن تموضع ذات، ولتوضيح ذلك أكثر استطيع ان استعير مفهوم دي سوسور في تفريقه الاساسي بين اللغة وهي نظام وبين فعل الكلام حيث يكون جانب اللغة التي تمثل عنده ذخيرة من العلاقات التي تجمعت سلبياً (والمقصود بالسلبية انها موجودة خارج إرادة الفرد باعتباره متلقي سلبي لها) وتمثل الجانب الاجتماعي والتي تسلمها الفرد من بقية الافراد في مجتمع لغوي واحد، هذا الجانب يمثل في تشبيهنا العقل، والكلام Parole الذي هو عنده يمثل الجانب الفردي يمثل في تشبيهنا الفهم والتفكير هو عملية الخلق الذاتي في الكلام ومن خلاله، بحيث يكون للجانب الفردي الجديد (الكلام المخلوق) جانب اجتماعي (لغة) لأن الفكرة الذهنية كتكوين ذاتي لا يكون لها وجود موضوعي كمفهوم اذا لم تكن باطار رمز مدرَك (سواء أكان رمز منطوق أو مكتوب)، وهذه العلاقة توضح كما يلي: لغة (ذخيرة سلبية بالنسبة لذات الفرد، لغة مجتمعه) [ العقل ] كلام (ذخيرة ايجابية بالنسبة لذات الفرد وتمثل ما يلتقطه من مجتمعه اللغوي) [ الفهم ] خلق الكلام [ تفكير ](1).ـ

فالعلاقة الجدلية واضحة فالكلام يعتمد على اللغة واللغة بحد ذاتها هي معادل عام لمجموعة الجذور التكوينية للكلام في تفاعله التاريخي، وهذا هو الوعي الجدلي المستند إلى قوة التاريخ، وبدون هذا الفهم يكون الوعي كالاشياء لا يحسب أي حساب لجذوره التاريخية كمؤثر كامن مكنون باعتبارها القوى القبلية الكامنة، ومن المهم ان أشير إلى ان الوعي التطابقي لا يعني ان الفرد في تمثله لوعي المجتمع ان يكون تمثله كلي (بمعنى ان تمثله لا يشمل كل جوانب الحياة العقلية لمجتمعه) وانما يكون مع خصائص فردية في وعي المجتمع تكون على صلة مع وعيه البعدي باعتبار هذه الخصائص امكانيات من جهة ولمنع استرخاء شد الذهن في التعامل الروتيني كهدنة توتر(2) مع الواقع من جهة أخرى.

فلو نظرنا إلى تكوين العقل البشري كما هو كائن في الواقع بمختلف تكويناته الجذبية المخلوقة لأدركنا الترابط الجدلي بين مراحل التكوين العقلي للفرد مع التكوين العقلي التاريخي لأمته(3) وهذا هو السبب الجوهري لايماني العميق بعدم امكانية تحديد علم النفس ضمن اطار دوغمائي مجرد من محتوى التكوين التاريخي للعقل لأنه علم تتفاعل فيه الديناميكية الذهنية مع التعددية الموضوعية عبر قناتي مبدأ جدل التاريخ: المؤثر الكامن المكنون والمحرك الكامن المطلوب.ـ

(1) خلق الكلام [ التفكير ] يمكن ان يكون:

1)مضمون فقط/ خلق مفهوم جديد للكلمة بنفس اطارها اللفظي / في معظمها تمثل جانب الوعي من العقل / فكلمة الاستعمار مثلاً تعني في معناها الأصلي نزوح جماعة من الناس إلى منطقة شبه خالية من اجل تعميرها اما الآن فتعني نزوح (جماعة) من الناس إلى منطقة عامرة لتخريبها، ومثال آخر الجدلية كانت تعني المجادلة وهي مقابلة الحجة بين المتناظرين وهي أيضاً: اللدد في الخصومة، ولكن الآن ((يقال بين هذه المسألة وتلك علاقة ((جدلية)) يريدون ان العلاقة حتمية وان الأولى لا بد أن تفضي إلى الثانية وان كليهما مترابطان متكاملان (السامرائي العربية تواجه العصر ص42).

2)اطار ومضمون/ خلق مفهوم جديد يضاف إلى الذخيرة اللغوية باطار صوتي جديد/ معظمها جانب المعرفة من العقل/ مثال ذلك/ المذياع/ الكهرباء/ النشاط الاشعاعي.

3)اطار فقط/ خلق اطار لفظي جديد للكلمة بنفس مفهومها الاجتماعي أي خلق مرادفات للكلمة مثال ذلك/ مصباح، قنديل واسد، ليث، الخ.

(2) أنظر نهاية ص144، وما بعدها.

(3) من المهم ان أذّكر هنا ان الجذر التاريخي لكلمة القومية في اللاتينية هي كلمة Nascar التي تعـــني
((انا مولود)) وهي تشبه في اشتقاقها هذا إلى حدما اشتقاق كلمة القومية في العربية من كلمة قوم عند العرب بكل ما تعنيه هذه الكلمة عندهم في جذورها التاريخية من معنى الارتباط بالرحم كما لا يخفى على أحد.

.

يمكن توضيح حلقة الموضوع الكبرى (المجال الجذبي للواقع) باعتبارها التطور الجدلي بالمخطط شكل رقم -2- مع ملاحظات لابد منها لاستيعاب مبدأ جدل التاريخ ضمن اطار تكوين العقل الجدلي.

ـ

ملاحظة أدناه تكبير لكل صفحة من المخطط أعلاه لغرض التوضيح علما أن المخطط موجود في أصل الكتاب ملحق صفحة 64 ]ـ]

شكل رقم -2-ـ

مخطط عام للتطور الإجتماعي الجدلي (حلقة الموضوع الكبرى )ـ

لا تختلف المجتمعات بالتسلسل التتباعي للمراحل بل في عمق ومحتوى وطول وأسبقية الفترات الزمنية للمراحل)ـ)











ملاحظات لابدَّ منها لاستيعاب مبدأ جدل التأريخ

أولاً – ان الاطار العام الذاتي والموضوعي في تكوين العقل الجدلي يتميز بالعمومية لجميع الأفراد والمجتمعات، ولكن بسبب الاندفاعات الخاصة والاهداف المتباينة والخبرات المختلفة التي يكتسبها الأفراد وتكتسبها المجتمعات، يكون محتوى هذا التكوين مختلف ومتباين باختلاف وتباين المجالات الجذبية الموضوعية والاهداف الموضوعانية(1) التي يتعامل معها الافراد والمجتمعات، حيث (على سبيل المثال) ليس هناك من فردين يمران بنفس التجارب ويكتسبان نفس الخبرات بالضبط وبشكل متماثل، ويشمل هذا ليس فقط الأخوة الاشقاء، بل حتى التوائم الذين ترعرعوا في نفس الرحم والبيت والبيئة والمدرسة والمجتمع.

ثانياً – المراحل التتابعية الأولى للنمو النفسي (الوعي) ما قبل المفترق الأممي الحضاري للمجتمعات تتميز بالتماثل المتوازي المستقل شأنها شأن التماثل المتوازي المستقل لأشياء الطبيعة الا في الاتفاق العفوي للفونيم وهذا هو الذي يعلل لنا تعدد اللغات في العالم.

ثالثاً – ان نشأة اللغة عند الجماعات البشرية ضرورة قانونية موجودة عند جميع المجتمعات البشرية ولكن الاتفاق العفوي للفونيم (النغمة الصوتية) ظاهرة لا قانونية أي صدفي وهذا مثال حيوي على الرابطة الجدلية ما بين الضرورة والصدفة وهي تشبه إلى حد ما القانون الاحصائي بالنسبة للعالم الميكروفيزياوي حيث انه (على سبيل المثال) تفسخ بعض نوى اليورانيوم يحدث بصورة صدفية أي ظاهرة لا قانونية ولكن حتمية حدوث تفسخ لبعض نوى اليورانيوم يولد قانون النشاط الاشعاعي، بحيث تستطيع القول بانه يوجد (في حالة الاتفاق العفوي للفونيم، تفسخ بعض نوى اليورانيوم) امكانيات كامنة جدليا تطلب واقع موضوعي جديد(2).ـ

(1) الموضوعاتية هي الصورة المستقبلية لما هو موجود.

(2) جدل الطبيعة تمييزاً له عن جدل الحياة الاجتماعية للانسانية في تطورها التاريخي نستطيع ان نسميه بالجدل المغلق باعتباره عملية تكرارية تستمر في حدوثها كما تحدث في كل مرة، اما جدل الحياة الاجتماعية فهو جدل مفتوح تستمر فيه عملية عصرنة الوسيلة وتحديث النفس (الوعي) إلى ما لا نهاية.

رابعاً – أبسط برهان على التطور التماثلي المتوازي المستقل للتكوين البايولوجي للانسان والتطور اللامتماثل واللامتوازي والمستقل نسبياً للتكوين التاريخي للافراد والمجتمعات هو اللغة، حيث ان ميكانيزم اللغة (جانبها الفسيولوجي) هو واحد للانسانية وهو يمثل التكوين البيولوجي المغلق، وبتعبير أدق لا يوجد من الناحية الفسيولوجية ميكانيزم خاص باستيعاب لغة معينة دون أخرى.

خامساً – من خلال المخطط ندرك ان تبلور اللغة في إطار التثقيف التاريخي للفونيم(1) باعتباره النغمة الصوتية التي تم استخدامها لتكوين المورفيم باعتباره متتابعات صوتية منطوقة ذات معنى هي أساس – وليس عامل – الوعي القومي ومحور المفترق الأممي وهي الاساس الوحيد الذي لا يحد تاريخياً بفترة زمنية معينة واللغة كأداة أساسية للخلق الذاتي (أي كوسيلة لمحتوى الوعي) هي علة التغاير الأممي. وسبب انكسار التماثل المتوازي المستقل حيث تنسج كل أمة من خلال مورفيمها أساليب تفكيرها وهي وسيلة ثنائية الوظيفة حيث انها أداة تكوينية وتميزية للأمم في تحويل علاقاتها من علاقات ستاتيكية متماثلة (كتجمعات) إلى علاقات ديناميكية متنوعة (كمجتمعات) ويمكن توضيح ذلك تاريخياً من خلال طرح السؤال التالي: ما الفرق بين الكوتيين البرابرة القادمين إلى العراق من الجهة الشمالية الشرقية والعموريين المتكلمين بالسامية القادمين إلى العراق من الجهة الجنوبية الغربية؟ الجواب دليل على الوعي كجدل تاريخي حيث قام الكوتيون(2) باسقاط الإمبراطورية الأكدية في نفس الوقت الذي بدأ فيه العموريون دخول العراق والذين أنشأوا فيما بعد مدينة بابل(3). ـ

(1) ((الفونيم هو النتيجة النهائية للانطباعات السمعية والحركات اللفظية: ان الوحدة المسموعة والوحدة المنطوق بها، كل منهما تؤثر في الأخرى، اذن الفونيم وحدة معقدة لها جذر في السلسلة المسموعة، وآخر في سلسلة عملية النطق ص14 علم اللغة، الاسس الأولى – دي سوسور وعلم اللغة، تأليف رولون .س.ولز. ترجمة الدكتور يوئيل يوسف عزيز)).

(2) الدور الكوتي 2230 – 2110 ق.م.

(3) العصر البابلي القديم 2000 – 1500ق.م.

الأولى بقيت غريبة عن العراقيين ونظر لها كحالة احتلال ناضل العراقيون للتخلص منها وقد قضي عليهم بعد حوالي القرن من دخولهم، وهي فترة تعتبر فراغ تاريخي بالنسبة للعراق، أما الثانية فهي تكوين حضاري وتميز بان ((انتقل العموريون ولا ريب بيسر إلى التكلم بالأكدية لأن لغتهم الأصلية كانت السامية مثل الأكدية))(1).ـ

سادساً – ان خلق اللغة هو الذي جعل البشرية تتخطى حدود الميراث الغريزي كاحتكاك مباشر في توظيف الخبرة الشخصية إلى توظيف اجتماعي ذهني لها كخزين عقلي جمعي للادراك الذي يجعل ما تلتقطه الحواس أكثر عمقاً مما سبق نتيجة لتوظيف خبرة الأجيال عن طريق اللغة المنطوقة أولاً ثم أُضيف اليها قبل زهاء ستة آلاف سنة اللغة المكتوبة ثم أضيف إليها فيما بعد قبل حوالي خمسمائة سنة اللغة المطبوعة ثم أضيف اليها حديثاً لغة الكومبيوتر والانترنيت فعلى حد تعبير سارتون(2) ((يستطيع الانسان ان يظل في حياته شوطاً طويلاً بلا كتابة ولكن لا يستطيع ذلك بلا لغة، فاللغة هي الاساس الذي يقوم عليه بناء الحضارة وقد اصبحت على توالي الأيام أغنى ذخيرة للحضارة)).ـ

سابعاً – يلاحظ من الناحية الانثروبولوجية ان اللغة تمثل كل الثقل (الحضاري) في المجتمعات الاستاتيكية (البدائية) بينما الحضارة هي التي تستوعب اللغة في المجتمعات الديناميكية فمثلاً عند الإسكيمو أكثر من (40) كلمة تصف الثلج من ناحية الشكل والمواسم وذلك للاهمية (الحضارية) للثلج بالنسبة لسكان الإسكيمو وكذلك الحال بالنسبة للببغاوات في حضارة قبيلة البورو نتيجة لأهميتها (الحضارية) ((فان لغة هذه القبيلة تمتلك عدداً كبيراً من الاسماء التي تقابل الأنواع المختلفة من الببغاوات ولكن لا توجد لديهم كلمة واحدة تعبر عن كافة أنواع الببغاوات(3)))(4) ((يقال ان العرب يمتلكون أكثر من ثلاثة آلاف كلمة لوصف الجمال التي كانت مهمة في حياتهم. ولاشك ان العربي الاعتيادي المعاصر لا يستعمل منها الا عدد محدود مثل جمل وبعير وناقة اذ لم تعد الجمال ذا فائدة حيوية في حياتهم المعاصرة .... ـ

(1) تويني: تاريخ البشرية. جـ1 ص119.

(2) تاريخ العلم، جـ1 ص43.

(3) الحمداني: اللغة وعلم النفس ص194.

(4) ((يفترض بعض العلماء في تفسير هذه الظاهرة ان التشابه بين الببغاوات ليس مهما لهذه الحضارة وما هو المهم هو الفروق بينهما لذلك ليست هناك حاجة لكلمة تعبر عن التشابه بين الببغاوات عموماً بل الحاجة ماسة لعدة كلمات تبين الفروق بين الببغاوات)) نفس المصدر.

وللأطر الاجتماعية دور في هذه المفاهيم ففي العربية نميز بين العم والخال والعمة والخالة ولكننا لا نجد مثل هذه التمييزات في اللغة الانكليزية مثلاً))(1) ((ولقد ازدادت قدرة الانسان على التعميم عن طريق اللغة تدريجياً وكانت هذه القدرة عند الانسان البدائي هزيلة رغم بدئه بالكلام ((كانت لغته لا تحتوي الا على القليل من المفاهيم العامة، كما ان عمومية هذه الأخيرة كانت محدودة، ويمكن التثبت من ذلك عند دراسة لغة بعض القبائل المتأخرة المعاصرة، علماً بان هذه القبائل قد قطعت أشواطاً بعيدة إلى الامام اذا ما قورنت بقبائل الزمن البدائي، هكذا نرى ان لغة احدى القبائل تحتوي على (75) كلمة للتعبير عن عمليات السير التي تتباين فيما بينها بفوارق بسيطة، وعلى أكثر من (10) كلمة للتعبير عن الطبخ، ولكنها لا تحتوي على أية مفاهيم عامة لعمليتي السير والطبخ، وهناك بعض القبائل الشمالية التي تعبر بكلمات منفردة عن الثلج مقروناً بحالات معينة كـ ((الثلج على الأرض))، ((الثلج المتساقط))، ((الزوبعة الثلجية))، ((الثلج المتراكم)) ويزيد مثل هذه التعابير لديها عن أربعين، في حين انه لا يوجد لديها كلمة عامة تعني الثلج بالذات، وهناك قبائل لا تحتوي لغتها على كلمة عامة تعني ((عجل البحر)) بل تحتوي على تعابير كالتالية ((عجل البحر على قطعة من الجليد)) . . . . الخ))))(2)ـ

(1) المصدرنفسه. ص114.

(2) الآلوسي: بواكير الفلسفة قبل طاليس أو من الميثولوجيا إلى الفلسفة عند اليونان ص57.

((فقد أجمع علماء الانتوجرافيا الذين قاموا بدراسة هذه الشعوب (أي الشعوب البدائية) بامريكا واستراليا وأفريقيا وغيرها على القول بضعف عقلياتهم بهذا الصدد وعجزها عن إدراك المعاني الكلية في كثير من مظاهرها وقد كان لهذه العقلية صدى كبير في لغاتهم، فلا نكاد نجد في كثير منها لفظاً يدل على معنى كلي ففي لغة الهنود الحمر مثلاً يوجد لفظ للدلالة على شجرة البلوط الحمراء وآخر للدلالة على شجرة البلوط السوداء . . . وهكذا، ولكن لا يوجد أي لفظ للدلالة على شجرة البلوط، ومن باب أولى لا يوجد أي لفظ للدلالة على الشجرة على العموم، وفي لغة الهورونيين Hurons (من السكان الأصليين لامريكا الشمالية) يوجد لكل حالة من حالات الفعل المتعدي لفظ خاص بها، ولكن لا يوجد للفعل نفسه لفظ يدل عليه، فيوجد لفظ للتعبير عن الأكل في حالة تعلقه بالخبز، ولفظ آخر للتعبير عنه في حالة تعلقه باللحم وثالث في حالة تعلقه بالزبد ورابع في حالة تعلقه بالموز وهكذا ولكن لا يوجد فعل ولا مصدر للدلالة على الأكل على العموم أو الاكل في زمن ما: ولغة السكان الأصليين لجزيرة تسمانيا Tasmania (بقرب استراليا)، لا يوجد بين مفرداتها لفظ يدل على الصفة فاذا أرادوا وصف شيء لجئوا إلى تشبيهه بآخر مشتمل على الصفةالمقصودة، فيقولون مثلاً ((فلان كشجرة كذا)) اذا أرادوا وصفه بالطول))(1) ((فتكاد اللغات البدائية كلها ان تحصر نفسها في حدود الحسي والجزئي، وهي بصفة عامة فقيرة في الاسماء الكلية والمجردة فسكان استراليا الاصليون يطلقون اسماً على ذيل الكلب واسماً آخر على ذيل البقرة، ولكن ليس في لغتهم كلمة تدل على ((ذيل)) بصفة عامة، ولا شك ان أجيالاً من الناس تعاقبت قبل ان يستطيع الانسان ان ينتهي من اسم العلم إلى الاسم الكلي، وفي قبائل كثيرة لا تجد ألفاظاً تدل على الألوان مجردة عن الأشياء الملونة))(2).ـ

ثامناً – عند دراسة المجتمعات وفق هذا الفهم الجدلي (مبدأ جدل التاريخ) يجب التمييز بين ما هو كامن وما هو منظور حيث توجد مجتمعات (متماثلة) ظرفياً بما هو منظور، الا ان هناك فارق في الجذور التكوينية يتمثل بجانب جدل التاريخ الكامن المؤثر (القطب الأول: المؤثر الكامن المكنون) لذا ان التفاعل الموضوعي لهما باتجاه أي توظيف عقلي غير متناظر.ـ

تاسعاً – النظرية المالتوسية(3) ما قبل مالتوس تكون صحيحة لا ما بعد مالتوس حسب ما توقع هو وذلك لعدم ادراكه للامكانية العلمية في تكوين التراكم الغذائي بمتوالية هندسية كما هو الحال بالنسبة لنمو السكان وليس بمتوالية عددية كما فرضته عليه درجة المعرفة العلمية في عصره، فهي (أي المالتوسية ما قبل مالتوس) العامل الحاسم الذي كسر السكون (السلم البيولوجي) المتماثل المتوازي المستقل (للتجمعات) وادخل أفراده في مرحلة صراع اوسع نسبياً من دائرة الصراع الغريزي، أي صراع ذاتي لغرض اشباع الذات الذي يتطلب (يشترط) تقييد الغير، وهي أول بؤرة استقطاب لنمو الانانية داخل الذاتية (محاولة تقييد الغير الناجمة عن المصلحة الذاتية) لأن لحرية الأنا تكوين آلي كناتج عرضي سلبي لها هو تقييد حرية الغير.ـ

(1) وافي: نشأة اللغة عند الانسان والطفل ص38.

(2) ديورانت: قصة الحضارة ص125جـ1.

(3) نظرية مالتوس: يذكر مالتوس مصادرتين يبني عليهما تحليله: الأولى هي ان الغذاء ضروري لحياة الانسان، والثانية، ان العاطفة بين الجنسين ضرورية وسوف تظل في المستقبل في حالتها الراهنة تقريباً. وهاتان المصادرتان من طبيعة ثابتة، ولكنهما متعارضتان، ويقول مالتوس ((انه بفرض ان المصادرتين قضية مسلم بها، أقول، ان قدرة السكان هي أعظم بدرجة متناهية من قدرة الارض على انتاج وسائل العيش للانسان فالسكان يتزايدون بنسبة هندسية – اذا لم يحد من هذه الزيادة – بينما لا تزيد وسائل العيش الا بنسبة حسابية، وبناءً عليه، فان المعرفة الطفيفة بالاعداد لتبين ضخامة القوة الأولى بالمقارنة مع الثانية ص29 المشكلة السكانية، تأليف د. رمزي زكي))ـ

عاشراً – كاطار عام كل علاقة يدخل فيها توظيف الخبرة هي علاقة ديناميكية (يشترط ان يكون الانسان طرف مباشر بتلك العلاقة) اما العلاقات الأخر (التي لا يدخل الانسان كطرف فيها) فهي علاقات ستاتيكية حتى لو كان هناك حركة فمثلاً العلاقة ما بين ارتفاع درجة الحرارة وتمدد الزئبق حيث ان كل زيادة في درجة الحرارة
(لدرجة معينة) يطابقه تمدد عددي يناسبه للزئبق في المحرار مثل تلك المطابقة المتزمتة غير موجودة في الوظائف النفسية، ونفس الشيء بالنسبة إلى صفات المواد الناجمة عن علاقة ترتيب الجزيئات تكون فيزياوية وليست كيمياوية بينما صفات المواد الناجمة عن علاقة ترتيب الذرات تكون كيمياوية وليست فيزياوية مثل تلك الصفات المتزمتة الناجمة عن هذه العلائق غير موجودة بالنسبة لعلاقات الترتيب للمجتمعات حيث بالرغم من تماثل المجتمعات بترتيب حلقة الموضوع الكبرى والافراد بترتيب حلقة الذات الكبرى الا انهما (أي الافراد والمجتمعات) غير متماثلين بالتكوين النفسي.

الحادي عشر – ما هو مبدأ جدل التاريخ؟

المراحل التكوينية لوعي الأمة تتكرر في وعي الفرد كمؤثر كامن مكنون لتكوين المحرك الكامن المطلوب والذي في حالة نجاحه في تمثيل المرحلة التاريخية الجديدة من خلال تموضع ذات بعدية الوعي (أي يكون لها وجود موضوعي) يكمن من جديد كمؤثر كامن مكنون لتكوين محرك كامن مطلوب جديد وهكذا تم تجاوز السلم البايولوجي والوعي الجمعي والعرف ويتم تجاوز أي استاتيكية للوعي وباستمرار لكي تستمر الحياة بفعالية وجمالية بلا استنساخ وتقليد.

نعود إلى مخطط حلقة الموضوع الكبرى فنقول ان الانسان الغريزي والذي يمثله في الوقت الحاضر الاطفال الذين سرقتهم الحيوانات لاشتراكهما معاً بصفة التجرد من الوعي الاجتماعي فعلى سبيل المثال ((الطفلتان اللتان عثر عليهما في الهند سنة 1920 وكان عمر أحدهما زهاء سنتين وعمر الأخرى حوالي ثماني سنوات وقد وجدتا في زريبة (Lair) احدى اناث الذئاب تعيشان مع صغارها (Cube) ثم نقلتا إلى احد المياتم وقد تركت الذئاب طابعها العميق في سلوكهما فكانتا تمشيان على اربع وتسهران ليلاً وترقدان في النهار في احدى زوايا بناية الميتم (الذي وضعتا فيه) محتضنتين بعضهما (Cudding) كصغار الذئاب وكانتا تعويان (Howl) مثلها، وقد تضايقتا كثيراً من حياة الميتم الاجتماعية وحاولتا الهروب إلى ((موطنهما الاصلي)) السابق، غير ان صغراهما (المسماة آمالا) توفيت بعد سنة من حياتها الجديدة، أما الكبرى (كمالا) فقد عاشت زهاء عشر سنوات حاول أثناءها المشرفون على شؤون الميتم تعويدها على نمط حياة الانسان ولكنهم لم ينجحوا في ذلك الا جزئياً وبمشقة، ويلوح ان البطء في تعلمها حياة الانسان مرده في الاصل الفسلجي إلى ان جميع إمكانيات دماغها قد استنزفت في التكيف للعيش في بيئة حيوانية تختلف عن بيئة الانسان (1) اختلافاً نوعياً وجذرياً، اتضح ذلك في ان مستوى نموها العقلي لم يتجاوز قبيل وفاتها (عندما بلغت السنة السابعة عشرة من عمرها) مستوى النمو العقلي لطفل في السنة الرابعة من عمره، وقد وصفها كثير من المعنيين بدراسة هذه الحالات وبخاصة الدكتور سنك الذي اشرف على تربيتها وراقب سلوكها مراقبة دقيقة وسجله يوماً بيوم: وكانت كما ذكرنا تمشي في أول الأمر على أربع وتعى كالذئب وتلعق السوائل من الأرض ولا تتناول طعامها أو شرابها الا اذا سفح على الأرض(2)ـ

(1) من المهم ان اذكر هنا ((ان فسلجة مخ رجال الفضاء الكوني التي بدت طلائعها قبل بضع سنوات قد بينت ان القشرة المخية بحاجة متواصلة إلى تلقي عوامل الخفر البيئية التي تنشطها إلى الدرجة المطلوبة، كما ان التجارب المختبرية التي اجريت حديثاً على اشخاص وضعوا لبضعة أيام في مختبرات يسودها السكون المطبق والانعزال التام عن جميع المؤثرات البيئية الطبيعية والاجتماعية دلت على خمول القشرة المخية، واخفاقها في القيام بالتزاماتها الفكرية ص197 الفكر طبيعته وتطوره، الدكتور نوري جعفر)).ـ

(2) أنظر القصيدة الأولى في بداية الكتاب ص8.

ولا تقترب منه ما دام في الاناء وان اشتد بها الجوع. وكانت تزمجر كالحيوان أثناء اقتراب الانسان منها وتعوي أثناء الليل. وكان مدى رؤيتها أوضح في الظلام وكانت تتحامى النور الساطع والماء والنار، وتنام أثناء النهار ولا تسمح لأحد ان ينظف جسمها، وقد مزقت الثياب التي وضعت عليها لتغطية جسمها ورمت الغطاء الذي وضع عليها في الليالي الباردة، ولم تستطع ان تفعل شيئاً آخر بعد سنتين من عمرها الجديد غير الوقوف البدائي برهة قصيرة مع استمرارها على الجري على اربع ولم تتعلم حتى نهاية السنة الرابعة سوى ست كلمات ولم تستطع المشي كالانسان الا في نهاية السنة السادسة ... الطفل الذي عثر عليه في الهند عام 1956 بين قطيع Pach من الذئاب وكان عمره زهاء تسع سنوات، وقد لوحظ ان مستوى تطوره العقلي لم يتجاوز مستوى التطور العقلي لطفل في الشهر التاسع من عمره))(1).ـ

فيما سبق يتضح لنا قوة تحجر المقياس الذهني البسيط لاستمراره لفترة طويلة في بيئة حيوانية والى المستوى الذي أدى إلى الحد من قوة غريزة الجوع وهذا المقياس هو أبسط مكتسب بيئي يرتكز في ذهن الانسان كامتداد من الموضوع إلى الذات بدرجة تتخطى اطار الغريزة كتكوين جدلي بدائي في نشأته و(ميتافيزيقي) في تقولبه كوعي مستقل ومتفرد ويفتقر لصفتي التجريد والتعميم اللتين يتصف بهما تفكير الانسان الذي يتم في وعبر الالفاظ أي انه هنا (عند كمالا) مقياس ذهني وظيفي كآخر عملية (فكرية) ذهنية بالنسبة للحيوانات الراقية، فالانسان الغريزي في فجر البشرية يشترك مع الحيوانات الراقية في المقياس الغريزي وكلاهما يمتلك هذا المقياس، الاختلاف فقط يكمن في السيادة البيولوجية للسلوك الموروث وعلى الارجح بالنسبة للانسان الغريزي بالاضافة إلى الصفات الخاصة التي يختص بها كانت الحلقة السائدة في مقياسه الغريزي هي العبث بالاشياء الموجودة في عالمه الخارجي والتأمل فيها وفي البيئة المحيطة به واستخدامها كأداة ((وكل أداة اتخذها الانسان للاستعمال كانت ثمرة لخطوات طويلة من المحاولة والخطأ، ونتيجة لجدل طويل بين المخترعين، أي بين المجددين والمصلحين من ناحية، والمحافظين من ناحية أخرى وطبيعي ان تكون الطائفة الثانية أكثر عدداً، على حين تكون الطائفة الأولى أكثر حماسة وأقوى دفعاً(2))) ولا تعرف كل أمة بطلها الذي استخدم أول معول(3) وبطلها الذي دجن أول حيوان وبطلها الذي أول من حرث الأرض، ولكن كل أمة استخدمت المعول ودجنت الحيوان وحرثت الأرض وزرعتها.

(1) جعفر: اللغة والفكر ص75-76.

(2) سارتون: تاريخ العلم جـ1 ص64.

(3) لعب العمل وصنع الادوات دور مهم في تكوين الانسان وفي احداث القفزة الواسعة بينه وبين أعلى مراتب الحيوانات ((ان اعداد حتى أبسط الأدوات يميز الانسان عن عالم الحيوانات لأنه ما من حيوان بقادر على القيام بالنشاط الهادف، وما من حيوان يستطيع اعداد حتى أكثر أدوات العمل بساطة والانتقال من استخدام أدوات العمل التي أوجدتها الطبيعة – الحجارة والعصى – والتي كانت تقع صدفة في متناول اليد إلى اعداد أدوات العمل هو قفزة عظمى في تطور الطبيعة ويدشن تحول القرد الشبيه بالإنسان، جـ1 ص8 عرض اقتصادي تاريخي، تشكيلات ما قبل الرأسمالية، عدة مؤلفين.

ومما ساعد الانسان بصورة أساسية على تجاوز المقياس الفطري التجمعي من دون الحيوانات الراقية الأخرى هو الاختلافات الفسيولوجية ((عندما ظهر الانسان لأول مرة في العالم كان يملك خمس صفات مميزة، بعضها جديدة وبعضها قديمة وبعضها مركبة من الجديد والقديم، أعطته الفرصة ليكون سيد الأرض، وهذه الصفات الخمس هي: أسنانه الطاحنة وقامته المنتصبة، ويداه حرتا الحركة وعيناه حادتا التبؤر والتشخيص ودماغه القادر في النهاية على اصدار الاحكام الدقيقة واتخاذ القرارات المهمة والذي يمتاز بقوة الادراك ونفاذه والقدرة على النطق، ويشترك الانسان بجميع هذه الصفات إلى حد ما، مع السعادين والقرود، ولكن هذه الصفات الخمس لم تحصل مجتمعه الا للانسان وحده، واجتماع هذه الهبات الخمس في الانسان، بحد ذاته شيء فريد))(1) ولتطور حافة حنك الانسان دورها الهام ((وقد ثبت علمياً في الوقت الحاضر ان تطور حافة Ridge الحنك هو أول مستلزمات نشوء القدرة على النطق بالكلمات من الناحية التشريحية وهو الذي يتفرد به الانسان العاقل ليس بالموازنة بالحيوانات الراقية فحسب وانما ايضاً بالموازنة بانواع الانسان المنقرضة (انسان جاوه وانسان بكين وانسان هايدلبرغ وحتى انسان نندرتال) وهناك عوامل فسلجية كثيرة أخرى مهدت للقدرة على النطق بالكلمات عند الانسان يأتي في مقدمتها تحول الفك الاسفل (Mandible) إلى هيئة قوس بعد ان كان مستطيل الهيئة (Elongated) وزيادة حجم تجويف الفم مما سهل حركة اللسان بطلاقة وكذلك حرية حركة الفك الأسفل باتجاه جديد مماأدى إلى تقلص الانياب))(2) ـ

(1) كون: قصة الانسان ص17 ترجمة محمد توفيق حسن وعبد المطلب الأمين.

(2) جعفر: اللغة والفكر ص58.

ويعزو الباحث البريطاني ويلز Willis ((تطور جمجمة الانسان في عصور ما قبل التاريخ إلى التبدلات التي طرأت على غذائه وأسلوب عيشه من حيث الاساس، ويقول ان كثيراً من خواص جمجمة الانسان التي تنفرد بها قد نشأت بتأثير الطعام المطهي الذي أصبح سهل المضغ لا يستلزم مضغ Masticatory عالي التطور بخلاف نظيره لدى الحيوانات الراقية الأخرى، هذا بالاضافة إلى ان الانسان مع ضعف جهاز المضغ عنده، الذي تعبر عنه الفكان والاسنان، يصنع أدوات القطع المعروفة وأدوات تكسير المواد الغذائية الصلبة، كل ذلك أدى إلى تناقص دور عملية المضغ عنده والى حدوث تحول مورفولوجي في فكه الأسفل بصورة خاصة))(1) في حين ((ان القرود التي تعيش على الارض والسعادين لا تستطيع ان تحرك فكوكها بحرية إلى الامام والى الجانبين بسبب عائق، وبما ان المضغ لديها يتم بحركة الفكين إلى الأعلى والأسفل فهي تحتاج إلى اسنان أكبر من أسناننا لتنجز مقداراً معيناً من العمل، وهذا العائق هو سنّان متخصصتان على جانبي الفك الأعلى يسمى كل منهما الناب العليا أو ناب الفك الأعلى، وبينما تتلاقى سائر اسنان الفكين في صف واحد فان كلاً من نابي الفك الأعلى يتراكب مع سنين من أسنان الفك الأسفل بشكل يجعله يحتك بهما كلما انغلق الفم، وهذا الفعل يعطيه دائما طرفين ثابتين كطرفي السكين. ومع ان الشمبانزي يستعمل هاتين النابين لتقشير ثمر المناطق الاستوائية الغليظة فانهما تزودان جميع القرود والرباح بآلتين مميتتين من آلات القتال(2))).ـ

(1) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص95.

(2) كون: قصة الانسان. مصدر سابق ص27.

ويعتبر تطور مخ الانسان هو الاختلاف الفسيولوجي الحاسم في تمييز الانسان عن الحيوانات كمرحلة حدية فاصلة، وبالاخص المراكز المخية اللغوية الثلاث الموجودة في الفص الجبهي الايسر (95% من البشر الذين يستخدمون أيديهم اليمنى) والايمن (5% من البشر الذين يستخدمون ايديهم اليسرى) لارتباطهما الفسيولوجي الوثيق بعملية التفكير والتي ينفرد بها هذا الكائن الذي أصبح انساناً عاقلاً وهي سند علمي مختبري لا يقبل الجدل في تجاوز سكونية التجمعات اللاقصدية الناتجة من التجمع الغريزي للانسان مثلما تتجمع الطيور في اسراب والابقار في قطعان ويعود تاريخها إلى أكثر من (50.000) سنة تقريباً وهو تاريخ نشوء الانسان العاقل، وهذه المراكز هي:


المركز المخي اللغوي الحركي (المختص بنطق الكلمات) ويسمى مركز بروكا الموجود فوق الاذن (اليسرى 95% واليمنى 5%) إلى الامام قليلاً.

ـ
المركز المخي اللغوي السمعي (المختص بسماع الكلمات المتحدث بها).

ـ
المركز المخي اللغوي البصري (المختص بقراءة الكلمات)

ـ
ودلت الدراسات الفسلجية الحديثة ((على ان المراكز المخية اللغوية الثلاثة لا تنمو جميعاً بشكل متناسق عند الطفل بعد الولادة، ففي الاشهر الأولى بعد الولادة يبدأ ظهور المركز المخي الكلامي السمعي الذي يمهد بعد ذلك ببضعة أشهر لظهور المركز المخي الكلامي الحركي الذي يتضح كثيراً في نهاية السنة الأولى. ثم يليه بعد ذلك منذ بداية السنة الثانية ظهور المركز المخي اللغوي البصري، وهذا يدل على ان الاسس الفسلجية المخية للغة تبدأ بالنشوء والارتقاء عند الطفل بشكل متدرج وان الاقدم منها يهيء الاساس المناسب لنشوء الاحدث وان الطفل لا يستطيع ممارسة أي شكل من اشكال الكلام قبل نضج المركز المخي المسؤول عنه ووصوله إلى مستوى معين))(1). ((ويبدو ان اسناد السبب في القصور اللغوي عند القرود إلى مخها، له ما يبرره في ضوء الفروق التشريحية بين القرد والانسان في التركيبات اللحائية، فالمخ لدى الانسان مزود بسخاء بما يسمى بمناطق الترابط (Association Areas) وهي المناطق التي تربط بين مراكز الاحساس للبصر والسمع واللمس معاً، وتتركز الروابط المسؤولة عن وظائف الكلام في احد فصوص المخ فقط (عادة الفص الايسر حيث توجد التركيبات الترابطية المتخصصة التي تقوم بالتحويل الضروري للاشارات البصرية والسمعية إلى تكوينات لفظية))(2). ويعزو الباحثون تطور اللغة في أعلى مراحلها الارتقائية عند الانسان العاقل Homosapiens الذي يتميز بوجود المنظومة الاشارية الثانية أو اللغوية المسؤولة عن التفكير المجرد والتي يتفرد بها وحده إلى نمو منطقتين في المخ هما منطقة بروكا Broca Area الموقع المخي المسؤول عن توليد اللغة ومنطقة ويرنيك Werniks Area المسؤولة عن فهم اللغة المنطوقة والمكتوبة وهي تصل بمنطقة بروكا بخلية طويلة منحنية تمر بالمراكز الحسية البصرية والسمعية(3).ـ

(1) جعفر: اللغة والفكر ص65.

(2) اسماعيل: الاطفال مرآة المجتمع ص105.

(3) ص76 الانسان وعلم النفس د. عبد الستار إبراهيم.

واكتشف علماء الاعصاب ((مناطق مخية ينفرد بها الانسان اطلقوا عليها أسم ((المناطق المحنية الثلاثية)) Teritiary Cortical Zone مسؤولة عن نمط العمل الذهني الذي يمارسه الدماغ أثناء اليقظة وفي النوم المصحوب بالاحلام، هذه المناطق المخية الثلاثة هي التي تميز مخ الانسان تمييزاً نوعياً جذرياً وحاسماً عن مخ سائر الحيوانات الراقية القريبة منه في سلم التطور البايولوجي وهي التي تجهز مخ الانسان بخصائصه ((الانسانية)) ((الاجتماعية)) المتميزة، وتسمى ايضا مناطق ((مفترق الطرق)) ((Cross roads)) بمعنى انها تقع في الحدود الفاصلة بين الفصين المخيين الجبهيين Frontal Lobes والفصين المخيين الصدغيين Temporal lobes والفصين المخيين الجداريين Parietal Lobes والفصين المخيين القذاليين Occipital Lobes وهي حدود ذات أهمية كبيرة في حياة الانسان العقلية وتنقسم المناطق المخية الثلاثية قسمين من حيث موقعها في المخ ومن ناحية وظائفها السايكلوجية ، هذان القسمان هما : المناطق المخية الثلاثية الجبهية Frontal Cortical Zone التي تقع في القسم الامامي الأعلى من المخ ووظيفتها التعامل مع الأمور المجردة وتكوين انطباعات ذهنية مجردة والتعبير عنها تعبيراً مجرداً بالرموز والكلمات والمعادلات الرياضية، ولا علاقة لها بالاحلام، اما القسم الاخر من المناطق المخية الثلاثية فهو: المناطق المخية الثلاثية الحسية Sensory Cortical Zone التي تقع في القسم الخلفي الأعلى من المخ وعلى جانبيه الايمن والايسر، ووظيفتها التعامل مع الاشياء المحسوسة وتكوين انطباعات حسية عنها والتعبير عن هذه الانطباعات تعبيراً حسيا بالرسم أو النحت أو الموسيقى،وهي المسؤولة عن الأحلام: المناطق المخية الحسية الثلاثية البصرية التي تقع في القسم الخلفي الاعلى من المخ هي المسؤولة عن الاحلام عند ذوي البصر السليم، في حين ان المناطق المخية الحسية الثلاثية التي تقع جانبي المخ – المسؤولة عن السمع والشم واللمس – هي المسؤولة عن الاحلام لدى فاقدي البصر))(1) وبصورة عامة ان ((أهم المناطق القشرية التي تقوم بوظيفة ربط وظائف المخ المتعددة هي: ـ


المنطقة الرابطة الجدارية وتوجد في المنطقة الجدارية ويعطى لها رقم تشريحي
(5،7) ان وظيفة هذه المنطقة هي ربط كل المعلومات الحسية الواردة من المناطق الحسية في قشرة المخ مع تلك التي ترد من مناطق الهايبوثالاماس التي تنقلها من مناطق الجسم الحسية المختلفة.

ـ

المنطقة الرابطة الجدارية القفوية: وتستلم هذه المنطقة اليافاً من المناطق الحسية المختلفة ومن المناطق الرابطة (رقم 5،7) ومن المنطقة الحسية البصرية والمنطقة السمعية .

ـ

المنطقة الرابطة الصدغية: ويؤدي تلف هذه المنطقة إلى فقدان المصاب قابلية فهم الكلمة المنطوقة أو المكتوبة.


المنطقة الرابطة قبل الجبهية: وتتصل هذه المنطقة عن طريق الياف واردة وصادرة مع معظم المناطق المخية، سواء في قشرته أو تحتها وسواء على الجهة نفسها أو على الجهة المعاكسة من المخ: وقد تتلف هذه المنطقة من المخ نتيجة آفات أو أورام تصيبها فتؤدي إلى مجموعة أعراض تسمى تناذر الفص الجبهي
Frontal Lobes Syndrome وأهم أعراضه: (1) قلة التعقل والكبح.
(2) الضجر والشرود. (3) فرط الحركة وزيادتها. (4) عدم استقرار الرأي وتركيزه. (5) فقدان المبادرة. (6) ضعف الذاكرة. (7) ضعف الشعور الاخلاقي والاجتماعي))(2).

ـ
(1) جعفر: طبيعة النوم والاحلام في ضوء علوم الدماغ ص178.

(2) ابراهيم: النفس والعدوان ص78.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2011, 03:14 PM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

-3-

تطور البشريات (الهومنيدات)ـ

سبق نشوء الانسان العاقل Homosapiens ثلاث موجات أساسية في تطور البشريات (الهومنيدات) واتفق هنا مع الدكتور – موريس بوكاي فيما ذكره في كتابه ((ما أصل الانسان اجابات العلم والكتب المقدسة))(1) لانسجامه التام مع جدل التاريخ ((فسلم بان الموجات الاربع من الهوميندات قد تولدت واحدة من أخرى على وجه التتابع والتوالي: فمن الاسترالوبيكس جاء البيثكانثروبيس الذي تولد عنه انسان النياندرتال الذي هو السلف المباشر للهوموسابينز، هذا فضلاً عن الفروق الثانوية المختلفة))(2) وفي نفس المعنى يقول الدكتور كارلتون كون(3) ((وأكبر الظن ان اجدادنا كانوا نوعاً واحداً من أنواع عديدة من الانسان القردي Australopithiceus انقرضت قبل نحو نصف مليون سنة أو بعد ذلك بقليل بعد ان تطور نوع منها فاصبح نوع الانسان Homo)).

(1) قام بترجمته إلى العربية مكتب التربية العربي لدول الخليج (1985).

(2) بوكاي: ماأصل الانسان، اجابات العلم والكتب المقدسة ص112.

(3) قصة الانسان ص66.



من المهم ان انبه هنا قبل شرح الموجات الأربع في تطور الهومنيدات إلى ان الانسان قد تطور من الانسان (القردي) المنتصب، أي من الاسترالوبيثكس Australopithiceus وهو النوع الانساني السالف والذي نشأنا وتطورنا منه باعتباره الموجة الأولى في تطور البشريات (الهوميندات) وليس من نوع من القرود كالشمبانزي والغوريلا والاورانج اوتانج ...الخ والدليل العلمي القاطع هو ان لكل نوع من أنواع الاحياء لها عدد كروموسومي ثابت في النواة لكل جنس والامثلة على ذلك: الانسان 46، القردة الكبار (البونجيدات كالشمبانزي والغوريلا والاورانج اوتانج) 48، الكلب 78، الحمار 62، الماعز 60، القطط38، الدروسوفيلا8.

ففي الانسان مثلاً أي تغيير كروموسومي بسيط سواء أكان زيادة أو نقصان يحدث انحراف عقلي للانسان عن حياته الطبيعية وفقدانه القدرة على التكيف مع الظروف الاجتماعية المحيطة به، ففي الطفل الذي يولد بنسخة اضافية من الكروموسومات رقم (21) الذي هو أصغر الكروموسومات الاوتوسومية، يعاني من الحالة المرضية المعروفة بالمنغوليا Mangolism (أو متلازمة داون Down’s Syndrome) حيث ((يكون ضحيته منغولي الوجه، يشكو من التخلف العقلي، بالاضافة إلى تغيرات وتشوهات فسيولوجية وجسمية عديدة، ويحصل أحد أنواع هذا المرض نتيجة التصاق كروموسوم زائد بآخر ويرجع هذا المرض في معظم الحالات إلى كون الام الطبيعية ناقلة لنوع من التشوهات التركيبية تدعى بالانتقال حيث تحتوي كافة خلاياها علىكروموسومين ملتصقين لا ينفصلان خلال تكوين البويضات فاذا ما لقحت بويضة تحتوي على هذين الكروموسومين الملتصقين من قبل حيمن طبيعي فستحتوي خلايا الجنين على عدد كروموسومي طبيعي الا ان إحداها بالحقيقة عبارة عن التصاق كروموسومين))(1).ـ

وفي حالة ان يبلغ العدد الكروموسومي (47) وهو من الحالات الشاذة غير النادرة يتميز فيها المصاب ((ببروز الثدي وضمور الخصيتين، وعدم تكوين الحيامن، وارتفاع تركيز بعض الهرمونات الجنسية عند الذكور، مما يجعل أجسامهم شبيهة باجسام النساء خصوصاً بعد البلوغ، ويرافق ذلك قصور عقلي، وتعود كل هذه الاعراض إلى كروموسوم سيني اضافي بحيث يبلغ العدد الكروموسومي سبعة وأربعين فرداً [ كروموسوماً ] أي أربعة وأربعين كروموسوماً جسمياً + كروموسومين سينيين + كروموسم صادي. ويتم علاج هذه الحالة باعطاء الذكر المصاب زرقات من الهرمونات الذكرية مدى الحياة لأجل اضمار الثدي واخششان المظهر ولتوفير حياة جنسية طبيعية عدا بقاؤه عقيماً))(2) ومن الأمثلة على نقصان

(1) الربيعي: الوراثة والانسان ص96.

(2) الربيعي: الوراثة والانسان ص99.

الكروموسومات الجنسية أو اللاانفصالية في الكروموسومات الجنسية مرض تيرنر Turners Syudreme حيث الاناث فيه يتميزن بان طولهن لا يزيد ((خلال مرحلة البلوغ عن خمس أقدام، واعناقهن مكففة وذوات أوجه متميزة، وبالرغم من نمو شعر العانة وشعر الابط، الا ان حيضهن الشهري لا يظهر أبداً ويكون الرحم ضعيف التكوين، وبصورة عامة لا تتمكن هؤلاء النساء من الحمل، ويوصف عادة هرمونات الاوستروجين لتكوين الأثدية ولظهور الحيض الشهري))(1) هذه الحقائق عن الكروموسومات وعالمها المعقد والمدهش جعل الباحثين المؤمنين بنظرية تطور الانسان من القرود ((في حيرة من أمرهم)) لا يحسدون عليها، ومن الطريف ان اذكر (وما أشد غرابة ما أذكر) ان احدى ممارسات (الانقاذ) هذه هي ((نظراً لأن الرقمين [ أي عدد الكروموسومات عند الانسان 46، والقرود الكبار 48] متقاربان فقد قيل دون أي دليل حتى ولو كان واهياً – انه قد انصهر اثنان من الكروموسومات معاً حتى تصبح الكروموسومات 46 بدلاً من 48))(2).ـ

ما تم شرحه فيما يخص نظرية الكروموسومات الغرض منه ان نستبعد علمياً بان أصل الانسان قرد، ونرجع إلى موضوعنا الاساسي فيما يخص تطور الهوميندات ((توجدلدينا دلائل لا يتطرق لها الشك تدل على ان انسان العصر الحديث ليس مماثلاً تماماً للاشكال البشرية التي كانت تعيش في العصور السحيقة والتي اكتشفت بقاياها منذ عهد قريب ومن ثم فان وجود تحولات في النوع البشري بمرور الزمن أمر لا سبيل إلى انكاره بل انها مسألة واضحة مثلما ان الارض كروية))(3) ((وان واحداً من اسرار التطور البشري العظيمة يتمثل في فقدان الانسان – الذي يكاد يكون كاملاً – لسلوكه الفطري، وهو ما ظل موجوداً ونشطاً عند القرود)) ((وكما يقول ب،ب جراسيه، ((ان الانسان واحداً من أكثر الحيوانات الموجودة على الارض عالمية، فهو قادر على العيش في أي صقع من اصقاع الارض وقد تعرض لآلاف من مختلف أنماط الطفرات اذا كان لنا ان نقيس بعدد التغيرات على مستوى الجينات والتي يدلل على وجودها التنوع الذي عليه الكائنات البشرية، ففي العالم اليوم ثلاثة بلايين ومائتي مليون من البشر كل منهم مختلف في بيئته الوراثية Genotype (فيما عدا التوائم المتماثلة) وبالتالي فهناك عدد لا ينضب من البشر يمكن ان يتعرضوا للتغيرات الفجائية التي تفي بحاجة الانتقاء الطبيعي، ولكن ماذا يحدث في واقع الامر؟ الاجابة على ذلك انه ليس هناك شيء ذو بال أو بالاحرى شيء يستحق الذكر مما يقع اليوم، لقد كان الذقن آخر ما اكتسبه الانسان من ملامح تشريحية والتي جاء تطورها منذ 30.000 إلى 40.000 سنة))(4) ((وبالمقارنة مع انسان اليوم نجد ان المخ في الاوسترالوبثيكس والبيثكانثروبيس كان صغيراً جداً وهذه نقطة مهمة، لأن هناك ترجيحاً كبيراً في جميع الاحتمالات بوجود صلة مباشرة بين حجم المخ وبين نمو قدرته الوظيفية التي يحكمها عدد العصبات (الخلايا العصبية) الموجودة فاليوم إذا توقف نمو المخ عند واحد من الناس، عند حجم يقل عن 1000سم3 فيحتمل ان تبدو عليه علامات التخلف العقلي التي قد تمنعه من الحياة بصورة طبيعية، ونحن نعلم ان حجم المخ في الموجتين الأوليين من الهومنيدات كان أقل من 1000سم3، ومع ذلك فقد كان لها قدرة على الاختراع والابداع، ويعتبر ب.ب. جراسيه ان ((هذا يثبت القاعدة التي تقول بان الحالات المختلفة التي تمر بها سلسلة النسب أثناء تطورها يجب ان تكون وظيفية ومتوازية ولا رجعة فيها. وقد عاش كل من الاسترالوبيثكس والبيثكانتروبيس – وحجم مخ الأول 500سم3 والثاني 800سم3 – حياة مزدهرة متسقة مع بيئة كا منهما، وهذا يؤكد ان التطور لا يمكن مطلقاً ان يقع في ظروف شاذة أو مضطربة))(5) ((فاننا بذلك نستطيع ان نخلص إلى ((اربع موجات أساسية ظهرت على الأرض)) في تتابع الهوميند، ويتضح في كل موجة نمو أكثر في تركيب النظام الهيكلي وذلك بمقارنتها بسابقتها مما أدى في النهاية إلى النمط النهائي تام التكيف فعلى سبيل المثال بدأت الملامح الرئيسية للبشر في الظهور مثل المشي على القدمين – انتصاب القامة – وكذلك وظائف اليد والنطق بالكلام – الملفوظ وتزامنت هذه الصفات في تطورها مع نمو القدرات العقلية والذكاء (اتساع فراغ الجمجمة يدل على تزايد تعقيد نظام المخ)))(6).ـ

(1) المصدر نفسه ص101

(2) بوكاي: ما أصل الانسان، اجابات العلم والكتب المقدسة.

(3) المصدر نفسه.

(4) المصدر نفسه ص114.

(5) المصدر نفسه ص105.

(6) المصدر نفسه ص110.

وهذه الموجات الأربع في تتابع الهوميندات هي:

أولاً – الاسترالوبيثكيس

ثانياً – البيثكانثروبس

ثالثا – النياندرتال

رابعا – الانسان العاقل (الهوماسابينز)

Australopithecus

Pithecanthropus

Neanderthal

Homosapiens

أولاً – الاسترالوبيثكس Australopithecus

الموجة الأولى من موجات الهومنيدات واكتشف المثال الأول لهذا النمط في جنوب أفريقيا سنة 1924، ان بعض علماء الاحاثة الفرنسيين – ومن بينهم واي كوبنز
Y. Coppens قد اكتشفوا بقايا من الاسترالوبيثكس في تشكلات جيولوجية يتراوح عمرها بين مليون وأربعة ملايين من السنين وقد أجريت الاستكشافات لأول مرة في سنة 1967 في وادي عومو Omoralley في الحبشة حيث عثر على بقايا متعفرة لامرأة في العشرين من عمرها – سميت فيما بعد لوسي Lucy وكان الكشف عنها في سنة 1974 في عفار في رسوبيات يرجع عمرها إلى 3.5 مليون سنة.

أهم صفات هذه الموجة الأولى من الهومنيدات هي :


انها الموجة الأولى من البشر والتي ظهرت على وجه الأرض منذ نحو خمسة ملايين سنة تقريباً (ستة ملايين من السنين عند بعض الباحثين واقل من ذلك عند بعضهم الآخر).

ـ

ان حجم فراغ الجمجمة عنده كان صغيراً (500 – 550سم3) أي كانت على وجه التقريب ثلث سعة جمجمة الانسان المعاصر الا انه كان قادراً على التفكير واستخدام الآلات التي كان يصنعها بنفسه.


كانت هناك أحجار أعدت وشحذت لتكون ذات حد قاطع ومن الجائز انها كانت تستخدم في الصيد وتشير هذه الأحجار المسنونة إلى قدره على الاختراع والابداع لا تمتلكها القردة وقد مكنت هذه القدرات الاسترالوبيثكس من انتاج أدوات أكثر تعقيداً كان يقبض عليها بيده أو يستخدمها مثل فأس صغيرة كما صنع أيضا أدوات من شظايا العظام واستخدم طرائق مكنته من استخدام أدوات مثل الخناجر والهراوات الثقيلة.


تشير عظام الحيوانات التي تم اكتشافها – وخاصة عظام البقر الوحشي – إلى ان الاسترالوبيثكس كان يصطاد هذه الحيوانات.


لا توجد آثار تفيد وجود النار في أي أماكن الحفر الاستكشافية.

ثانياُ – البيثكانثروبس Pithecanthropus أو الاركانثروبيانات Arcanthropians :

الموجة الثانية من موجات الهوميندات، وقد تقدم طبيب عسكري أسمه ايوجين ديبوا Eugene Dubois يطلب الالتحاق بعمل في اندونيسيا على أمل ان يجد هناك
–في جاوه– الجزء الأعلى من جمجمة وعظمة فخذ بدت عليها صفات بشرية – ولم يتم الكشف عن حفريات من نفس النمط – مطابقاً للعينة التي أسماها ديبوا بيثكانتروبس ايريكتس Pith Canthropus Erectus الا في سنة 1936، وفي الفترة بين 1928 – 1937 عثر على كميات كبيرة من البقايا لنمط سمي فيما بعد سينانثروبس Sinanthropus في كهوف تشوكوتين بالقرب من بكين، ووجدت بقايا من نفس الشكل – مما اكتشفه ال.اس.بي ليكي L.S.B.Leaky في تانزانيا، واي كوبنز Y. Koppens في تشاد كما وجدت آثار في كل من آسيا وأندونيسيا الذي تتشكك فيه فارسين E. Genet Varcin في اكتشاف مثل هذا الانسان في أوربا نجد ب.ب جراسيه يُصَنّف انسان تاوتافل Tautavel ، الذي اكتشف بالقرب من بيربنيان Perpignan في فرنسا من بين البثكانثروبينات Pathcanthropines ويبدو ان ب.ب جراسيه يرى ان البقايا البشرية التي عثر عليها في كهوف لازارية Lazaret في نيس وتلك التي اكتشفت في التيرنفينه Ternifine في اقليم أوران Oran في الجزائر تنتمي هي كذلك إلى نفس الشكل.

أهم صفات هذه الموجة من الهومنيدات :


قد تكون عاشت منذ نحو 500.000 سنة واستمرت في البقاء 350.000سنة تقريباً


ان متوسط حجم فراغ الجمجمة 900سم3 (يتراوح بين 775 – 1200سم3) كما كان هناك دائماً نتوء عظمي فوق محجري العينين وفي مؤخر الرأس – وكانت محاجر العيون كبيرة وتشبه هيئة الوجه بعامة الانماط البشرية التي جاءت بعد هذا الشكل.


منذ زمن الاسترالوبيتكس بدأ تقدم القدرات الفكرية فقد استخدم ((البثكانثروبس)) النار كما هو واضح من المكتشفات في كهوف تشوكنتين حيث وجدت فيها عظام حيوانية محترقة وأحجار رتبت في شكل دائرة وقد اسودت بفعل النار.


يفصح عن ابداع وبراعة تزيد عما عليه الاسترالوبثيكس وشاهد ذلك في الاكتشافات التي تمت بالقرب من بيربنيان حيث اكتشف أتش دي لوملي أدوات كشط وأدوات مدببة وفي كهوف لازارية في نيس هناك أثار حفر في الأرض وأحجار مرتبة في صفوف بما قد يفيد انها استخدمت في تحديد مناطق العيش، وكل هذه الاكتشافات تشير إلى قدرة معينة على الاستنساخ والتفكير.

ثالثاً – النياندرتال Neandertal (البالينتروبيانز Paleaanthropians)

النياندرتال الموجه الثالثة من موجات الهومينيدات وقد عاش في أوربا وآسيا وأفريقيا وأول ما اكتشف من بقايا النياندرتال سنة 1856 في وادي نياندر Neander Valley بالقرب من دوسلدوروف Dussel Dorf في المانيا (الغربية) وعلى كل فلم يتبع ذلك كشف من نفس النمط حتى كان عام 1908 حين اكتشف هيكل شبه كامل وذلك في لا شابل اوسانت Lachappelle Auxsaint في اقليم كوريز Correze في فرنسا ثم كشفت فيما بعد أنماط مطابقة في كل من أسبانيا وايطاليا واليونان والمغرب وفلسطين والعراق وجاوه.

أهم صفات هذه الموجه من الهومنيدات:


ظهرت هذه الموجة منذ 100.000 سنة تقريباً وبقيت نحو 60.000 سنة تقريباً .


على الرغم من ان انسان النياندرتال كان ذا حجم متوسط وذا قدمين بشكل كامل تماماً، وركبت فيه عضلات نامية تماماً، فان شكل وجهه الخارجي كان مختلفاً عما عليه الانسان اليوم، فجبهته منخفضة لا تزيد عن كونها بروزاً عظمياً كبيراً فوق محجري العينين.


اختفاء الذقن جعل الوجه يبدو في شكل الخطم (الانف والفكان البارزان) ومع ذلك فاننا اذا قارنا النياندرتال بالموجة الثانية من الهومنيدات وجدنا ان جمجمته أكثر نمواً فحجم فراغها ازداد من 1300 إلى 1600سم3 (1).

ـ
(1) من الممكن من وجهة نظرية ان نعزو سبب كبر حجم فراغ الجمجمة إلى كبر حجم المنطقة الحسية المخية كنتيجة لاعتماد انسان نياندرتال على نفسه بدرجة كبيرة، لاحظ تعليقي في الهامش 1 ص86.


نموه الفكري يؤيده نوع الأسلحة والأدوات التي اكتشفت بالقرب من بقايا انسان النياندرتال – ويغلب ان يكون قد اتخذ من الكهوف مأوى يأوي إليه وفيها أشعل النار ونظم ما حوله ورتبه بالشكل الذي يناسبه ويفيده.

رابعاً – الانسان العاقل Homo Sapiens

الموجة الأخيرة من موجات الهوميندات (البشريات Hominids، التركيب الفسيولوجي للانسان المعاصر) وقد اكتشفت عينات من هذه الموجة في أفراد كثيرة من أوربا وآسيا وأفريقيا، وكان الذي عثر عليه في فرنسا هو أكثر الهياكل احتفاظاً بحالته وأقربها إلى الدقة في تحديد تاريخه، ومثال ذلك إنسان كومب – كابل – Combe Capelle man وبوجه خاص انسان كرومانيون Cromagnon الذي عثر عليه سنة 1868 في ليزيزيه Les Eyzies في اقليم دور دوني Dor Dogne وكان طول انسان كرومانيون أكبر من انسان كومب كابل اذ بلغ 1.8 متراً كما انه يحمل ملامح قديمة ومنطقة عظام خلف الرقبة لم تصل إلى كامل التقدم والوجه عريض الا ان المحجرين في مكان أكثر انخفاضاً والانف بارز وقد اختفت بسرعة هذه الملامح المتبقية من القديم، وعلى كل فانه لم يطرأ فيما بعد على الشكل الخارجي للانسان تغييرات تذكر.

أهم صفات هذه الموجة من الهوميندات:


جمجمة أكثر ارتفاعاً واستدارة مع تطور وتقدم جيد لمنطقة العظام خلف
الرقبة - القفا.

اختفاء النتوء العظمي الذي كان فوق المحجرين.

اختفاء المظهر الخطمي للوجه نظراً لظهور الذقن.

حجم فراغ الجمجمة قد انخفض إلى 1300سم3 في المتوسط(1) ـ

(1) من الممكن ان نجد تفسير علمي لانخفاض حجم فراغ جمجمة الانسان العاقل مقارنة بسلفه المباشر انسان النياندرتال وهو فرض يمكن استنتاجه على أساس التجارب التي أجريت على الحيوانات وهو ان المنطقة الحسية لانسان النياندرتال وجهازه الحافي ((العاطفي)) أكبر بكثير مما هي عليه عند الانسان العاقل بسبب الثقل الوظيفي لهذه المنطقة في هذه المرحلة من نمو الهوميندات ونتيجة لنمو مناطق التفكير عند الانسان وهو بالتأكيد نمو كان بمعدل أقل من مساحة المنطقة الحسية المختزلة، وهذا الفارق ينتج انخفاض في حجم المخ وبالتالي هو الذي أدى إلى انخفاض حجم فراغ الجمجمة التي تحيط به والبالغ 300سم3 في المتوسط ((وقد أصبح الفم والجمجمة في جميع الحيوانات والطير التي دجنها الانسان، أقصر من أفواه الأوابد وجماجمها، ولقد أصبح فم الحيوان صغيراً لأن الانسان أصبح يهيئ له طعامه وبهذا خفض عمل الأسنان والفكين، فتضاءلت وصغرت، ويقتدي الحيوان، في هذا التغير، بالانسان نفسه فقد تضاءلت جمجمة الحيوان لأن الانسان بحمايته اياه من الاعداء الطبيعيين والأجواء القاسية قد جعل النمو التام لحواسه أمراً ليس ضرورياً، وتقع أجزاء المخ، التي تستقبل الرسائل من العينين والاذنين والمنخرين في مقدمته ومؤخرته، وعدم استعمال هذه الاجزاء المكونة من المادة السنجابية يعطل نموها الكامل ومن ثم يتضاءل المخ والجمجمة التي تحيط به. ويحتمل ان تحدث هذه التغيرات في الجيل الواحد كما أثبتت التجارب التي أجريت في المانيا، فقد صاد أحد علماء الحيوان زوجين من الثعالب الآبدة ووضعهما في حديقة الحيوان وولدت الثعلبة عدد من الجراء فلما كبرت أطلق بعضها فتناسلت، وقد ذبح هذا العالم عدد من الثعالب تنتمي إلى الاجيال الثلاثة ووزن مخ الثعلب من الجيل الثاني الذي ولد وربى في الاسر خمسة وثلاثين غراماً. ووزن مخ الثعلب من الجيل الثالث الذي عاش آبداً طليقاً، خمسين غراماً. تثبت هذه التجربة ان التغيرات التي تطرأ على حجم المخ والتي تعكس عدم استعمال مناطق الاحساس من المخ غير موروثة في الجيل الواحد في أقل تقدير، ويعجب المرء مما عسى ان يحدث للحيوانات التي حماها الانسان، وقادها إلى المراعي وارجعها إلى الحضائر، طوال ثمانية آلاف سنة، ص183 قصة الانسان، كارلتون كون)).ـ

أكتسبت الاطراف تناسبها الذي نعرفها عليه اليوم.


أظهر الانسان العاقل منذ بداية ظهوره درجة من النشاط العقلي تفوق أياً من سابقيه من الهوميند، فقد استطاع ان يشحذ الاحجار بمهارة ملحوظة وبدقة كبيرة ولاسنعمالات متعددة وبلمسات توحي باحاسيس جمالية وقد استفاد بشكل كبير من العظام والعاج لافي حالتها الخام كما كان من قبل وانما بطريقة معدة ومصنعة في شكل أدوات مختلفة فمن معاول إلى مثاقيب وهراوات وأدوات لصقل الأشياء وتنعيم ملمسها أو أدوات للرمي والقذف وابر ورماح . . . . الخ.


كانت مستوطناته مختلفة تماماً، فكما كان الحال في الماضي اذا واجهته ظروف مناخية صعبة أوى إلى الكهوف، والصخور، وفي الأماكن التي لا يتوفر فيها المأوى الطبيعي عرف كيف يحفر الأرض ويعدها وان يبني أكواخاً من الفروع والاغصان – كما عثر على أماكن بها آثار لاشعال النار تبين انها نقطة تجمع المستوطنة.


وقد عاش الانسان حياة الضواري في تجمعها المشترك وقد مارس الصيد وقطف الثمار ليؤمن لنفسه مؤونته بذلك من الغذاء والكساء وتتجلى مهارته في الصيد من بقايا الحيوانات التي عثر عليها في مواضع مثل سوليتريه Solutre في إقليم السين اللوار في فرنسا.


استخدم بقايا الحيوانات التي يصطادها – أحياناً – في تأثيث بيته.


ولكي يضيء مسكنه تعلم كيف يختار الاخشاب التي تحترق مخلِّفة أقل قدر من الرماد كما انه استخدم مصابيح حجرية.


كان قادراً على ابداع اشغال فنية لم يسبق ان عثر على مثلها قبل وجوده وكان رسم الحيوانات هو موضوع مصوراته الرئيس وبين أعمال فنية أخرى تورد جينت فارسين رسومات جدران الكهوف في كل من التاميرا ولاسكو ومن الجدير بالذكر ان هناك رسومات حائطية ونقوشات لاشكال ثيران وأيائل في كهوف التاميرا بالقرب من سانتاندر Santander في اسبانيا وهي مما لا يمكن بسهولة تحديد تاريخها بدقة وقد أُجري تحليل لأشياء مختلفة من محتويات الكهوف بواسطة – الكربون 14 المشع وقدر لها من العمر نحو 13.500 سنة وليس من الممكن على كل حال – ان نقطع ان ذلك هو عمر النقوش نفسها، فبعض التقديرات تذهب إلى ان النقوش قد تكون أكثر قدماً، اما كهوف لاسكو في فرنسا فهي أكثر أهمية لكثرة الحيوانات المرسومة وتنوع المهارات الفنية المستخدمة ويعتقد ان هذه النقوش ترجع –تقريباً إلى نفس زمن النقوش الموجودة في سانتاندر الا ان بعض المهتمين هنا ايضا يعتقدون انها قد تكون أقدم(1).

ـ
(1) قبل قراءة موضوع المقياس الذهني والمعرفة الزائفة (الاغتراب الروحي) الذي سيأتي فيا بعد أحب ان أؤكد هنا على نقطة مهمة بالنسبة لهذه الرسوم التي لم تكن بالتأكيد عبادية غيبية وموضوع طقوس وانما اسقاطات تعبِّر عن القوة المنظورة (ليست غيبية) حيث لم يتبلور الدين كمفهوم عبادي (غيبي) باطار استنتاجه الذاتي خارج اطاره الرسالي السماوي الا في وقت متأخر جداً بالنسبة لتاريخ وجود الانسان العاقل HomoSapiens على الكرة الأرضية، فهي لم تكن الا انعكاس للواقع الموضوعي الذي يعيشه الانسان البدائي الناجم عن الواقع المفروض عليه (قسراً) والمتمثل بتفوق الحيوان عليه لان القوة الجسدية لا العقلية هي معيار الأقوى (أساساً لم يتبلور أي معيار أو مقياس تمايزي فكري) وبتقدم وعي الانسان وخلقه التاريخ أخذ يصور القوة أو (الاله) على شاكلته هو التي هي انعكاس لقوته وتفوقه واحترامه لذاته، وهي المرحلة الانتقالية ما بين القوى المنظورة كواقع مفروض قسراً والقوى غير المنظورة كغيب كامن وراء الظواهر.


وترى جينيت فارسين ((انه قد ظهر على الانسان في هذه الفترة معالم اهتمامات بما هو فوق المادة (ميتافيزيقية) فقد ضمت القبور بقايا انسانية يغلب ان تتخذ وضع الجنين مكسوة بالمعزة الحمراء (بأوكسيد الحديد الأحمر) مزينة بزخارف وحلي موضوعة في أغطية للرأس وعقود وأساور وقلائد مكونة من الاصداف والاسنان وقطع مستديرة من العظام وفي المنطقة المحيطة بجسم الانسان وجدت اسلحة حجرية وبقايا حيوانات وقرون ذكور الأيائل والرنة، كما أحيط الجسم ببلاطات من الحجارة بل في بعض الاحيان كان الجسد يغطى بمثل هذه الأحجار)) ((وعندما جاء دور تعبيره عن عواطفه فاننا نجد ان الانسان في تلك الفترة كان قد وصل إلى مستوى نفسي مساوٍ لما عند الانسان في العصر الحديث)).

ـ

مفهوم الاجناس المختلفة: وعلى الرغم من ان الانسان العاقل تعرض لقليل من الاختلافات المورفولوجية فان هذه التغيرات كانت سطحية في تأثيرها على اعضاء الانسان ووظائفه وحيث ان الوراثة استمرت في عملها في التعديلات في كل الاخلاف حتى بداية التاريخ المسجل فقد طرح بذلك مفهوم الاجناس المختلفة، في واقع الأمر كانت هذه كيانات بدائية تجمعت أولياً على اساس جغرافي ثم سادت فيها طفرات معينة في اطار كل تقسيم، ثم أصبحت مُلازمة له بعد ذلك وقد ظهرت مجموعات مبتسرة كانت تحمل خصائص متميزة غير انها في مجموعها كانت محتفظة بالمقومات الأساسية لانسان العصر الحديث ((ان الصفات الرسية المميزة (مثل لون البشرة والشعر وقزحية العين وهيئة الشفتين والانف وعظام الجمجمة) قد نشأت في الاصل بفعل العوامل البيئية وبخاصة الجغرافية بالدرجة الاولى، أي ان تاريخ نشوء الاجناس البشرية المعاصرة هو قصة نشوء كل منها وارتقاءه في حدود منطقة جغرافية معينة وفي اطار ظروف اجتماعية معقدة ومتعددة جعلت كلاً منها يتكيف للعوامل المحيطة بطريقته الخاصة الأمر الذي أدى إلى اكتساب صفات رسية معينة مميزة وتبلورها مع مرور الزمن وان كانت في الوقت الحاضر قد فقدت اهميتها البايولوجية بفعل الظروف الاجتماعية والتقدم العلمي والتكنولوجي، فقد أدى، بعبارة أخرى، انتشار النوع الانساني اثناء عصور نشوءه السحيقة، في أرجاء مختلفة من المعمورة إلى ان يواجه بمفرده ظروفاً جغرافية مختلفة إلى درجة التباين أحياناً، فعاش بعض الناس في مناطق استوائية شديدة الحرارة كثيفة الغابات وعالية الرطوبة، وعاش آخرون في صحاري قاحلة تلسعهم أشعة الشمس المحرقة، وعاش بعض آخر في مناطق معتدلة الطقس، وقطن غيرهم في أصقاع قارصة البرد كثيفة الثلوج وأخذ كل منهم يكيف نفسه بايولوجياً للظروف البيئية الطبيعية المحيطة التي لا قبل له بالسيطرة عليها وتكييفها لمستلزمات حياته بالنظر لتخلفه الثقافي والتكنولوجي، وعلى هذا الاساس نشأت اجناس بشرية مختلفة عن بعضها اختلافات كثيرة وكبيرة رغم اشتراكها في الاسس العامة المورفولوجية التشريحية - الفسلجية.... وقد أدى انعزال المجاميع البشرية المختلفة، عن بعضها انعزالا جغرافيا واجتماعيا لفترة طويلة من الزمن إلى تثبت مقوماتها الجسمية المميزة (الثانوية) وزيادة حدتها وتباينها في الفترة التي تلت نشوء ((الانسان العاقل))- Homosapiens الذي هو أصلها المشترك: وذلك نتيجة فترة تكيف بايولوجي، طويل الامد نسبياً، حدث في جسم الانسان ((العاقل)) الذي تبلور بشكله الحديث قبل زهاء (50.000) سنة ولم يطرأ عليه منذ ذلك إلى الان أي تغيير تشريحي أو فسلجي أو مورفولوجي ملحوظ وذلك لانتفاء الحاجة إليه معنى هذا ان التكيف البايولوجي السلبي للظروف البيئية قد فسح المجال لعملية التكيف الاجتماعي التكنولوجي الذي اخضع بها الانسان البيئة المحيطة لمستلزمات حياته أي ان تفاعل الانسان، في هذه المرحلة من تطوره، مع ظروفه البيئية الطبيعية لم يعد مستنداً إلى حدوث تغييرات لاحقة في تركيبه الجسمي بل أخذ يستند في الاساس إلى اجراء تبدلات واسعة المدى وعميقة الغور في البيئة المحيطة بفعل أدواته وأجهزته التكنولوجية المختلفة التي تعرضت هي الأخرى لعملية النشوء والارتقاء مع مرور الزمن، فحلت وسائل التبريد والتدفئة مثلاً والمساكن الملائمة والملابس محل التكيف الجسمي السلبي للبيئة الجغرافية))(1). فقد دل البحث العلمي على ان تحت البشرة غدداً يفرز بعضها مادة كيمياوية تسمى كاروتين وأخرى ميلانين فإذا ازدادت كمية الثانية على الأولى مالت البشرة نحو السواد، وبالعكس كما دل البحث العلمي أيضاً على ان العوامل المناخية (لا سيما ضوء الشمس) تلعب دوراً فعالاً في تعيين كمية افراز المادتين المذكورتين وكلما كان الموقع الجغرافي حاراً قريباً من خط الاستواء كثر افراز الميلانين واسود لون البشرة، واللون الأسود يصبح بدوره أكثر ملائمة للعيش في المناطق الحارة لأنه يحمي الجسم من تسرب بعض الاشعة التي تصبح كثيفة اثناء النهار وطول العام في الاماكن الاستوائية وشبه الاستوائية، ومن الطريف ان نشير هنا إلى ان بعض المختصين لاحظ ان الجنسين الابيض والاسود كانا في احدى مراحل تطورهما جنساً واحداً انقسم على نفسه في تاريخ لاحق وانتشر كل جنس منه بعد ذلك في منطقة جغرافية تختلف تماماً عن الآخرى فنشأت لدى كل منهما خواص مختلفة أدى تطورها اللاحق، عبر آلاف السنين، إلى الاختلافات الجسمية .... واذا كان التكيف للبيئة هو المبدأ العام الذي تخضع له الكائنات الحية كافة فانه عند ((الانسان العاقل)) قد أصبح ثانوي الأهمية إلى درجة التلاشي بفعل العوامل الاجتماعية))(2) ((وقد اتضح بفضل جهود الانثروبولوجين ان (السلالة) لا تعني تطابق الخصائص البايولوجية لاعضائها بل تعني معدلاً تكراريا محدداً لوجود سمات بايولوجية معينة تميز أفرادها))(3) ـ

(1) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص42-43.

(2) المصدر نفسه ص45-46.

(3) النوري: ما الانثروبولوجيا ص13.

((وعن طريق البحوث الميدانية والمختبرية والدراسات الاستطلاعية واستعمال (الاختبارات الاسقاطية) Projective Tests الدقيقة استطاع الانثروبولوجيون البرهنة على انتفاء الصلة بين التركيب الرسي وبين التركيب الحضاري للمجتمعات))(1).

ـ
بعد عرض هذه الموجات الاربع في تطور الهومنيدات والتغيرات اللاعنصرية التي طرأت على الانسان العاقل نتيجة تباين تفاعلاته البيئية، استطيع القول وفق مفهوم التكوين التاريخي للعقل الجدلي بان القفزة النوعية في انتقال هذا الكائن من حياة التجمعات الغريزية إلى الحياة الاجتماعية (بالاضافة إلى تطور المخ فسيولوجيا كامكانية جسمانية للوعي) ما هي الا عملية تطور المقاييس الذهنية البسيطة التي كونها الانسان في مجرى حياته، وهذه المقاييس البسيطة تكمن بعد أداء دورها كمؤثر كامن مكنون لتصبح كأساس لتكوين مقياس ذهني مركب، ومما ساعد على ترسيخ وتنوع هذه المقاييس البسيطة في ذهن الانسان البدائي انتصاب قامته وتحرير أطرافه الامامية والتجريب المستمر وتعدد مقاييسه وهذه الفترة التي مرت بها البشرية هي فترة الوعي اللاقصدي، وفي الوقت الحاضر يمكن تخيل مجتمع الوعي اللاقصدي من خلال تصور مجموعة من الناس المصابين بمرض المشي أثناء النوم من ناحية الوعي اللاشعوري أو ((الاستيقاظ اللاواعي)) ولكن هذا ليس مرضاً بل مرحلة تطورية في وعي الانسان البدائي، وهذه على المدى البعيد تولد طلائع الوعي القصدي(2) المتمثل بالتكيف التفاضلي وهو المرحلة التمهيدية للقصدية، ويستمر التكيف التفاضلي حتى يكتسب حضوراً موضوعياً(3)ـ

(1) المصدر نفسه ص84.

(2) راجع المخطط العام للتطور الاجتماعي الجدلي (حلقة الموضوع الكبرى) شكل رقم -2- ملحق ص64.

(3) ولتقريب ذلك التطور الزماني إلى الذهن انقل أدناه نص مهم لجان بياجيه فيما يتعلق بتطور الطفل زمنياً مع تذكر فارق الحاجة عند الانسان البدائي وتعقيد اشباعها وطبيعة بيئته الاجتماعية في (مساعدته) على اجابة الاسئلة التي تطرحها عليه الطبيعة الجبارة أنذاك مقارنة بغنى البيئة الاجتماعية في الوقت الحاضر للطفل الانساني الذي يتربى بين أحضانها ((يمكن للمرء القول ان كل نشاط – يعني كل حركة وكل فكرة وكل انفعال – يستجيب إلى حاجة. فلا الطفل ولا البالغ يقوم بأي نشاط خارجي أو حتى داخلي محض دون ان يضطره دافع، وهذا الدافع يمكن، على الدوام، وترجمته إلى حاجة (حاجة أولية، أو ولع، أو سؤال الخ)). وكما بين كلاباريد عام 1951 فان الحاجة على الدوام هي مجلى اللاتوازن: فثمة حاجة حين يتغير شيء خارج انفسنا أو داخلها (جسدي أو عقلي) ويكون على السلوك ان يعدَّل ليصبح وظيفة لهذا التغير، فعلى سبيل المثال، يستدعي الجوع أو الجهد بحثاً عن الغذاء أو الراحة، وملاقات موضوع خارجي ستقود إلى حاجة للعب ذات أهداف عملية بدورها، أو انها تقود إلى سؤال أو قضية نظرية، والكلمة العارضة ستثير الحاجة إلى المحاكاة أو التعاطف أو انها ستولد تحفظاً أو معارضة اذا ما كانت في تضاد مع ولع يخصنا وبالعكس، يتوقف النشاط حين تشبع
الحاجة، وبكلام آخر، حين يعاد تأسيس التوازن بين العنصر الجديد الذي استدعى الحاجة والجهاز العقلي الذي كان موجوداً قبل دخول هذا العنصر، فالاكل والنوم، واللعب أو الوصول إلى اهداف، والاجابة على سؤال أو حل قضية والمحاكاة الناجحة أو اقامة رابطة وجدانية أو وجهة النظر الخاصة كل هذه ما هي الا اشباعات تضع حداً، كما في الامثلة السابقة، لسلوك معين أثارته الحاجة، وفي أية لحظة، يمكن للمرء القول اذن، ان النشاط قد اختل توازنه بالتحولات التي نشأت في العالم الخارجي أو الداخلي وان كل سلوك جديد ينطوي ليس على اعادة تأسيس التوازن حسب، بل والتحرك تجاه توازن أكثر استقراراً من التوازن الذي سبق الاضطراب ص12 جان بياجيه، التطور العقلي لدى الطفل. ترجمة سمير علي)).

عند ذلك يتكون عنده (أي الكائن الذي أو شك ان يكون عاقلاً) مقياس ذهني مركب وهو المقياس المتضمن على الوعي الذاتي والوعي الذاتي هذا يستند على معارف أولية ضرورية قبلية موجودة خارج التجربة البشرية يحتويها وجود النفس بالقوة وبصورة لا شعورية ولكنها تكتسب صفة الفعلية وتصبح ادراكاً شعورياً بتطور النفس وتكاملها الذهني بعد ان كانت كامنة مثلما يدعو لها المذهب العقلي وتوجد أيضاً على الدوام معرفة قبلية متجددة تمثل آخر خلاصة عقلية لجدل التاريخ والمتمثلة موضوعياً وذهنياً بآخر كشف (المعرفة) وآخر خلق (الوعي)، فمضمونها موضوعي تاريخي لتجارب أجريت في مختبر الحياة، لأنها تمثل وعي تفاضلي، وهذا على المدى الابعد ولد الكائن المفكر حيث ان بيئته كونت في ذهنه عدد كبير من المقاييس البسيطة التي تمثل قوى الواقع الموضوعي في الذات أي هي امتداد من الموضوع إلى الذات والذات توجّتها بمقياس ذهني مركب الذي يمثل محصلة تلك القوى وهي امتداد بشري مستحدث (ترتبط القصدية بالاستحداث وهي أول مراحل الغائية البشرية) لقوة من الذات إلى الموضوع وهذا هو التفكير البدائي لأن الفكر البدائي هو حصيلة تفاعل الانسان مع الطبيعة والمجتمع تفاعلاً تكيفياً تفاضلياً وثم وعياً تفاضلياً وهي القصدية اما العقلانية فهي مفهوم أوسع نسبياً من القصدية نسبة للزمن المضاف في التفاعل التاريخي للقصدية، فالعقلانية بالمفهوم التاريخي هي القصدية في تفاعلها الحضاري، وكل ما هو عقلاني قصدي وليس كل ما هو قصدي عقلاني وهذه العقلانية اذا جردت من كل فعالية وخلدت إلى السكون تؤدي إلى تكوين وعي جمعي في المجتمع، والذي يتمثل في مختلف الأساليب النمطية لشتى صنوف العادات والتقاليد من مأكل وملبس وزواج وطقوس عبادية، ودفن أو حرق موتى . . . . الخ والذي يؤدي (أي الوعي الجمعي) إلى تكوين قالبية مطلقة في المجتمع والتي هي تكرار الوعي الجمعي لاجيال عدة (بمعنى استمرارية الوعي الجمعي) وهذه القالبية المطلقة نتاج عملية تاريخية طويلة للتفاعل الموضوعي للذات الاجتماعية التي تعبر عن نفسها بجملة قواعد وعادات وتقاليد وآراء وقيم ودين ويتحدد من خلالها (أي القالبية المطلقة) علاقات الناس العفوية مع بعضهم من جهة والمدى التي يعبر من خلالها الناس عن أفكارهم (طبيعتهم) من جهة أخرى واستمراريتها بدون صيرورة تمثل مرحلة السكون التاريخي للمجتمع حيث أقصى مدى للقصدية الذاتية فيه محاولة الوصول لما هو متحقق فعلاً، أي ان أقصى مسار للوعي فيه هو مسار السلفية، الآصرة الدوغمائية: آصرة الغاية – الوسيلة، وعلى حد تعبير ول ديورانت(1) ((ان ((حقوق)) الفرد في المجتمع الفطري أقل منها في حالة المدنية، فاينما وجهت النظر وجدت الانسان يولد مكبلاً بالاغلال: أغلال الوراثة والبيئة والتقاليد والقانون؛ والفرد في الجماعة البدائية يتحرك في شبكة من القوانين التي تبلغ صرامتها وتفضيلاتها حداً يجاوز المعقول فألف تحريم يحدد سلوكه بغير قانون لكنهم في حقيقة أمرهم كانت التقاليد تتحكم في كل مظهر من مظاهر حياتهم؛ كذلك أهل البنغال تسيرهم التقاليد التي لا قبل لهم بتغييرها أو معارضتها فتحدد لهم طريقة الجلوس والقيام والوقوف والمشي والاكل والشرب والنوم فالفرد اوشك الا يكون في عرفهم كائنا مستقلاً بذاته في البيئة الفطرية، ولم يكن يتمتع بالوجود الحق الا الاسرة أو القبيلة والعشيرة والمجتمع القروي)).ـ

(1) قصة الحضارة جـ1، المجلد الأول، ص53.

ومن خلال نظرة بسيطة للمجتمعات من ناحية العلاقة بين التفعيل العقلاني وقوة القالبية المطلقة نستطيع ان نستنتج بان التفعيل العقلاني (ديناميكية الوعي) لأي مجتمع يتناسب عكسياً مع قوة القالبية المطلقة (ستاتيكية الوعي) السائدة فيه، حيث يمكن تقسيم المجتمعات استناداً إلى درجة العقلانية السائدة فيه إلى عقلانية ساكنة (ستاتيكية) وهي وعي المجتمعات الموجودة خارج نطاق التطور الحضاري (فراغ تاريخي، استمرارية السكون التاريخي) مثل الاسكيمو والهنود الحمر في الوقت الحاضر وعقلانية حركية (ديناميكية) وعبقرية انسان هي القوة الخلاقة التي تتخطى مدى القالبية المطلقة للمجتمع وتدخله في نطاق ثورة حضارية، وهنا يرد للذهن سؤال هو: ان القالبية المطلقة تمثل العقلانية في جذورها التكوينية فكيف تكون العلاقة بينهما عكسية ؟ الجواب هو ان العقلانية مفهوم تركيبي للقصدية والزمن المضاف (الفاعل) فالقصدية (وليس العقلانية بالمعنى الدقيق) تناظر القالبية المطلقة فاستمرارية التناظر يعني تجميد الزمن المضاف (زمن ميت، عدم) أي السكون التاريخي، فعلى سبيل المثال المجتمع القريشي قبل ثورة الاسلام العظمى بقيادة النبي محمد <9> كان مقيداً بالعرف القبلي في جانب تنظيم العلاقات الاجتماعية الذي قتل الدولة حيث ان الفرد فيها يتعين عليه الالتزام بالمركز الاجتماعي الذي ولد فيه، وهذا العرف كان قيداً قوياً ولد حالة الوعي الجمعي المتكرر جيل بعد جيل والقالبية المطلقة في الدين والمتمثلة بالتحجر الميتافيزيقي الذي قتل الفلسفة، وبالرغم من النجاحات التاريخية العظيمة لتلك الثورة (بالنسبة للمجتمع العربي ذاته) والتي أعظمها استكمالها الشروط التكوينية المنظورة للكيان العربي، هذا الكيان قبل الثورة المحمدية كان موجوداً وجوداً غير منظور (مجرد من الرؤيا الايديولوجية أي كان عاطفة) وغير المنظور لا يشترط ان يكون لا وجود له ولكن الذي لا وجود له يشترط ان يكون غير منظور.

وبالرغم من هذا خلدت الثورة إلى السكون من جديد.

وبتقدم وعي ومعرفة الانسان وتكوين المفاهيم انتقل من مرحلة التفكير البدائي التفاضلي (التكيف التفاضلي والوعي التفاضلي) إلى التفكير الغائي الذي يمثل حصيلة تفاعل الانسان مع الطبيعة والمجتمع تفاعلاً غائياً وهذه هي المذهبية(1) التي تعني الجهاد لتموضع ذات (ذات فردية أو ذات اجتماعية أو كليهما) باطار التحقيق الموضوعي للايديولوجية باعتبارها (أي الايديولوجية) وجود موضوعاني تمثل مرحلة تمهيدية للمذهبية (مرحلة انتقالية)، وهذه الموضوعانية غير موجودة الان في الواقع ولكنه مطلب معطى في الذهن كوعي بعدي والذي يمثل ابداع الذات التي تسعى وتجاهد للتحقيق الموضوعي لموضوعانيتها.ـ

(1) في غلاف الكتاب تم تلوين (منطقة) المقياس الغريزي على مستوى الفرد والمجتمع باللون الأصفر باعتباره دوافع غريزية تلعب دورها في الدافعية، وتم تلوين المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي) باللون القهوائي لون التراب باعتباره امتدادات من خارج الذهن إلى داخله، وتم تلوين المقياس الذهني المركب (الوعي القصدي) باللون الأخضر، لون النبات باعتباره (نبتة) جديدة في ذهن الانسان تم تركيبها من المقاييس الذهنية البسيطة وتم تلوين المقياس الذهني المذهبي باللون الأحمر مع البرتقالي باعتبار اللون الأحمر لون كريات الدم الحمراء ويمثل الصراع الموضوعي للقصديات من أجل تموضع الذات التاريخية، واللون البرتقالي (بشكل نجوم بأحجام مختلفة) لون مصل الدم فكما ان مصل الدم يحتوي على الاجسام المضادة للدفاع عن الجسم فالانسانية كذلك لها نفوس عظيمة للدفاع عنها كالانبياء والابطال التاريخيين.

ان المحل الهندسي للحضارة يكمن في الفرد والمجتمع، في الفرد والذي يمثله المبدع أو البطل التاريخي بموضوعانيته كوعي بعدي والذي يقوم بعملية التغيير و التجريد الذهني المستقبلي لما هو موجود، وفي المجتمع في وعيه التطابقي باعتباره محل اختبار وعلة استمرار تموضع الذات البعدية الوعي كتحقيق تاريخي وبدونها لا يكون هذا التجريد حضارة وانما مجتمعات طوباوية موجودة في الاذهان التي ابتدعتها واختلقتها ((وقصارى الكلام، ان تكيف أفراد على وضع جديد قد يؤثر في تفكير الافراد الآخرين وشعورهم وسلوكهم، وقد يؤدي بالتالي إلى تعديل نسق حياة الجماعة باسرها . . . ان تحليل التغيرات الثقافية يسير على النهج التالي: يبدأ بتجريدات وصفية للاشكال الثقافية المستقرة وينطلق منها ليمر بسلسلة من العمليات المرتبطة بالظروف التي دفعت الافراد إلى تعديل طرق تكيفهم، ثم يعود إلى آثار التكيف المعدل وانعكاساته على الاوضاع فيصفها على اعتبار انها اشكال ثقافية جديدة أو معدلة وهكذا يمكن القول بان مشكلة التغير الثقافي تتصل بالاوضاع والعمليات التي تؤدي إلى تعديلات تكيفية في السلوك الفردي من النوع الذي يكتسب دلالة اجتماعية خاصة))(1) فالمجتمع هو كائن معقد له تكوينه النفسي الخاص أي وعيه الموضوعي، والفرد هو موجود اجتماعي نتيجة لارتباطهما الجدلي، لذلك تبقى دائماً وأبداً القوانين التي تحكمهما معاً نسبية (هذا هو مبدأ جدل التاريخ) أي نسبة درجة الوعي الذاتي للفرد المتغير نسبيا لوعي المجتمع الثابت نسبياً والجسر الذي يربط المقاييس الذاتية بالموضوعية هو النضال وفقاً للمحركات البعدية للعقل الجدلي وليس منطق التاريخ المجرد من الزمان والمكان، لذلك لا يمكن أبداً ان تتطابق درجة الوعي الذاتي مع التنظيم الاجتماعي في المجتمعات التاريخية تطابقاً كلياً بل هناك درجات من الوعي الذاتي بالنسبة لوعي المجتمع وهذا هو الذي يعلل لنا سبب التنوع والاختلاف بين الافراد ولكن يوجد في كل حقبة تاريخية معينة اتجاه عام سائد يمثل محصلة الوعي الاجتماعي الذي يتجه الوعي الذاتي باتجاهه(2)ـ

(1) لنتون: الانثروبولوجيا وأزمة العالم الحديث ص309.

(2) تكوين الاتجاهات هي من المواضيع المهمة التي يدرسها علم النفس الاجتماعي وهي ((عبارة عن استجابات تقويمية متعلمة أزاء موضوعات أو احداث أو غير ذلك من المثيرات)) و((للاتجاه مكونات مختلفة تتحد فيما
بينها لتكون الاستجابة النهائية الشاملة التي قد يتخذها الفرد أزاء مثير معين وهذه المكونات هي:

المكـون العاطفي: ويتمثل هذا الجانب في الشعور أو الاستجابة الانفعالية التي يتخذها الفرد أزاء مثير معين وهذه الاستجابات العاطفية قد تكون ايجابية وقد تكون سلبية.

المكون المعرفي: وهو يشير إلى المعتقدات التي يعتنقها الفرد حول موضوع معين، وتتضمن هذه المعتقدات – أساساً – بعض الاحكام المتعلقة بالمثير.

المكون النزوعي: ويمثل هذا الجانب اساليب الفرد السلوكية أزاء المثير سواء كانت ايجابية أو سلبية وبعبارة أخرى يتضمن نزعات الفرد السلوكية تجاه المثير، ص325 مقدمة في علم النفس سلسلة ملخصات شوم أرنوف، وبيتج)).

(وهنا يكمن دور الثورة الثقافية)، وبتعبير أدق وجود مذهب مركزي من بين مجموعة المذاهب الثانوية باعتباره المسار الجدلي الذي تسير فيه الحقيقة التاريخية للمجتمع لأنه لا توجد أنا مجردة فاعلة اجتماعيا وانما الانا الفاعلة هي الأنا الجدلية، الأنا المتكونة وفق مبدأ جدل التاريخ، أما الأنا المجردة، هي الأنا الحبسية، الأنا الفاقدة لحريتها من خلال اغترابها عن مجالها الجذبي، فالاغتراب(1) يعني خروج الذات عن جدليتها المعبر عنها بالمجال الجذبي للواقع، وهو يمثل مجموعة المسارات الأخرى: مسار السلفية أو الاغتراب الداخلي النسبي والمتمثل بالمسار الدوغمائي الذي هو آصرة الغاية – الوسيلة، ومسار الاغتراب الداخلي المطلق المتمثل بالمسار الميتاريليتي (ما وراء الواقع) الذي هو آصرة الغاية – الغاية والتي تعني تبني لفكر من خارج المجال الجذبي للواقع تاريخاً وحاضراً، ومسار البهائم، المتمثل بالآصرة الوثنية، آصرة الوسيلة – الوسيلة.

كل وعي يخرج عن المجال الجذبي للواقع والذي لا يعبر عن مساره الجدلي فهو اغتراب ميتافيزيقي تمييزاً له عن (الاغتراب) الجدلي، الذي هو التكوين الموضوعاني للموضوع كمطلب بعدي باعتباره مفارقة جدلية للواقع للجهاد من أجل تموضع ذات بعدية الوعي، وهو اغتراب تطوري، بمعنى انه تفكير ديناميكي، لأن التفكير بصورة عامة هو أسلوب استخدام الامكانيات (الوسائل) لتحقيق غاية، ليس كل تفكير يعطي قيمة موضوعية، التفكير الديناميكي المرتبط بالمسار الجدلي هو وحده الذي يمكن ان يعطي تلك القيمة لكونه تفكير مرتبط بوعي بعدي جدلي لكونه الوعي الوحيد الذي يكمن فيه المحرك الكامن والمتمثل بالتكوين المستقبلي لما هو موجود والذي نتاجه تموضع ذات اما اشكال التفكير غير الجدلي فهو تفكير استاتيكي لانه استمرارية وعي سواء أكان سلفياً أو تطابقياً، فهو تفكير اجتراري، تجتر فيه الذات ما هو موجود من غايات متموضعة سلفاً من بين مجاميع الغايات المتحققة، باختصار شديد، تموضع ذات هو تموضع وسيلة (تفكير ديناميكي) واستمرارية الوعي هو اتخاذ مسار وسيلة متموضعة (تفكير ستاتيكي، وعي تطابقي) فالمسار الجدلي هو المسار الوحيد الذي يخلق وسيلة أما المسارات الأخرى فهي اتخاذ وسيلة متحققة، وأصالة التفكير تكمن في تعبيره الديناميكي عن مجاله الجذبي والمتمثل في استمرارية خلق الغايات المعبرة عن الواقع كمعطيات يتمثلها الذهن بشكل موضوعاني.

وبهذا يعبر المجتمع (أي مجتمع) عن تطوره الحضاري بمدى تحقيق الاستجابة التماثلية مع ما هو متجسد فعلاً تجسيداً جدلياً والمتمثل بتموضع الذات البعدية الوعي للبطل التاريخي.ـ

(1) بالتأكيد باستثناء الاغتراب الجدلي الذي هو الاغتراب (الشرعي) الوحيد.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2011, 03:15 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

-3-

تطور البشريات (الهومنيدات)ـ

سبق نشوء الانسان العاقل Homosapiens ثلاث موجات أساسية في تطور البشريات (الهومنيدات) واتفق هنا مع الدكتور – موريس بوكاي فيما ذكره في كتابه ((ما أصل الانسان اجابات العلم والكتب المقدسة))(1) لانسجامه التام مع جدل التاريخ ((فسلم بان الموجات الاربع من الهوميندات قد تولدت واحدة من أخرى على وجه التتابع والتوالي: فمن الاسترالوبيكس جاء البيثكانثروبيس الذي تولد عنه انسان النياندرتال الذي هو السلف المباشر للهوموسابينز، هذا فضلاً عن الفروق الثانوية المختلفة))(2) وفي نفس المعنى يقول الدكتور كارلتون كون(3) ((وأكبر الظن ان اجدادنا كانوا نوعاً واحداً من أنواع عديدة من الانسان القردي Australopithiceus انقرضت قبل نحو نصف مليون سنة أو بعد ذلك بقليل بعد ان تطور نوع منها فاصبح نوع الانسان Homo)).

(1) قام بترجمته إلى العربية مكتب التربية العربي لدول الخليج (1985).

(2) بوكاي: ماأصل الانسان، اجابات العلم والكتب المقدسة ص112.

(3) قصة الانسان ص66.



من المهم ان انبه هنا قبل شرح الموجات الأربع في تطور الهومنيدات إلى ان الانسان قد تطور من الانسان (القردي) المنتصب، أي من الاسترالوبيثكس Australopithiceus وهو النوع الانساني السالف والذي نشأنا وتطورنا منه باعتباره الموجة الأولى في تطور البشريات (الهوميندات) وليس من نوع من القرود كالشمبانزي والغوريلا والاورانج اوتانج ...الخ والدليل العلمي القاطع هو ان لكل نوع من أنواع الاحياء لها عدد كروموسومي ثابت في النواة لكل جنس والامثلة على ذلك: الانسان 46، القردة الكبار (البونجيدات كالشمبانزي والغوريلا والاورانج اوتانج) 48، الكلب 78، الحمار 62، الماعز 60، القطط38، الدروسوفيلا8.

ففي الانسان مثلاً أي تغيير كروموسومي بسيط سواء أكان زيادة أو نقصان يحدث انحراف عقلي للانسان عن حياته الطبيعية وفقدانه القدرة على التكيف مع الظروف الاجتماعية المحيطة به، ففي الطفل الذي يولد بنسخة اضافية من الكروموسومات رقم (21) الذي هو أصغر الكروموسومات الاوتوسومية، يعاني من الحالة المرضية المعروفة بالمنغوليا Mangolism (أو متلازمة داون Down’s Syndrome) حيث ((يكون ضحيته منغولي الوجه، يشكو من التخلف العقلي، بالاضافة إلى تغيرات وتشوهات فسيولوجية وجسمية عديدة، ويحصل أحد أنواع هذا المرض نتيجة التصاق كروموسوم زائد بآخر ويرجع هذا المرض في معظم الحالات إلى كون الام الطبيعية ناقلة لنوع من التشوهات التركيبية تدعى بالانتقال حيث تحتوي كافة خلاياها علىكروموسومين ملتصقين لا ينفصلان خلال تكوين البويضات فاذا ما لقحت بويضة تحتوي على هذين الكروموسومين الملتصقين من قبل حيمن طبيعي فستحتوي خلايا الجنين على عدد كروموسومي طبيعي الا ان إحداها بالحقيقة عبارة عن التصاق كروموسومين))(1).ـ

وفي حالة ان يبلغ العدد الكروموسومي (47) وهو من الحالات الشاذة غير النادرة يتميز فيها المصاب ((ببروز الثدي وضمور الخصيتين، وعدم تكوين الحيامن، وارتفاع تركيز بعض الهرمونات الجنسية عند الذكور، مما يجعل أجسامهم شبيهة باجسام النساء خصوصاً بعد البلوغ، ويرافق ذلك قصور عقلي، وتعود كل هذه الاعراض إلى كروموسوم سيني اضافي بحيث يبلغ العدد الكروموسومي سبعة وأربعين فرداً [ كروموسوماً ] أي أربعة وأربعين كروموسوماً جسمياً + كروموسومين سينيين + كروموسم صادي. ويتم علاج هذه الحالة باعطاء الذكر المصاب زرقات من الهرمونات الذكرية مدى الحياة لأجل اضمار الثدي واخششان المظهر ولتوفير حياة جنسية طبيعية عدا بقاؤه عقيماً))(2) ومن الأمثلة على نقصان

(1) الربيعي: الوراثة والانسان ص96.

(2) الربيعي: الوراثة والانسان ص99.

الكروموسومات الجنسية أو اللاانفصالية في الكروموسومات الجنسية مرض تيرنر Turners Syudreme حيث الاناث فيه يتميزن بان طولهن لا يزيد ((خلال مرحلة البلوغ عن خمس أقدام، واعناقهن مكففة وذوات أوجه متميزة، وبالرغم من نمو شعر العانة وشعر الابط، الا ان حيضهن الشهري لا يظهر أبداً ويكون الرحم ضعيف التكوين، وبصورة عامة لا تتمكن هؤلاء النساء من الحمل، ويوصف عادة هرمونات الاوستروجين لتكوين الأثدية ولظهور الحيض الشهري))(1) هذه الحقائق عن الكروموسومات وعالمها المعقد والمدهش جعل الباحثين المؤمنين بنظرية تطور الانسان من القرود ((في حيرة من أمرهم)) لا يحسدون عليها، ومن الطريف ان اذكر (وما أشد غرابة ما أذكر) ان احدى ممارسات (الانقاذ) هذه هي ((نظراً لأن الرقمين [ أي عدد الكروموسومات عند الانسان 46، والقرود الكبار 48] متقاربان فقد قيل دون أي دليل حتى ولو كان واهياً – انه قد انصهر اثنان من الكروموسومات معاً حتى تصبح الكروموسومات 46 بدلاً من 48))(2).ـ

ما تم شرحه فيما يخص نظرية الكروموسومات الغرض منه ان نستبعد علمياً بان أصل الانسان قرد، ونرجع إلى موضوعنا الاساسي فيما يخص تطور الهوميندات ((توجدلدينا دلائل لا يتطرق لها الشك تدل على ان انسان العصر الحديث ليس مماثلاً تماماً للاشكال البشرية التي كانت تعيش في العصور السحيقة والتي اكتشفت بقاياها منذ عهد قريب ومن ثم فان وجود تحولات في النوع البشري بمرور الزمن أمر لا سبيل إلى انكاره بل انها مسألة واضحة مثلما ان الارض كروية))(3) ((وان واحداً من اسرار التطور البشري العظيمة يتمثل في فقدان الانسان – الذي يكاد يكون كاملاً – لسلوكه الفطري، وهو ما ظل موجوداً ونشطاً عند القرود)) ((وكما يقول ب،ب جراسيه، ((ان الانسان واحداً من أكثر الحيوانات الموجودة على الارض عالمية، فهو قادر على العيش في أي صقع من اصقاع الارض وقد تعرض لآلاف من مختلف أنماط الطفرات اذا كان لنا ان نقيس بعدد التغيرات على مستوى الجينات والتي يدلل على وجودها التنوع الذي عليه الكائنات البشرية، ففي العالم اليوم ثلاثة بلايين ومائتي مليون من البشر كل منهم مختلف في بيئته الوراثية Genotype (فيما عدا التوائم المتماثلة) وبالتالي فهناك عدد لا ينضب من البشر يمكن ان يتعرضوا للتغيرات الفجائية التي تفي بحاجة الانتقاء الطبيعي، ولكن ماذا يحدث في واقع الامر؟ الاجابة على ذلك انه ليس هناك شيء ذو بال أو بالاحرى شيء يستحق الذكر مما يقع اليوم، لقد كان الذقن آخر ما اكتسبه الانسان من ملامح تشريحية والتي جاء تطورها منذ 30.000 إلى 40.000 سنة))(4) ((وبالمقارنة مع انسان اليوم نجد ان المخ في الاوسترالوبثيكس والبيثكانثروبيس كان صغيراً جداً وهذه نقطة مهمة، لأن هناك ترجيحاً كبيراً في جميع الاحتمالات بوجود صلة مباشرة بين حجم المخ وبين نمو قدرته الوظيفية التي يحكمها عدد العصبات (الخلايا العصبية) الموجودة فاليوم إذا توقف نمو المخ عند واحد من الناس، عند حجم يقل عن 1000سم3 فيحتمل ان تبدو عليه علامات التخلف العقلي التي قد تمنعه من الحياة بصورة طبيعية، ونحن نعلم ان حجم المخ في الموجتين الأوليين من الهومنيدات كان أقل من 1000سم3، ومع ذلك فقد كان لها قدرة على الاختراع والابداع، ويعتبر ب.ب. جراسيه ان ((هذا يثبت القاعدة التي تقول بان الحالات المختلفة التي تمر بها سلسلة النسب أثناء تطورها يجب ان تكون وظيفية ومتوازية ولا رجعة فيها. وقد عاش كل من الاسترالوبيثكس والبيثكانتروبيس – وحجم مخ الأول 500سم3 والثاني 800سم3 – حياة مزدهرة متسقة مع بيئة كا منهما، وهذا يؤكد ان التطور لا يمكن مطلقاً ان يقع في ظروف شاذة أو مضطربة))(5) ((فاننا بذلك نستطيع ان نخلص إلى ((اربع موجات أساسية ظهرت على الأرض)) في تتابع الهوميند، ويتضح في كل موجة نمو أكثر في تركيب النظام الهيكلي وذلك بمقارنتها بسابقتها مما أدى في النهاية إلى النمط النهائي تام التكيف فعلى سبيل المثال بدأت الملامح الرئيسية للبشر في الظهور مثل المشي على القدمين – انتصاب القامة – وكذلك وظائف اليد والنطق بالكلام – الملفوظ وتزامنت هذه الصفات في تطورها مع نمو القدرات العقلية والذكاء (اتساع فراغ الجمجمة يدل على تزايد تعقيد نظام المخ)))(6).ـ

(1) المصدر نفسه ص101

(2) بوكاي: ما أصل الانسان، اجابات العلم والكتب المقدسة.

(3) المصدر نفسه.

(4) المصدر نفسه ص114.

(5) المصدر نفسه ص105.

(6) المصدر نفسه ص110.

وهذه الموجات الأربع في تتابع الهوميندات هي:

أولاً – الاسترالوبيثكيس

ثانياً – البيثكانثروبس

ثالثا – النياندرتال

رابعا – الانسان العاقل (الهوماسابينز)

Australopithecus

Pithecanthropus

Neanderthal

Homosapiens

أولاً – الاسترالوبيثكس Australopithecus

الموجة الأولى من موجات الهومنيدات واكتشف المثال الأول لهذا النمط في جنوب أفريقيا سنة 1924، ان بعض علماء الاحاثة الفرنسيين – ومن بينهم واي كوبنز
Y. Coppens قد اكتشفوا بقايا من الاسترالوبيثكس في تشكلات جيولوجية يتراوح عمرها بين مليون وأربعة ملايين من السنين وقد أجريت الاستكشافات لأول مرة في سنة 1967 في وادي عومو Omoralley في الحبشة حيث عثر على بقايا متعفرة لامرأة في العشرين من عمرها – سميت فيما بعد لوسي Lucy وكان الكشف عنها في سنة 1974 في عفار في رسوبيات يرجع عمرها إلى 3.5 مليون سنة.

أهم صفات هذه الموجة الأولى من الهومنيدات هي :


انها الموجة الأولى من البشر والتي ظهرت على وجه الأرض منذ نحو خمسة ملايين سنة تقريباً (ستة ملايين من السنين عند بعض الباحثين واقل من ذلك عند بعضهم الآخر).

ـ

ان حجم فراغ الجمجمة عنده كان صغيراً (500 – 550سم3) أي كانت على وجه التقريب ثلث سعة جمجمة الانسان المعاصر الا انه كان قادراً على التفكير واستخدام الآلات التي كان يصنعها بنفسه.


كانت هناك أحجار أعدت وشحذت لتكون ذات حد قاطع ومن الجائز انها كانت تستخدم في الصيد وتشير هذه الأحجار المسنونة إلى قدره على الاختراع والابداع لا تمتلكها القردة وقد مكنت هذه القدرات الاسترالوبيثكس من انتاج أدوات أكثر تعقيداً كان يقبض عليها بيده أو يستخدمها مثل فأس صغيرة كما صنع أيضا أدوات من شظايا العظام واستخدم طرائق مكنته من استخدام أدوات مثل الخناجر والهراوات الثقيلة.


تشير عظام الحيوانات التي تم اكتشافها – وخاصة عظام البقر الوحشي – إلى ان الاسترالوبيثكس كان يصطاد هذه الحيوانات.


لا توجد آثار تفيد وجود النار في أي أماكن الحفر الاستكشافية.

ثانياُ – البيثكانثروبس Pithecanthropus أو الاركانثروبيانات Arcanthropians :

الموجة الثانية من موجات الهوميندات، وقد تقدم طبيب عسكري أسمه ايوجين ديبوا Eugene Dubois يطلب الالتحاق بعمل في اندونيسيا على أمل ان يجد هناك
–في جاوه– الجزء الأعلى من جمجمة وعظمة فخذ بدت عليها صفات بشرية – ولم يتم الكشف عن حفريات من نفس النمط – مطابقاً للعينة التي أسماها ديبوا بيثكانتروبس ايريكتس Pith Canthropus Erectus الا في سنة 1936، وفي الفترة بين 1928 – 1937 عثر على كميات كبيرة من البقايا لنمط سمي فيما بعد سينانثروبس Sinanthropus في كهوف تشوكوتين بالقرب من بكين، ووجدت بقايا من نفس الشكل – مما اكتشفه ال.اس.بي ليكي L.S.B.Leaky في تانزانيا، واي كوبنز Y. Koppens في تشاد كما وجدت آثار في كل من آسيا وأندونيسيا الذي تتشكك فيه فارسين E. Genet Varcin في اكتشاف مثل هذا الانسان في أوربا نجد ب.ب جراسيه يُصَنّف انسان تاوتافل Tautavel ، الذي اكتشف بالقرب من بيربنيان Perpignan في فرنسا من بين البثكانثروبينات Pathcanthropines ويبدو ان ب.ب جراسيه يرى ان البقايا البشرية التي عثر عليها في كهوف لازارية Lazaret في نيس وتلك التي اكتشفت في التيرنفينه Ternifine في اقليم أوران Oran في الجزائر تنتمي هي كذلك إلى نفس الشكل.

أهم صفات هذه الموجة من الهومنيدات :


قد تكون عاشت منذ نحو 500.000 سنة واستمرت في البقاء 350.000سنة تقريباً


ان متوسط حجم فراغ الجمجمة 900سم3 (يتراوح بين 775 – 1200سم3) كما كان هناك دائماً نتوء عظمي فوق محجري العينين وفي مؤخر الرأس – وكانت محاجر العيون كبيرة وتشبه هيئة الوجه بعامة الانماط البشرية التي جاءت بعد هذا الشكل.


منذ زمن الاسترالوبيتكس بدأ تقدم القدرات الفكرية فقد استخدم ((البثكانثروبس)) النار كما هو واضح من المكتشفات في كهوف تشوكنتين حيث وجدت فيها عظام حيوانية محترقة وأحجار رتبت في شكل دائرة وقد اسودت بفعل النار.


يفصح عن ابداع وبراعة تزيد عما عليه الاسترالوبثيكس وشاهد ذلك في الاكتشافات التي تمت بالقرب من بيربنيان حيث اكتشف أتش دي لوملي أدوات كشط وأدوات مدببة وفي كهوف لازارية في نيس هناك أثار حفر في الأرض وأحجار مرتبة في صفوف بما قد يفيد انها استخدمت في تحديد مناطق العيش، وكل هذه الاكتشافات تشير إلى قدرة معينة على الاستنساخ والتفكير.

ثالثاً – النياندرتال Neandertal (البالينتروبيانز Paleaanthropians)

النياندرتال الموجه الثالثة من موجات الهومينيدات وقد عاش في أوربا وآسيا وأفريقيا وأول ما اكتشف من بقايا النياندرتال سنة 1856 في وادي نياندر Neander Valley بالقرب من دوسلدوروف Dussel Dorf في المانيا (الغربية) وعلى كل فلم يتبع ذلك كشف من نفس النمط حتى كان عام 1908 حين اكتشف هيكل شبه كامل وذلك في لا شابل اوسانت Lachappelle Auxsaint في اقليم كوريز Correze في فرنسا ثم كشفت فيما بعد أنماط مطابقة في كل من أسبانيا وايطاليا واليونان والمغرب وفلسطين والعراق وجاوه.

أهم صفات هذه الموجه من الهومنيدات:


ظهرت هذه الموجة منذ 100.000 سنة تقريباً وبقيت نحو 60.000 سنة تقريباً .


على الرغم من ان انسان النياندرتال كان ذا حجم متوسط وذا قدمين بشكل كامل تماماً، وركبت فيه عضلات نامية تماماً، فان شكل وجهه الخارجي كان مختلفاً عما عليه الانسان اليوم، فجبهته منخفضة لا تزيد عن كونها بروزاً عظمياً كبيراً فوق محجري العينين.


اختفاء الذقن جعل الوجه يبدو في شكل الخطم (الانف والفكان البارزان) ومع ذلك فاننا اذا قارنا النياندرتال بالموجة الثانية من الهومنيدات وجدنا ان جمجمته أكثر نمواً فحجم فراغها ازداد من 1300 إلى 1600سم3 (1).

ـ
(1) من الممكن من وجهة نظرية ان نعزو سبب كبر حجم فراغ الجمجمة إلى كبر حجم المنطقة الحسية المخية كنتيجة لاعتماد انسان نياندرتال على نفسه بدرجة كبيرة، لاحظ تعليقي في الهامش 1 ص86.


نموه الفكري يؤيده نوع الأسلحة والأدوات التي اكتشفت بالقرب من بقايا انسان النياندرتال – ويغلب ان يكون قد اتخذ من الكهوف مأوى يأوي إليه وفيها أشعل النار ونظم ما حوله ورتبه بالشكل الذي يناسبه ويفيده.

رابعاً – الانسان العاقل Homo Sapiens

الموجة الأخيرة من موجات الهوميندات (البشريات Hominids، التركيب الفسيولوجي للانسان المعاصر) وقد اكتشفت عينات من هذه الموجة في أفراد كثيرة من أوربا وآسيا وأفريقيا، وكان الذي عثر عليه في فرنسا هو أكثر الهياكل احتفاظاً بحالته وأقربها إلى الدقة في تحديد تاريخه، ومثال ذلك إنسان كومب – كابل – Combe Capelle man وبوجه خاص انسان كرومانيون Cromagnon الذي عثر عليه سنة 1868 في ليزيزيه Les Eyzies في اقليم دور دوني Dor Dogne وكان طول انسان كرومانيون أكبر من انسان كومب كابل اذ بلغ 1.8 متراً كما انه يحمل ملامح قديمة ومنطقة عظام خلف الرقبة لم تصل إلى كامل التقدم والوجه عريض الا ان المحجرين في مكان أكثر انخفاضاً والانف بارز وقد اختفت بسرعة هذه الملامح المتبقية من القديم، وعلى كل فانه لم يطرأ فيما بعد على الشكل الخارجي للانسان تغييرات تذكر.

أهم صفات هذه الموجة من الهوميندات:


جمجمة أكثر ارتفاعاً واستدارة مع تطور وتقدم جيد لمنطقة العظام خلف
الرقبة - القفا.

اختفاء النتوء العظمي الذي كان فوق المحجرين.

اختفاء المظهر الخطمي للوجه نظراً لظهور الذقن.

حجم فراغ الجمجمة قد انخفض إلى 1300سم3 في المتوسط(1) ـ

(1) من الممكن ان نجد تفسير علمي لانخفاض حجم فراغ جمجمة الانسان العاقل مقارنة بسلفه المباشر انسان النياندرتال وهو فرض يمكن استنتاجه على أساس التجارب التي أجريت على الحيوانات وهو ان المنطقة الحسية لانسان النياندرتال وجهازه الحافي ((العاطفي)) أكبر بكثير مما هي عليه عند الانسان العاقل بسبب الثقل الوظيفي لهذه المنطقة في هذه المرحلة من نمو الهوميندات ونتيجة لنمو مناطق التفكير عند الانسان وهو بالتأكيد نمو كان بمعدل أقل من مساحة المنطقة الحسية المختزلة، وهذا الفارق ينتج انخفاض في حجم المخ وبالتالي هو الذي أدى إلى انخفاض حجم فراغ الجمجمة التي تحيط به والبالغ 300سم3 في المتوسط ((وقد أصبح الفم والجمجمة في جميع الحيوانات والطير التي دجنها الانسان، أقصر من أفواه الأوابد وجماجمها، ولقد أصبح فم الحيوان صغيراً لأن الانسان أصبح يهيئ له طعامه وبهذا خفض عمل الأسنان والفكين، فتضاءلت وصغرت، ويقتدي الحيوان، في هذا التغير، بالانسان نفسه فقد تضاءلت جمجمة الحيوان لأن الانسان بحمايته اياه من الاعداء الطبيعيين والأجواء القاسية قد جعل النمو التام لحواسه أمراً ليس ضرورياً، وتقع أجزاء المخ، التي تستقبل الرسائل من العينين والاذنين والمنخرين في مقدمته ومؤخرته، وعدم استعمال هذه الاجزاء المكونة من المادة السنجابية يعطل نموها الكامل ومن ثم يتضاءل المخ والجمجمة التي تحيط به. ويحتمل ان تحدث هذه التغيرات في الجيل الواحد كما أثبتت التجارب التي أجريت في المانيا، فقد صاد أحد علماء الحيوان زوجين من الثعالب الآبدة ووضعهما في حديقة الحيوان وولدت الثعلبة عدد من الجراء فلما كبرت أطلق بعضها فتناسلت، وقد ذبح هذا العالم عدد من الثعالب تنتمي إلى الاجيال الثلاثة ووزن مخ الثعلب من الجيل الثاني الذي ولد وربى في الاسر خمسة وثلاثين غراماً. ووزن مخ الثعلب من الجيل الثالث الذي عاش آبداً طليقاً، خمسين غراماً. تثبت هذه التجربة ان التغيرات التي تطرأ على حجم المخ والتي تعكس عدم استعمال مناطق الاحساس من المخ غير موروثة في الجيل الواحد في أقل تقدير، ويعجب المرء مما عسى ان يحدث للحيوانات التي حماها الانسان، وقادها إلى المراعي وارجعها إلى الحضائر، طوال ثمانية آلاف سنة، ص183 قصة الانسان، كارلتون كون)).ـ

أكتسبت الاطراف تناسبها الذي نعرفها عليه اليوم.


أظهر الانسان العاقل منذ بداية ظهوره درجة من النشاط العقلي تفوق أياً من سابقيه من الهوميند، فقد استطاع ان يشحذ الاحجار بمهارة ملحوظة وبدقة كبيرة ولاسنعمالات متعددة وبلمسات توحي باحاسيس جمالية وقد استفاد بشكل كبير من العظام والعاج لافي حالتها الخام كما كان من قبل وانما بطريقة معدة ومصنعة في شكل أدوات مختلفة فمن معاول إلى مثاقيب وهراوات وأدوات لصقل الأشياء وتنعيم ملمسها أو أدوات للرمي والقذف وابر ورماح . . . . الخ.


كانت مستوطناته مختلفة تماماً، فكما كان الحال في الماضي اذا واجهته ظروف مناخية صعبة أوى إلى الكهوف، والصخور، وفي الأماكن التي لا يتوفر فيها المأوى الطبيعي عرف كيف يحفر الأرض ويعدها وان يبني أكواخاً من الفروع والاغصان – كما عثر على أماكن بها آثار لاشعال النار تبين انها نقطة تجمع المستوطنة.


وقد عاش الانسان حياة الضواري في تجمعها المشترك وقد مارس الصيد وقطف الثمار ليؤمن لنفسه مؤونته بذلك من الغذاء والكساء وتتجلى مهارته في الصيد من بقايا الحيوانات التي عثر عليها في مواضع مثل سوليتريه Solutre في إقليم السين اللوار في فرنسا.


استخدم بقايا الحيوانات التي يصطادها – أحياناً – في تأثيث بيته.


ولكي يضيء مسكنه تعلم كيف يختار الاخشاب التي تحترق مخلِّفة أقل قدر من الرماد كما انه استخدم مصابيح حجرية.


كان قادراً على ابداع اشغال فنية لم يسبق ان عثر على مثلها قبل وجوده وكان رسم الحيوانات هو موضوع مصوراته الرئيس وبين أعمال فنية أخرى تورد جينت فارسين رسومات جدران الكهوف في كل من التاميرا ولاسكو ومن الجدير بالذكر ان هناك رسومات حائطية ونقوشات لاشكال ثيران وأيائل في كهوف التاميرا بالقرب من سانتاندر Santander في اسبانيا وهي مما لا يمكن بسهولة تحديد تاريخها بدقة وقد أُجري تحليل لأشياء مختلفة من محتويات الكهوف بواسطة – الكربون 14 المشع وقدر لها من العمر نحو 13.500 سنة وليس من الممكن على كل حال – ان نقطع ان ذلك هو عمر النقوش نفسها، فبعض التقديرات تذهب إلى ان النقوش قد تكون أكثر قدماً، اما كهوف لاسكو في فرنسا فهي أكثر أهمية لكثرة الحيوانات المرسومة وتنوع المهارات الفنية المستخدمة ويعتقد ان هذه النقوش ترجع –تقريباً إلى نفس زمن النقوش الموجودة في سانتاندر الا ان بعض المهتمين هنا ايضا يعتقدون انها قد تكون أقدم(1).

ـ
(1) قبل قراءة موضوع المقياس الذهني والمعرفة الزائفة (الاغتراب الروحي) الذي سيأتي فيا بعد أحب ان أؤكد هنا على نقطة مهمة بالنسبة لهذه الرسوم التي لم تكن بالتأكيد عبادية غيبية وموضوع طقوس وانما اسقاطات تعبِّر عن القوة المنظورة (ليست غيبية) حيث لم يتبلور الدين كمفهوم عبادي (غيبي) باطار استنتاجه الذاتي خارج اطاره الرسالي السماوي الا في وقت متأخر جداً بالنسبة لتاريخ وجود الانسان العاقل HomoSapiens على الكرة الأرضية، فهي لم تكن الا انعكاس للواقع الموضوعي الذي يعيشه الانسان البدائي الناجم عن الواقع المفروض عليه (قسراً) والمتمثل بتفوق الحيوان عليه لان القوة الجسدية لا العقلية هي معيار الأقوى (أساساً لم يتبلور أي معيار أو مقياس تمايزي فكري) وبتقدم وعي الانسان وخلقه التاريخ أخذ يصور القوة أو (الاله) على شاكلته هو التي هي انعكاس لقوته وتفوقه واحترامه لذاته، وهي المرحلة الانتقالية ما بين القوى المنظورة كواقع مفروض قسراً والقوى غير المنظورة كغيب كامن وراء الظواهر.


وترى جينيت فارسين ((انه قد ظهر على الانسان في هذه الفترة معالم اهتمامات بما هو فوق المادة (ميتافيزيقية) فقد ضمت القبور بقايا انسانية يغلب ان تتخذ وضع الجنين مكسوة بالمعزة الحمراء (بأوكسيد الحديد الأحمر) مزينة بزخارف وحلي موضوعة في أغطية للرأس وعقود وأساور وقلائد مكونة من الاصداف والاسنان وقطع مستديرة من العظام وفي المنطقة المحيطة بجسم الانسان وجدت اسلحة حجرية وبقايا حيوانات وقرون ذكور الأيائل والرنة، كما أحيط الجسم ببلاطات من الحجارة بل في بعض الاحيان كان الجسد يغطى بمثل هذه الأحجار)) ((وعندما جاء دور تعبيره عن عواطفه فاننا نجد ان الانسان في تلك الفترة كان قد وصل إلى مستوى نفسي مساوٍ لما عند الانسان في العصر الحديث)).

ـ

مفهوم الاجناس المختلفة: وعلى الرغم من ان الانسان العاقل تعرض لقليل من الاختلافات المورفولوجية فان هذه التغيرات كانت سطحية في تأثيرها على اعضاء الانسان ووظائفه وحيث ان الوراثة استمرت في عملها في التعديلات في كل الاخلاف حتى بداية التاريخ المسجل فقد طرح بذلك مفهوم الاجناس المختلفة، في واقع الأمر كانت هذه كيانات بدائية تجمعت أولياً على اساس جغرافي ثم سادت فيها طفرات معينة في اطار كل تقسيم، ثم أصبحت مُلازمة له بعد ذلك وقد ظهرت مجموعات مبتسرة كانت تحمل خصائص متميزة غير انها في مجموعها كانت محتفظة بالمقومات الأساسية لانسان العصر الحديث ((ان الصفات الرسية المميزة (مثل لون البشرة والشعر وقزحية العين وهيئة الشفتين والانف وعظام الجمجمة) قد نشأت في الاصل بفعل العوامل البيئية وبخاصة الجغرافية بالدرجة الاولى، أي ان تاريخ نشوء الاجناس البشرية المعاصرة هو قصة نشوء كل منها وارتقاءه في حدود منطقة جغرافية معينة وفي اطار ظروف اجتماعية معقدة ومتعددة جعلت كلاً منها يتكيف للعوامل المحيطة بطريقته الخاصة الأمر الذي أدى إلى اكتساب صفات رسية معينة مميزة وتبلورها مع مرور الزمن وان كانت في الوقت الحاضر قد فقدت اهميتها البايولوجية بفعل الظروف الاجتماعية والتقدم العلمي والتكنولوجي، فقد أدى، بعبارة أخرى، انتشار النوع الانساني اثناء عصور نشوءه السحيقة، في أرجاء مختلفة من المعمورة إلى ان يواجه بمفرده ظروفاً جغرافية مختلفة إلى درجة التباين أحياناً، فعاش بعض الناس في مناطق استوائية شديدة الحرارة كثيفة الغابات وعالية الرطوبة، وعاش آخرون في صحاري قاحلة تلسعهم أشعة الشمس المحرقة، وعاش بعض آخر في مناطق معتدلة الطقس، وقطن غيرهم في أصقاع قارصة البرد كثيفة الثلوج وأخذ كل منهم يكيف نفسه بايولوجياً للظروف البيئية الطبيعية المحيطة التي لا قبل له بالسيطرة عليها وتكييفها لمستلزمات حياته بالنظر لتخلفه الثقافي والتكنولوجي، وعلى هذا الاساس نشأت اجناس بشرية مختلفة عن بعضها اختلافات كثيرة وكبيرة رغم اشتراكها في الاسس العامة المورفولوجية التشريحية - الفسلجية.... وقد أدى انعزال المجاميع البشرية المختلفة، عن بعضها انعزالا جغرافيا واجتماعيا لفترة طويلة من الزمن إلى تثبت مقوماتها الجسمية المميزة (الثانوية) وزيادة حدتها وتباينها في الفترة التي تلت نشوء ((الانسان العاقل))- Homosapiens الذي هو أصلها المشترك: وذلك نتيجة فترة تكيف بايولوجي، طويل الامد نسبياً، حدث في جسم الانسان ((العاقل)) الذي تبلور بشكله الحديث قبل زهاء (50.000) سنة ولم يطرأ عليه منذ ذلك إلى الان أي تغيير تشريحي أو فسلجي أو مورفولوجي ملحوظ وذلك لانتفاء الحاجة إليه معنى هذا ان التكيف البايولوجي السلبي للظروف البيئية قد فسح المجال لعملية التكيف الاجتماعي التكنولوجي الذي اخضع بها الانسان البيئة المحيطة لمستلزمات حياته أي ان تفاعل الانسان، في هذه المرحلة من تطوره، مع ظروفه البيئية الطبيعية لم يعد مستنداً إلى حدوث تغييرات لاحقة في تركيبه الجسمي بل أخذ يستند في الاساس إلى اجراء تبدلات واسعة المدى وعميقة الغور في البيئة المحيطة بفعل أدواته وأجهزته التكنولوجية المختلفة التي تعرضت هي الأخرى لعملية النشوء والارتقاء مع مرور الزمن، فحلت وسائل التبريد والتدفئة مثلاً والمساكن الملائمة والملابس محل التكيف الجسمي السلبي للبيئة الجغرافية))(1). فقد دل البحث العلمي على ان تحت البشرة غدداً يفرز بعضها مادة كيمياوية تسمى كاروتين وأخرى ميلانين فإذا ازدادت كمية الثانية على الأولى مالت البشرة نحو السواد، وبالعكس كما دل البحث العلمي أيضاً على ان العوامل المناخية (لا سيما ضوء الشمس) تلعب دوراً فعالاً في تعيين كمية افراز المادتين المذكورتين وكلما كان الموقع الجغرافي حاراً قريباً من خط الاستواء كثر افراز الميلانين واسود لون البشرة، واللون الأسود يصبح بدوره أكثر ملائمة للعيش في المناطق الحارة لأنه يحمي الجسم من تسرب بعض الاشعة التي تصبح كثيفة اثناء النهار وطول العام في الاماكن الاستوائية وشبه الاستوائية، ومن الطريف ان نشير هنا إلى ان بعض المختصين لاحظ ان الجنسين الابيض والاسود كانا في احدى مراحل تطورهما جنساً واحداً انقسم على نفسه في تاريخ لاحق وانتشر كل جنس منه بعد ذلك في منطقة جغرافية تختلف تماماً عن الآخرى فنشأت لدى كل منهما خواص مختلفة أدى تطورها اللاحق، عبر آلاف السنين، إلى الاختلافات الجسمية .... واذا كان التكيف للبيئة هو المبدأ العام الذي تخضع له الكائنات الحية كافة فانه عند ((الانسان العاقل)) قد أصبح ثانوي الأهمية إلى درجة التلاشي بفعل العوامل الاجتماعية))(2) ((وقد اتضح بفضل جهود الانثروبولوجين ان (السلالة) لا تعني تطابق الخصائص البايولوجية لاعضائها بل تعني معدلاً تكراريا محدداً لوجود سمات بايولوجية معينة تميز أفرادها))(3) ـ

(1) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص42-43.

(2) المصدر نفسه ص45-46.

(3) النوري: ما الانثروبولوجيا ص13.

((وعن طريق البحوث الميدانية والمختبرية والدراسات الاستطلاعية واستعمال (الاختبارات الاسقاطية) Projective Tests الدقيقة استطاع الانثروبولوجيون البرهنة على انتفاء الصلة بين التركيب الرسي وبين التركيب الحضاري للمجتمعات))(1).

ـ
بعد عرض هذه الموجات الاربع في تطور الهومنيدات والتغيرات اللاعنصرية التي طرأت على الانسان العاقل نتيجة تباين تفاعلاته البيئية، استطيع القول وفق مفهوم التكوين التاريخي للعقل الجدلي بان القفزة النوعية في انتقال هذا الكائن من حياة التجمعات الغريزية إلى الحياة الاجتماعية (بالاضافة إلى تطور المخ فسيولوجيا كامكانية جسمانية للوعي) ما هي الا عملية تطور المقاييس الذهنية البسيطة التي كونها الانسان في مجرى حياته، وهذه المقاييس البسيطة تكمن بعد أداء دورها كمؤثر كامن مكنون لتصبح كأساس لتكوين مقياس ذهني مركب، ومما ساعد على ترسيخ وتنوع هذه المقاييس البسيطة في ذهن الانسان البدائي انتصاب قامته وتحرير أطرافه الامامية والتجريب المستمر وتعدد مقاييسه وهذه الفترة التي مرت بها البشرية هي فترة الوعي اللاقصدي، وفي الوقت الحاضر يمكن تخيل مجتمع الوعي اللاقصدي من خلال تصور مجموعة من الناس المصابين بمرض المشي أثناء النوم من ناحية الوعي اللاشعوري أو ((الاستيقاظ اللاواعي)) ولكن هذا ليس مرضاً بل مرحلة تطورية في وعي الانسان البدائي، وهذه على المدى البعيد تولد طلائع الوعي القصدي(2) المتمثل بالتكيف التفاضلي وهو المرحلة التمهيدية للقصدية، ويستمر التكيف التفاضلي حتى يكتسب حضوراً موضوعياً(3)ـ

(1) المصدر نفسه ص84.

(2) راجع المخطط العام للتطور الاجتماعي الجدلي (حلقة الموضوع الكبرى) شكل رقم -2- ملحق ص64.

(3) ولتقريب ذلك التطور الزماني إلى الذهن انقل أدناه نص مهم لجان بياجيه فيما يتعلق بتطور الطفل زمنياً مع تذكر فارق الحاجة عند الانسان البدائي وتعقيد اشباعها وطبيعة بيئته الاجتماعية في (مساعدته) على اجابة الاسئلة التي تطرحها عليه الطبيعة الجبارة أنذاك مقارنة بغنى البيئة الاجتماعية في الوقت الحاضر للطفل الانساني الذي يتربى بين أحضانها ((يمكن للمرء القول ان كل نشاط – يعني كل حركة وكل فكرة وكل انفعال – يستجيب إلى حاجة. فلا الطفل ولا البالغ يقوم بأي نشاط خارجي أو حتى داخلي محض دون ان يضطره دافع، وهذا الدافع يمكن، على الدوام، وترجمته إلى حاجة (حاجة أولية، أو ولع، أو سؤال الخ)). وكما بين كلاباريد عام 1951 فان الحاجة على الدوام هي مجلى اللاتوازن: فثمة حاجة حين يتغير شيء خارج انفسنا أو داخلها (جسدي أو عقلي) ويكون على السلوك ان يعدَّل ليصبح وظيفة لهذا التغير، فعلى سبيل المثال، يستدعي الجوع أو الجهد بحثاً عن الغذاء أو الراحة، وملاقات موضوع خارجي ستقود إلى حاجة للعب ذات أهداف عملية بدورها، أو انها تقود إلى سؤال أو قضية نظرية، والكلمة العارضة ستثير الحاجة إلى المحاكاة أو التعاطف أو انها ستولد تحفظاً أو معارضة اذا ما كانت في تضاد مع ولع يخصنا وبالعكس، يتوقف النشاط حين تشبع
الحاجة، وبكلام آخر، حين يعاد تأسيس التوازن بين العنصر الجديد الذي استدعى الحاجة والجهاز العقلي الذي كان موجوداً قبل دخول هذا العنصر، فالاكل والنوم، واللعب أو الوصول إلى اهداف، والاجابة على سؤال أو حل قضية والمحاكاة الناجحة أو اقامة رابطة وجدانية أو وجهة النظر الخاصة كل هذه ما هي الا اشباعات تضع حداً، كما في الامثلة السابقة، لسلوك معين أثارته الحاجة، وفي أية لحظة، يمكن للمرء القول اذن، ان النشاط قد اختل توازنه بالتحولات التي نشأت في العالم الخارجي أو الداخلي وان كل سلوك جديد ينطوي ليس على اعادة تأسيس التوازن حسب، بل والتحرك تجاه توازن أكثر استقراراً من التوازن الذي سبق الاضطراب ص12 جان بياجيه، التطور العقلي لدى الطفل. ترجمة سمير علي)).

عند ذلك يتكون عنده (أي الكائن الذي أو شك ان يكون عاقلاً) مقياس ذهني مركب وهو المقياس المتضمن على الوعي الذاتي والوعي الذاتي هذا يستند على معارف أولية ضرورية قبلية موجودة خارج التجربة البشرية يحتويها وجود النفس بالقوة وبصورة لا شعورية ولكنها تكتسب صفة الفعلية وتصبح ادراكاً شعورياً بتطور النفس وتكاملها الذهني بعد ان كانت كامنة مثلما يدعو لها المذهب العقلي وتوجد أيضاً على الدوام معرفة قبلية متجددة تمثل آخر خلاصة عقلية لجدل التاريخ والمتمثلة موضوعياً وذهنياً بآخر كشف (المعرفة) وآخر خلق (الوعي)، فمضمونها موضوعي تاريخي لتجارب أجريت في مختبر الحياة، لأنها تمثل وعي تفاضلي، وهذا على المدى الابعد ولد الكائن المفكر حيث ان بيئته كونت في ذهنه عدد كبير من المقاييس البسيطة التي تمثل قوى الواقع الموضوعي في الذات أي هي امتداد من الموضوع إلى الذات والذات توجّتها بمقياس ذهني مركب الذي يمثل محصلة تلك القوى وهي امتداد بشري مستحدث (ترتبط القصدية بالاستحداث وهي أول مراحل الغائية البشرية) لقوة من الذات إلى الموضوع وهذا هو التفكير البدائي لأن الفكر البدائي هو حصيلة تفاعل الانسان مع الطبيعة والمجتمع تفاعلاً تكيفياً تفاضلياً وثم وعياً تفاضلياً وهي القصدية اما العقلانية فهي مفهوم أوسع نسبياً من القصدية نسبة للزمن المضاف في التفاعل التاريخي للقصدية، فالعقلانية بالمفهوم التاريخي هي القصدية في تفاعلها الحضاري، وكل ما هو عقلاني قصدي وليس كل ما هو قصدي عقلاني وهذه العقلانية اذا جردت من كل فعالية وخلدت إلى السكون تؤدي إلى تكوين وعي جمعي في المجتمع، والذي يتمثل في مختلف الأساليب النمطية لشتى صنوف العادات والتقاليد من مأكل وملبس وزواج وطقوس عبادية، ودفن أو حرق موتى . . . . الخ والذي يؤدي (أي الوعي الجمعي) إلى تكوين قالبية مطلقة في المجتمع والتي هي تكرار الوعي الجمعي لاجيال عدة (بمعنى استمرارية الوعي الجمعي) وهذه القالبية المطلقة نتاج عملية تاريخية طويلة للتفاعل الموضوعي للذات الاجتماعية التي تعبر عن نفسها بجملة قواعد وعادات وتقاليد وآراء وقيم ودين ويتحدد من خلالها (أي القالبية المطلقة) علاقات الناس العفوية مع بعضهم من جهة والمدى التي يعبر من خلالها الناس عن أفكارهم (طبيعتهم) من جهة أخرى واستمراريتها بدون صيرورة تمثل مرحلة السكون التاريخي للمجتمع حيث أقصى مدى للقصدية الذاتية فيه محاولة الوصول لما هو متحقق فعلاً، أي ان أقصى مسار للوعي فيه هو مسار السلفية، الآصرة الدوغمائية: آصرة الغاية – الوسيلة، وعلى حد تعبير ول ديورانت(1) ((ان ((حقوق)) الفرد في المجتمع الفطري أقل منها في حالة المدنية، فاينما وجهت النظر وجدت الانسان يولد مكبلاً بالاغلال: أغلال الوراثة والبيئة والتقاليد والقانون؛ والفرد في الجماعة البدائية يتحرك في شبكة من القوانين التي تبلغ صرامتها وتفضيلاتها حداً يجاوز المعقول فألف تحريم يحدد سلوكه بغير قانون لكنهم في حقيقة أمرهم كانت التقاليد تتحكم في كل مظهر من مظاهر حياتهم؛ كذلك أهل البنغال تسيرهم التقاليد التي لا قبل لهم بتغييرها أو معارضتها فتحدد لهم طريقة الجلوس والقيام والوقوف والمشي والاكل والشرب والنوم فالفرد اوشك الا يكون في عرفهم كائنا مستقلاً بذاته في البيئة الفطرية، ولم يكن يتمتع بالوجود الحق الا الاسرة أو القبيلة والعشيرة والمجتمع القروي)).ـ

(1) قصة الحضارة جـ1، المجلد الأول، ص53.

ومن خلال نظرة بسيطة للمجتمعات من ناحية العلاقة بين التفعيل العقلاني وقوة القالبية المطلقة نستطيع ان نستنتج بان التفعيل العقلاني (ديناميكية الوعي) لأي مجتمع يتناسب عكسياً مع قوة القالبية المطلقة (ستاتيكية الوعي) السائدة فيه، حيث يمكن تقسيم المجتمعات استناداً إلى درجة العقلانية السائدة فيه إلى عقلانية ساكنة (ستاتيكية) وهي وعي المجتمعات الموجودة خارج نطاق التطور الحضاري (فراغ تاريخي، استمرارية السكون التاريخي) مثل الاسكيمو والهنود الحمر في الوقت الحاضر وعقلانية حركية (ديناميكية) وعبقرية انسان هي القوة الخلاقة التي تتخطى مدى القالبية المطلقة للمجتمع وتدخله في نطاق ثورة حضارية، وهنا يرد للذهن سؤال هو: ان القالبية المطلقة تمثل العقلانية في جذورها التكوينية فكيف تكون العلاقة بينهما عكسية ؟ الجواب هو ان العقلانية مفهوم تركيبي للقصدية والزمن المضاف (الفاعل) فالقصدية (وليس العقلانية بالمعنى الدقيق) تناظر القالبية المطلقة فاستمرارية التناظر يعني تجميد الزمن المضاف (زمن ميت، عدم) أي السكون التاريخي، فعلى سبيل المثال المجتمع القريشي قبل ثورة الاسلام العظمى بقيادة النبي محمد <9> كان مقيداً بالعرف القبلي في جانب تنظيم العلاقات الاجتماعية الذي قتل الدولة حيث ان الفرد فيها يتعين عليه الالتزام بالمركز الاجتماعي الذي ولد فيه، وهذا العرف كان قيداً قوياً ولد حالة الوعي الجمعي المتكرر جيل بعد جيل والقالبية المطلقة في الدين والمتمثلة بالتحجر الميتافيزيقي الذي قتل الفلسفة، وبالرغم من النجاحات التاريخية العظيمة لتلك الثورة (بالنسبة للمجتمع العربي ذاته) والتي أعظمها استكمالها الشروط التكوينية المنظورة للكيان العربي، هذا الكيان قبل الثورة المحمدية كان موجوداً وجوداً غير منظور (مجرد من الرؤيا الايديولوجية أي كان عاطفة) وغير المنظور لا يشترط ان يكون لا وجود له ولكن الذي لا وجود له يشترط ان يكون غير منظور.

وبالرغم من هذا خلدت الثورة إلى السكون من جديد.

وبتقدم وعي ومعرفة الانسان وتكوين المفاهيم انتقل من مرحلة التفكير البدائي التفاضلي (التكيف التفاضلي والوعي التفاضلي) إلى التفكير الغائي الذي يمثل حصيلة تفاعل الانسان مع الطبيعة والمجتمع تفاعلاً غائياً وهذه هي المذهبية(1) التي تعني الجهاد لتموضع ذات (ذات فردية أو ذات اجتماعية أو كليهما) باطار التحقيق الموضوعي للايديولوجية باعتبارها (أي الايديولوجية) وجود موضوعاني تمثل مرحلة تمهيدية للمذهبية (مرحلة انتقالية)، وهذه الموضوعانية غير موجودة الان في الواقع ولكنه مطلب معطى في الذهن كوعي بعدي والذي يمثل ابداع الذات التي تسعى وتجاهد للتحقيق الموضوعي لموضوعانيتها.ـ

(1) في غلاف الكتاب تم تلوين (منطقة) المقياس الغريزي على مستوى الفرد والمجتمع باللون الأصفر باعتباره دوافع غريزية تلعب دورها في الدافعية، وتم تلوين المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي) باللون القهوائي لون التراب باعتباره امتدادات من خارج الذهن إلى داخله، وتم تلوين المقياس الذهني المركب (الوعي القصدي) باللون الأخضر، لون النبات باعتباره (نبتة) جديدة في ذهن الانسان تم تركيبها من المقاييس الذهنية البسيطة وتم تلوين المقياس الذهني المذهبي باللون الأحمر مع البرتقالي باعتبار اللون الأحمر لون كريات الدم الحمراء ويمثل الصراع الموضوعي للقصديات من أجل تموضع الذات التاريخية، واللون البرتقالي (بشكل نجوم بأحجام مختلفة) لون مصل الدم فكما ان مصل الدم يحتوي على الاجسام المضادة للدفاع عن الجسم فالانسانية كذلك لها نفوس عظيمة للدفاع عنها كالانبياء والابطال التاريخيين.

ان المحل الهندسي للحضارة يكمن في الفرد والمجتمع، في الفرد والذي يمثله المبدع أو البطل التاريخي بموضوعانيته كوعي بعدي والذي يقوم بعملية التغيير و التجريد الذهني المستقبلي لما هو موجود، وفي المجتمع في وعيه التطابقي باعتباره محل اختبار وعلة استمرار تموضع الذات البعدية الوعي كتحقيق تاريخي وبدونها لا يكون هذا التجريد حضارة وانما مجتمعات طوباوية موجودة في الاذهان التي ابتدعتها واختلقتها ((وقصارى الكلام، ان تكيف أفراد على وضع جديد قد يؤثر في تفكير الافراد الآخرين وشعورهم وسلوكهم، وقد يؤدي بالتالي إلى تعديل نسق حياة الجماعة باسرها . . . ان تحليل التغيرات الثقافية يسير على النهج التالي: يبدأ بتجريدات وصفية للاشكال الثقافية المستقرة وينطلق منها ليمر بسلسلة من العمليات المرتبطة بالظروف التي دفعت الافراد إلى تعديل طرق تكيفهم، ثم يعود إلى آثار التكيف المعدل وانعكاساته على الاوضاع فيصفها على اعتبار انها اشكال ثقافية جديدة أو معدلة وهكذا يمكن القول بان مشكلة التغير الثقافي تتصل بالاوضاع والعمليات التي تؤدي إلى تعديلات تكيفية في السلوك الفردي من النوع الذي يكتسب دلالة اجتماعية خاصة))(1) فالمجتمع هو كائن معقد له تكوينه النفسي الخاص أي وعيه الموضوعي، والفرد هو موجود اجتماعي نتيجة لارتباطهما الجدلي، لذلك تبقى دائماً وأبداً القوانين التي تحكمهما معاً نسبية (هذا هو مبدأ جدل التاريخ) أي نسبة درجة الوعي الذاتي للفرد المتغير نسبيا لوعي المجتمع الثابت نسبياً والجسر الذي يربط المقاييس الذاتية بالموضوعية هو النضال وفقاً للمحركات البعدية للعقل الجدلي وليس منطق التاريخ المجرد من الزمان والمكان، لذلك لا يمكن أبداً ان تتطابق درجة الوعي الذاتي مع التنظيم الاجتماعي في المجتمعات التاريخية تطابقاً كلياً بل هناك درجات من الوعي الذاتي بالنسبة لوعي المجتمع وهذا هو الذي يعلل لنا سبب التنوع والاختلاف بين الافراد ولكن يوجد في كل حقبة تاريخية معينة اتجاه عام سائد يمثل محصلة الوعي الاجتماعي الذي يتجه الوعي الذاتي باتجاهه(2)ـ

(1) لنتون: الانثروبولوجيا وأزمة العالم الحديث ص309.

(2) تكوين الاتجاهات هي من المواضيع المهمة التي يدرسها علم النفس الاجتماعي وهي ((عبارة عن استجابات تقويمية متعلمة أزاء موضوعات أو احداث أو غير ذلك من المثيرات)) و((للاتجاه مكونات مختلفة تتحد فيما
بينها لتكون الاستجابة النهائية الشاملة التي قد يتخذها الفرد أزاء مثير معين وهذه المكونات هي:

المكـون العاطفي: ويتمثل هذا الجانب في الشعور أو الاستجابة الانفعالية التي يتخذها الفرد أزاء مثير معين وهذه الاستجابات العاطفية قد تكون ايجابية وقد تكون سلبية.

المكون المعرفي: وهو يشير إلى المعتقدات التي يعتنقها الفرد حول موضوع معين، وتتضمن هذه المعتقدات – أساساً – بعض الاحكام المتعلقة بالمثير.

المكون النزوعي: ويمثل هذا الجانب اساليب الفرد السلوكية أزاء المثير سواء كانت ايجابية أو سلبية وبعبارة أخرى يتضمن نزعات الفرد السلوكية تجاه المثير، ص325 مقدمة في علم النفس سلسلة ملخصات شوم أرنوف، وبيتج)).

(وهنا يكمن دور الثورة الثقافية)، وبتعبير أدق وجود مذهب مركزي من بين مجموعة المذاهب الثانوية باعتباره المسار الجدلي الذي تسير فيه الحقيقة التاريخية للمجتمع لأنه لا توجد أنا مجردة فاعلة اجتماعيا وانما الانا الفاعلة هي الأنا الجدلية، الأنا المتكونة وفق مبدأ جدل التاريخ، أما الأنا المجردة، هي الأنا الحبسية، الأنا الفاقدة لحريتها من خلال اغترابها عن مجالها الجذبي، فالاغتراب(1) يعني خروج الذات عن جدليتها المعبر عنها بالمجال الجذبي للواقع، وهو يمثل مجموعة المسارات الأخرى: مسار السلفية أو الاغتراب الداخلي النسبي والمتمثل بالمسار الدوغمائي الذي هو آصرة الغاية – الوسيلة، ومسار الاغتراب الداخلي المطلق المتمثل بالمسار الميتاريليتي (ما وراء الواقع) الذي هو آصرة الغاية – الغاية والتي تعني تبني لفكر من خارج المجال الجذبي للواقع تاريخاً وحاضراً، ومسار البهائم، المتمثل بالآصرة الوثنية، آصرة الوسيلة – الوسيلة.

كل وعي يخرج عن المجال الجذبي للواقع والذي لا يعبر عن مساره الجدلي فهو اغتراب ميتافيزيقي تمييزاً له عن (الاغتراب) الجدلي، الذي هو التكوين الموضوعاني للموضوع كمطلب بعدي باعتباره مفارقة جدلية للواقع للجهاد من أجل تموضع ذات بعدية الوعي، وهو اغتراب تطوري، بمعنى انه تفكير ديناميكي، لأن التفكير بصورة عامة هو أسلوب استخدام الامكانيات (الوسائل) لتحقيق غاية، ليس كل تفكير يعطي قيمة موضوعية، التفكير الديناميكي المرتبط بالمسار الجدلي هو وحده الذي يمكن ان يعطي تلك القيمة لكونه تفكير مرتبط بوعي بعدي جدلي لكونه الوعي الوحيد الذي يكمن فيه المحرك الكامن والمتمثل بالتكوين المستقبلي لما هو موجود والذي نتاجه تموضع ذات اما اشكال التفكير غير الجدلي فهو تفكير استاتيكي لانه استمرارية وعي سواء أكان سلفياً أو تطابقياً، فهو تفكير اجتراري، تجتر فيه الذات ما هو موجود من غايات متموضعة سلفاً من بين مجاميع الغايات المتحققة، باختصار شديد، تموضع ذات هو تموضع وسيلة (تفكير ديناميكي) واستمرارية الوعي هو اتخاذ مسار وسيلة متموضعة (تفكير ستاتيكي، وعي تطابقي) فالمسار الجدلي هو المسار الوحيد الذي يخلق وسيلة أما المسارات الأخرى فهي اتخاذ وسيلة متحققة، وأصالة التفكير تكمن في تعبيره الديناميكي عن مجاله الجذبي والمتمثل في استمرارية خلق الغايات المعبرة عن الواقع كمعطيات يتمثلها الذهن بشكل موضوعاني.

وبهذا يعبر المجتمع (أي مجتمع) عن تطوره الحضاري بمدى تحقيق الاستجابة التماثلية مع ما هو متجسد فعلاً تجسيداً جدلياً والمتمثل بتموضع الذات البعدية الوعي للبطل التاريخي.ـ

(1) بالتأكيد باستثناء الاغتراب الجدلي الذي هو الاغتراب (الشرعي) الوحيد.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2011, 03:16 PM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

-4-

الوعي والشعور

الوعي: ـ

هو درجة إدراك حلقة الذات المحصلة (المقاييس الذاتية) المتغيرة نسبياً لأي مرحلة من مراحل حلقة الموضوع الكبرى (المقاييس الموضوعية) الثابتة نسبياً، فالوعي أما ان يكون قبلي أو بعدي أو تماثلي (تطابقي)، فالوعي القبلي يعني درجة إدراك حلقة الذات المحصلة متخلفة عن مرحلة حلقة الموضوع الكبرى (تخلف، رجعية، سلفية) والوعي البعدي يعني درجة إدراك حلقة الذات المحصلة (الكبرى) متقدمة على مرحلة حلقة الموضوع الكبرى (البصيرة، التقدمية، المذهبية) والوعي التماثلي يعني تطابق درجة إدراك حلقة الذات المحصلة مع مرحلة حلقة الموضوع الكبرى (تطور)، وان هذا التطابق لا يعني ان الفرد في تمثله لوعي المجتمع ان يكون تمثله كلي، بمعنى ان تمثله لا يشمل كل جوانب الحياة العقلية لمجتمعه وانما يكون مع خصائص فردية في وعي المجتمع تكون على صلة مع وعيه البعدي باعتبار هذه الخصائص امكانيات من جهة ولمنع استرخاء العلاقات الفعلية في التعامل الروتيني مع الواقع كهدنة توتر(1) من جهة أخرى، فهو تفاعل مزدوج مع الواقع يمثل الوعي التطابقي فيه التكيف مع ما هو موجود ويمثل

(1) أنظر ص153، مفصل مخطط المثلث المزدوج للدافعية.

الوعي البعدي فيه شد الذهن نحو المستقبل باعتباره ما هو مطلوب. وتكون درجة الحلقة كبرى أو محصلة فقط في حلقة الذات حيث هي محصلة (عند أي ذات متعينة داخل المجتمع المعين) عندما تمثل أي مرحلة من مراحل حلقة الموضوع الكبرى، وتكون كبرى عندما تمثل آخر أرقى تكوين خاص غير متموضع ومتجاوز لآخر أرقى تكوين عام أي اغتراب جدلي كامن، أما حلقة الموضوع فدائماً تكون كبرى في داخل المجتمع الواحد (باطار المجال الجذبي للواقع) الا في حالة المقارنة بين المجتمعات حيث تكون حلقة الموضوع الكبرى داخل المجتمع الواحد كحلقة ذات اجتماعية كبرى في آخر أرقى تكوين عام لها وتقارن مع المجتمعات الأخرى كحلقة ذات محصلة كما هو الحال داخل المجتمع الواحد.

ولغرض توضيح الوعي بدرجاته المختلفة يمكن تشبيهه بلعبة الشطرنج، حيث تمثل العلاقات على الرقعة بالنسبة لكل لاعب الوعي التماثلي كتكيف للتحديات التي يمثلها اللاعب الآخر (الموضوع) وكل نظام علاقة لاحق يمثل نفياً ديالكتيكياً للسابق بمعنى انه يحتويه ضمنياً والعلاقة الجدلية واضحة حيث لولا نظام العلاقات القبلية والتي يمثلها مجموع الخطوات السابقة وهي سلسلة الامكانيات التي تعتمد على العلاقة بين التحديات والخبرة لما تكوّن نظام العلاقات التماثلي الموجود على الرقعة والمتجاوز لما قبله والسبب في تكوين العلاقة الموجودة في ذهن اللاعب كوعي بعدي (غير موجودة الآن على الرقعة) والتي تختلف باختلاف الخبرة الذاتية لكل منهم، (انظر شكل رقم -1- المخطط العام للدرجات المختلفة للوعي في المجتمع



ان الوعي اما تغايري أو تماثلي والتغاير اما تغاير سلبي أو تغاير ايجابي ونفس الشيء يكون الوعي بين المجتمعات اما تغايري أو تماثلي بالنسبة لحلقة الموضوع الكبرى أي ان مجتمعاً ما يكون قبلي لمجتمع وبعدي لمجتمع آخر، ان الوعي البعدي أو المقياس المذهبي (الذات المتضمنة على أحكام عقلية ضمنية) صورة بعدية للموضوع،فان لم تكن هكذا فهي أما صورة آنية (تعكس مباشرة الموضوع) أو صورة قبلية (تعكس الماضي) فان كانت صورة آنية فالذات هنا من درجة وعي تماثلي أي ذات قابلة للتطور (أو التغيير) بتطور (أو تغيير) الموضوع وان كانت صورة قبلية فالذات هنا من درجة وعي قبلي فهي غير قابلة للتغير أو التطور بتغير
(أو تطور) الموضوع بل بتغيير الصورة الذهنية أي بتغير وعي الذات، ولكن استمرارية التجارب البشرية في مختبر الحياة تؤكد الصيرورة المذهبية للموضوع وهذا يحتم بان المقياس الذهني صورة بعدية للموضوع ولا يمكن للذات ان تكون بعدية الوعي ما لم تكتمل عندها جميع الحلقات القبلية أي الغاية هي التي تتحكم بالوسيلة عند الذات المذهبية ولهذا السبب يمكن إدراك ان المقولة الاساسية في الفلسفة الماركسية باعتبار ان الوعي الاجتماعي هو انعكاس للوجود الاجتماعي(1) ليست صحيحة بالضرورة في المجتمعات التاريخية بل في حقب ما قبل استيقاظ الوعي التاريخي حيث

(1) ((لقد طرد ماركس وانجلر المثالية من علم الاجتماع، وحلا بشكل صائب القضية الاساسية في الفلسفة مطبقة على المجتمع، وصاغا الموضوعة الرئيسية للمادية التاريخية: الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي، ما هو الوجود وما هو الوعي الاجتماعي؟ نعني بالوجود الاجتماعي الحياة المادية للمجتمع وقبل كل شيء نشاط الناس الانتاجي والعلاقات الاقتصادية التي تنشأ بين الناس في عملية الانتاج، اما الوعي الاجتماعي فهو حياة الناس الفكرية، الافكار والنظريات والآراء التي يسترشدون بها في نشاطهم العملي، ان ماركس وانجلس اذ أكدا أولوية الوجود الاجتماعي وثانوية الوعي الاجتماعي انطلقا من ان الناس قبل ان يهتموا بالعلم والفن والفلسفة وغيرها ينبغي عليهم ان يأكلوا ويشربوا وان يؤمنوا سكنهم ولباسهم، ولتحقيق هذا لا بد لهم ان يعملوا وان ينتجوا الخيرات المادية، وتبعاً لهذا فان ((انتاج وسائل العيش المادية المباشرة وكل درجة معينة من التطور الاقتصادي للشعب أو العصر تشكل الاساس الذي تتطور فوقه المؤسسات الحكومية، والآراء الحقوقية والفن وحتى التصورات الدينية للناس المعنيين، لهذا يجب الانطلاق من هذا الاساس عند تفسيرها – وليس بالعكس – كما كان يجري حتى الان)) ان الاشارة إلى ان العلاقات الاقتصادية الانتاجية باعتبارها العلاقات الرئيسية المقررة بين كثرة من العلاقات الاجتماعية سمح لماركس وانجلس ان يصوغا مفهوم التشكلية الاقتصادية الاجتماعية، المفهوم الاهم والاساسي للمادية التاريخية ان التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية هي مجموعة من الظواهر والعمليات الاجتماعية (اقتصادية وايديولوجية ومعيشية وعائلية وغيرها) تكمن في اساسها نوع من العلاقات الاقتصادية الانتاجية بين الناس، وان تطور المجتمع يمثل تبدلاً قانونياً لأحدى التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية بأخرى
أكثر تكاملاً، فمن التشكيلة المشاعة البدائية نحو تشكيلة الرق وبعد ذلك الاقطاعية والرأسمالية وأخيراً نحو
الشيوعية، تلك هي الحركة التقدمية للتاريخ البشري ص154 أسس الفلسفة الماركسية . ف. افاناسييف، ترجمة عبد الرزاق الصافي)).ـ

الانعكاس السلبي للموضوع (ينعدم وعي الفرد في وعي المجتمع أي لا يمكن ان يبرز ابطال في المجتمع) وكما يحدث في بدائية وعي كل فرد حيث الروح لم تتبلور بعد كوعي ولم تتشبع بالمعرفة لتكون عقلاً، اما في حقب استيقاظ الوعي التاريخي حيث الانعكاس الايجابي للموضوع (هنا يبرز عقل الفرد في تفاعله مع عقل المجتمع أي بروز ابطال في المجتمع وعندها يكون المجتمع بمستوى الحضارة) يحدث العكس تماماً أي الفكر أو الوعي بعدي للواقع أو الوجود بتعبير آخر ان الذات المذهبية (عبقرية انسان، المقياس المذهبي، الوعي البعدي) نفي ديالكتيكي للموضوع وهذا يحدث بصورة حتمية اجتماعياً، فالحتمية في التاريخ ليس في الوسيلة أو الاسلوب وانما في الغاية كمطلب بعدي عندها تستكمل الوسيلة أو (الاسلوب) شروطها الموضوعية، فهي (أي الحتمية التاريخية) ليست نتاج تنضيج آلي للعوامل القبلية والتطابقية المنفعلة في الحدث التاريخي وانما نتاج التحريك البعدي الفاعل لها بواسطة البطل التاريخي، فالوعي البعدي في جهاده التموضعي هو ((كرافيتون))(1) المجال الجذبي للواقع وهذا الجهاد التموضعي يتم بالنضال وليس بمنطق التاريخ المجرد من الزمان والمكان وهذه الحتمية في الغاية هي نتاج تاريخي لكائن غير منظور استكمل شروطه التكوينية المنظورة، باختصار شديد، الحتمية في التاريخ هي الصورة البعدية للارادة (وعي الوعي الجدلي) (هناك ارادة سلبية لا تدخل في نطاق هذا الوعي لانها تمثل وعي الوعي الميتافيزيقي وهي تحاول ارجاع أو نقل وعي كما هو كائن وكأن العقل انغلق على نفسه إلى الأبد). هنا تكمن الحرية(2) التي هي ليست مجرد الوعي بالضرورة كما تدعي الماركسية (هنا علاقة الحرية بالمعرفة وليس الوعي) وليست مجرد توكيد للاستقلال في الاختيار، الحرية هي التحرر الجدلي من قيود الواقع المصاغ وذلك بمفارقة هذا الواقع ديالكتيكياً عن طريق تكوين الصورة العدية للوعي لأن استمرارية سكونية الواقع المصاغ يعني سجن أبدي للذات داخل التاريخ، وهو نفس السجن المتمثل بالآلة التي تضع الماركسية الانسان فيه، فالماركسية بتعبير العقل الجدلي

(1) تتم عملية التبادل في حالة قوة الجاذبية عن طريق جسيم يتصور وجوده أطلق عليه اسم (كرافيتون Graviton). راجع اسرار الذرة، أميد شمشك، ترجمة اورفان محمد علي، ص49.

(2) أنظر موضوع الحرية والدولة في اطار تكوين العقل الجدلي ص232.
تجعل (الوعي) البعدي دائماً وأبداً وعي موضوعي يكمن في الآلة وتطورها، فهي متغير مستقل ووعي الانسان دائماً وأبداً وعي تطابقي كمتغير تابع يتكيف في تطوره بتطور وسائل الانتاج (وسائل الانتاج = وسائل العمل+ مواضيع العمل) والعلاقات الاقتصادية الناشئة عنها، والوعي القبلي دائماً وأبداً لا رجعة فيه والمتمثل بالتكوينات الاقتصادية السابقة للاشتراكية والتي يمثلها نظام المشاعية البدائية ونظام الرق، والنظام الاقطاعي والنظام الرأسمالي ((فانه من الضروري اعتبار تاريخ المجتمع أيضاً تاريخاً لتطور أساليب الانتاج [ أسلوب الانتاج = القوى المنتجة + علاقات الانتاج التي تطابقها ] وتعاقبها الحتمي. وعند دراسة مراحل معينة في تطور المجتمع، من الضروري دراسة قوانين وسنن أسلوب الانتاج المطابق لها))(1) لذا فان الوعي – عند الماركسية – أو ((الطبيعة النفسية للانسان هي (مجموع علاقاته الاجتماعية – مقولة ماركس – التي جرى نقلها إلى داخله والتي تكونت فيه واصبحت وظائف أو دالات شخصيته واشكال بناءها أو تركيبها (Vygotsky)(2).

ملاحظات عن الذهن داخل وخارج المقياس :

ان في ذهن الانسان تخيل لا عقلاني وصور ثانوية يمكن تمييزهما عن المقياس الذهني بتجردهما من الدافعية(3) كرغبة هادفة ديالكتيكياً، أما تمييزهما عن بعضهما هو ان الذهن بالنسبة للصور الثانوية يكون كمفترق طرق بلا فعالية لأي منهم (أي الذهن والصور الثانوية) أما التخيل اللاعقلاني فيجب ابتداءً ان نميزه عن التخيل العقلاني فهذا الاخير هو تخليق انفعالي للصور الخام للمقياس الذهني، أي تجسيم مسبق للواقع المطلوب (تخيل مرتبط بالوعي البعدي الذي هو رغبة هادفة) أما التخيل اللاعقلاني فهو مجرد من التصور البعدي للمقياس الذهني أي تخيل غير مرتبط باي تصور مسبق أو مخطط هادف وانما مرتبط برغبة غير واقعية، وللتوضيح بصورة أكثر دقة، ان المقياس الذهني في تكوينه البعدي هو تصور ذهني جدلي مخطط له وليس تمثل ذهني تطابقي، بمعنى انه امكانيات كامنة تطلب واقع موضوعي جديد، فهو في جوهره تمثل ذهني موضوعاني للواقع(4) أما التمثل الذهني التطابقي فهو صورة الشيء الموضوعي في الذهن مجردة من كل ألوان فعالية المفارقة الديالكتيكية للواقع، أي هو تمثل ذهني موضوعي للواقع، اما التخيل فهو في جانبه العقلاني تجسيم ذهني مسبق للموضوعانية، وفي لا عقلانيته فهو تصور مجرد من أي موضوعانية.ـ

(1) عرض اقتصادي تاريخي، تشكيلات ما قبل الرأسمالية جـ1 ص19، لعدة مؤلفين.

(2) صالح: الانسان من هو، ص257.

(3) أنظر موضوع الدافعية ص151.

(4) الموضوعانية ببساطة هي التكوين الجدلي المستقبلي للواقع الموضوعي.

لكل ذات ميزان عقلي ذو كفتين، كفة ذاتية تمثلها حلقة الذات المحصلة، وكفة موضوعية تمثلها حلقة الموضوع الكبرى، فعندما يكون هناك توازن بين الكفتين فالوعي هنا وعي تماثلي، وعندما يكون هناك أرجحية كل ما هو موجود موضوعياً (هذه الارجحية لا تعني هنا تمثل الفرد الايجابي لوعي المجتمع بل تمثل سلبي حيث يكون ذهن الفرد كمفترق طرق يمر من خلاله الوعي بلا فعالية) فالوعي هنا وعي (قبلي) وعند ارجحية الكفة الذاتية فالوعي هنا وعي بعدي.

تعبر الدافعية(1) (التي تناظر الكتلة التثاقلية بالمعنى الفيزياوي التي هي تعبير وزني عن تواجد قوة جذب الارض على الاجسام الدنيوية) عن مدى عقلانية ومصداقية الميزان العقلي حيث كلما ابتعدنا عن الواقع كلما انعدم جزء من الميزان العقلي (قلة الوزن بالتعبير الفيزياوي)حتى ينعدم الميزان العقلي كليا عندما لا يعبر عن أي جزء من المجال الجذبي الذي يفرضه الواقع، كما ينعدم وزن الجسم عندما (يُبْعَد) عن تأثير المجال الجذبي الذي تفرضه الارض على الاجسام الدنيوية.ـ

(1) أنظر موضوع الدافعية ص151.

لكل ذات مقاييسها الذهنية التي تفسر الاحداث وفقاً لتمركز المعنى في الذهن لقد جاءت ((في احدى القصص الاسكندنافية المشهورة القصة الطريفة التالية: وردت في احدى قصص الفايكنك الشجعان الاسكندنافيين قصة مفادها ان محاورة جرت بين احد رجال الدين وبين احد ابطالهم الذي فقد احدى عينيه في بعض المعارك، وكانت اشارات اليد هي ((لغة التفاهم)) بينهما، وعندما رفع رجل الدين احد اصابعه اثناء الجدال اجابه مناظره برفع اصبعين، وعندما رفع الأول ثلاثة أصابع رد عليه الثاني بقبضة يده ولما التقط الأول قطعة فاكهة وأكلها ولفظ نواتها تناول الثاني قطعة نبات مر المذاق وازدردها بنواتها، ثم افترقا بعد ان اعترف الأول باندحاره وأطرى على حكمة خصمه، وبين ان الاصبع التي رفعها للتدليل على وحدانية الخالق قد تحداها خصمه بفطنة عندما رفع اصبعين مشيراً إلى الأب والابن، ثم قال : وعندما أردت الايقاع به برفعي ثلاثة أصابع للتدليل على الأب والابن وروح القدس أجهز عليَّ بدراية فرفع قبضة يده مشيراً إلى ((وحدانية)) الله المتمثلة في تلاحم الأب والابن وروح القدس، واستطرد رجل الدين في تبيان المرحلة الثانية من اندحاره فذكر انه عندما تناول قطعة الفاكهة فانه أراد ان يعبر بذلك عن حلاوة الحياة لكنه اسقط في يده عندما ابتلع زميله قطعة النبات المر المذاق مشيراً بذلك ان مذاق الحياة غير المستساغ يحببها أكثر إلى الناس، هذا هو الجانب الأول من هذه القصة الطريفة،اما جانبها الثاني فهو ان الفايكنك عندما نقل إليه فحوى ما ذكره زميله أجاب باستغراب: ـ

بانه رفع اصبعين ليدلل على ان عينه الواحدة (التي اشار اليها زميله باصبع واحدة معرضاً به) تعادل عينيه، وان قبضة اليد تشير إلى التحدي على وقاحة الخصم عندما رفع أصابعه الثلاثة مشيراً بذلك إلى انهما معاً يمتلكان ثلاث اعين، اما ازدراده قطعة النبات المر المذاق مع نواتها فاشارة إلى ان بإمكاني التهام جسمه وادق منه حتى العظام عندمااهانني باشارته إلى انه يستطيع أكلي كالفاكهة ولفظ عظامي كلفظ نواتها))(1).ـ

حتى ان مفهوم الإله منطقياً يتوقف على المعنى المتمركز في الذهن كمقياس ذهني محصلة فهو قضية ذهنية ليس لها مصداق في الخارج عند الملحد وقضية جرئية عند الموحد، وقضية كلية عن المشرك.

ان هذا التمركز الذاتي للفهم لا يعني انه مجرد من الأقيسة العامة الموضوعية وخاصة في جانب المعرفة من العقل، فدالتون العالم المصاب بمرض عمى الألوان الجزئي الذي كان يخلط بين اللونين الأحمر والأخضر الذي هو نتيجة لاضطراب فسلجي في المخاريط يقر ببساطة وضمن اطار هذا الفهم المتمثل بالأقيسة العامة الموضوعية بالوجود الموضوعي لهذين اللونين فبالرغم من عدم ادراكه لهما حسياً فانه ادركهما بخزينه العقلي(2).ـ

(1) جعفر: اللغة والفكر ص51-52.

(2) أنظر ص 189الخزين العقلي للانسان.

الشعور :

الشعور باعتباره الحالة الوجدانية المرافقة لتكوين العقل الجدلي يكون عبارة عن الطاقة المتحررة نتيجة التفاعل ما بين الذات والموضوع، وهو التفاعل المتمثل بالوعي الذي هو درجة إدراك حلقة الذات المحصلة لحلقة الموضوع الكبرى، وهذا الواقع اما ان يكون وجوده في الذهن وجوداً موضوعياً أو موضوعانياً، في الوجود الموضوعي للواقع يكون الشعور دائماً نزوع منفعل باعتباره تفاعل حسي مع موضوع محسوس، هذا النزوع هو الاحساس باعتباره (أي النزوع المنفعل كشعور) يتضمن تفاعل المعنى الكامن المؤثر في الذات التي تشعر مع الموضوع الذي تتحسسه وهو الشعور المرافق للوعي القبلي والتماثلي، ويسبقه شعور الفعل الانعكاسي باعتباره نزوع آلي وهو الشعور الذي يمثل تفاعل التكوين البايولوجي المغلق، اما في حالة الوجود الموضوعاني للقصدية فالشعور دائماً يكون فاعل باعتباره تفاعل ادراكي مع موضوع مطلوب وهو شعور الوعي البعدي باعتباره وعي تأملي وهو الفارق الذي يفصل الشعور الفاعل عن الشعور المنفعل باعتباره (أي النزوع الفاعل) يتضمن تفاعل المعنى المحرك الكامن للذات(1) التي تشعر بالموضوعانية التي تخلق ـ

(1) ((على الرغم من ان جميع الاطفال يظهرون نماذج نظرية من الاستجابات مثل الهديل والابتسام إلى الموضوعات والاحداث المنتجة للسرور، الا انه يبدو ان كل المجتمعات تعلم (تضع) بعض أشكال القيود على التعبير الانفعالي. وقد يختلف ذلك بصورة واضحة من ثقافة إلى أخرى – وعموماً فان المجتمعات – تتبع نمطاً معيناً مؤداه: انه كلما ازداد العمر الزمني للشخص انخفضت نسبة الاستجابة الجسمية لديه في التعبير الانفعالي وازداد معدل الاستجابة اللفظية، وبالتالي تزداد عملية الضبط والتعقيد والتمييز لديه. ص141. مقدمة في علم النفس. سلسلة ملخصات شوم. أرنوف. وبيتج)).ـ

ويمكن توضيح أقسام الشعور المرافق للوعي في تكوين العقل الجدلي كما يلي :ـ

شعور غريزي (نزوع آلي): وهو الشعور الناتج من الطاقة المتحررة للوعي الغريزي.

شعور عاطفي (نزوع منفعل): وهو الشعور الناتج عن الطاقة المتحررة للوعي القبلي والتماثلي، وهو تفاعل حسي.

شعور جدلي (مذهبي، نزوع فاعل):وهو الشعور الناتج من الطاقة المتحررة للوعي البعدي وهو الشعور المنطوي على أحكام عقلية ضمنية وهو تفاعل إدراكي.ـ

وكما ان للذات فترة مراهقة على مستوى فسلجة الجسم (نضوج غددها التناسلية) فلها ايضا فترة مراهقة على مستوى الفكر وهي استمرارية الشعور العاطفي في الشعور الجدلي (المذهبي).ـ

يجب تمييز شعور الطمأنينة الحركي (الديناميكي) المرافق لنضال المقياس الذهني والمتجاوز ايجابياً لهدنة التوتر(1) باعتبار هذا النضال تأمل لتحقيق موضوعي للموضوعانية عن شعور الطمأنينة الساكن (الاستاتيكي) باعتباره التحقيق الموضوعي لهذه الموضوعانية حيث هنا يكمن التجسيم الواقعي للسعادة وهي الفترة المحصورة ما بين تحقيق مقياس ذهني وبدئ تكوين مقياس ذهني جديد، وهي فترة الصمت ما بين تحقيق تأمل وبدئ تكوين تأمل جديد، هي فترة سكون شرعية (استمرارها يعني تجميد الوعي المستقبلي) لتطابق الواقع مع الصورة الذهنية (لا تطابق الصورة الذهنية مع الواقع) بلا مفارقة ديالكتيكية، هذا الحصر الفعلي للسعادة هو سبب الشعور الداخلي الخفي الذي يهتف بصمت داخل كل انسان ان الملهاة (الكوميديا) هي المأساة (التراجيديا) في ذروتها، لأنها (أي الكوميديا) ليست وجود في ذاته بل نتاج استنفاذ الطاقة الكامنة للتراجيديا فبقيت الفارس في دراما حياة الانسان، ويجب ان لا يفهم (وهذا سوء الفهم يبرز من التوليف الشكلي) ان السعادة هي سلب للحرية باعتبار الحرية هي المفارقة الديالكتيكية للواقع في حين ان السعادة التطابق مع الواقع بلا مفارقة ديالكتيكية، بل هي (أي السعادة) المرآة التي ترى فيها الحرية ثمرة نضالها، وترى ان للإرادة واقع (جسماني). فتعقيد الشعور الانساني في اطار تكوينه الجدلي يكمن في ان مشكلة الانسان هي انه ليس وجود بالقوة فحسب بل وجود بالقوة محاط بقوى، لذا يحقق وجوده العقلي بالنضال، النضال من أجل الحرية، حرية من اللاعقلانية الجسمانية الكامنة في تكوينه البايولوجي وحرية تخطي سكونية واقعه المصاغ المتمثل بالارث الاجتماعي (القالبية المطلقة) لا بالعدم الناجم عن شعوره بانه كائن مائت (مصيره الموت فعلام يكافح ويجهد) بل النضال من أجل الانسان في ماضيه وحاضره ومستقبله لأن الانسان هو الكائن الوحيد الذي عندما يولد لا يموت أبداً لأنه خالق ومخلوق تاريخي(2) ـ

(1) أنظر مخطط هدنة التوتر ص143.

(2) ان النظرة العلمية ترى ان علاقة الانسان وخصائصه في تغير وتفاعل دائم مع الوسط، وقد قضت هذه النظرة نهائياً على مفهوم الانسان المعتبر جوهراً مجرداً يتأمل العالم تأملاً سلبياً، وليس له علاقات ايجابية مع الوسط، وقضت نهائياً على مفهوم يعتبر الانسان مركزاً ثابتاً للطبيعة منفصلاً عن التاريخ ((ان الانسان ليس كائناً بيولوجياً فحسب تتحدد خصائصه تماماً ومباشرةً بطبيعته الفيزيائية. فليس صحيحاً ان الفكر ليس سوى وظيفة فيزولوجية من وظائف الدماغ، وان الاحساس هو مجرد وظيفة فيزيولوجية لأعضاء الحواس، ان الحساسية- وكذلك التعقل – لدى الانسان لا تنجم عن طبيعته البيولوجية فحسب بل عن مجموع العلاقات الاجتماعية التي ترتبط بها حياته. ان اعضاء الحواس لدى الانسان وكذلك أعضاء الحواس لدى الحيوانات، تعطي انعكاساً أعمق وأكمل . . . وليس مرد ذلك إلى النمو البايولوجي، بل إلى واقعة ان الحيوانات لا تدرك العالم المحيط الا في تسلسل بيولوجي من التآلف، في حين يدركه الانسان في تسلسل تاريخي واجتماعي من العمل فيه، ان التفوق الحسي للانسان الحالي ليس فقط نتاج التنمية البيولوجية، ولانتاج التنمية الفردية، بل انه قبل كل شيء نتاج التنمية الاجتماعية – التاريخية [ جارودي، نظرية المعرفة. ص351-353، هامش المؤلف ] ص190. بواكير الفلسفة، قبل طاليس أو من الميثولوجيا إلى الفلسفة عند اليونان. د. حسام محي الدين الآلوسي)).ـ












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2011, 03:18 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

القسم الثاني : اضطرابات العقل الجدلي وعقده
-1-

الكبت الشعوري

النمو النفسي عملية جدلية معقدة ومستمرة ومتغيرة وتتمثل بعدد لا متناهي من الحلقات يضيق بعضها ويتسع بعضها الآخر وتُكْتَسَبْ حلقات جديدة وتنتفى أخرى والنفي هنا ليس نفياً ميتافيزيقياً بل نفياً ديالكتيكياً، أما ان يكون تطورياً كتطور المقياس الذهني البسيط إلى مقياس ذهني مركب، أو حدياً حيث يحد من نشاط الحلقات الأخرى كحلقة اللغة التي لم تكن وسيلة مخاطبة أو أداة تفكير لاكتساب المعرفة فحسب بل حدية لحلقات المنبهات الحسية السريعة والمباشرة وقد ((فطن علماء النفس السوفيت [ سابقاً ] المعاصرون (وفي مقدمتهم فايكو تزكي وليونتيف ولوريا) إلى ان اللغة عامل مهم في تنظيم سلوك الانسان وتنسيق تصرفاته وتحريره من الخضوع (كالحيوانات) للمنبهات الآنية الحسية السريعة المباشرة، وثبت عندهم ان فقدان القدرة على النطق بالكلمات يؤدي إلى فقدان القدرة على التعميم ويحرف السلوك ويجعله مقصوراً على المنبهات الحسية المباشرة وحدها. كما ثبت عندهم ان الكلمة تؤدي أكثر من وظيفة جوهرية في حياة الانسان فبالاضافة إلى كونها أداة تعبر أو تشير إلى الظواهر البيئية التي تطابقها فانها تقوم ايضا بتجريد أو عزل الانطباعات الضرورية عن غيرها من جهة وبتعميم الاشارات التي تدركها الحواس ادراكاً حسيا وتربطها ببعضها في مجاميع معينة من جهة أخرى، معنى هذا ان الكلمة تنظم خبرة الانسان المباشرة، وهذا الذي يجعل دورها في نشوء العمليات العقلية العليا بالغ الأهمية(1))) ((وقد ثبت ان التخلف العقلي لدى بعض الاطفال غير المصابين بخلل باثولوجي مخي سببه تخلفهم اللغوي بالدرجة الأولى(2))) ((فالكلمة اذن قوة فسلجية واجتماعية هائلة في تغيير سلوك الشخص من الناحيتين السلبية والايجابية: أي من حيث انجاز الاعمال وتفادي القيام ببعض آخر))(3).

(1) جعفر: اللغة والفكر ص153.

(2) المصدر نفسه ص72.

(3) جعفر: طبيعة الانسان في ضوء فسلجة بافلوف ص458.

عملية النمو النفسي هي عملية تطور المقاييس الذهنية للذات، والمقياس الذهني هو اما ان يكون فكرة موضوعانية تبحث عن واقع موضوعي جديد باعتباره اسم في الذهن يبحث عن مسمى في الواقع، أو هو فكرة موضوعية تماثلية أو قبلية عن الواقع، فعملية النمو النفسي تتضمن ميكانيزيمات معقدة تمثل شتى التكوينات البعدية الموضوعانية والتكيفات التوافقية الموضوعية والتدفقات القبلية.

حلقة الكبت الشعوري هي الحلقة الخطيرة في عملية النمو النفسي لانها رحم العقد فان لم تجهض تلك الحلقة قبل ولادتها بواسطة مقياس ذهني جديد فسوف تولد العقدة، والكبت الشعوري هو المفهوم العام للعقد على مستوى الفرد (وكذلك المجتمع والتاريخ) نتيجة عدم تحقيق (وليس عدم امكانية تحقيق) المقياس الذهني موضوعياً (المقياس الذهني الذي هو الفكرة أو التصور أو العاطفة المشحونة بشحنة نزوعية قوية والمتضمنة على الوعي الذاتي) حيث الذات من خلال القنوات الحسية والاضافة الذاتية تكوِّن مقياساً ذهنياً يمتلك قوة شعورية (أي إمكانية تحقيق الفكرة موضوعياً) التي هي القوة الدافعة للسلوك النفسي، هذه القوة الشعورية تتناسب تناسباً طردياً مع الزمن، فالقوى التي تؤثر على هذه القوة الشعورية وتتغلب عليها سوف تكبتها، والكبت هنا ليس بمعنى تحويل القوة الشعورية إلى اللاشعور، أي ليس بطرد الأنا للرغبة المكبوتة من مستوى الشعور إلى مستوى اللاشعور (فيما بعد يأتي توضيح أسلوبَّي كبت الدافعية أو الرغبة الهادفة جدلياً)، فهو يحتفظ (أي الانا للرغبة الهادفة) بقوة شعورها الذهني (تناسب طردي مع الزمن) ولكنه يفقد امكانية التحقيق الموضوعي (تناسب عكسي مع الزمن) لذلك يستحصل الكبت الشعوري الذي هو قوة الاحتكاك للسلوك النفسي (الوعي) كبديل للقوة الشعورية للرغبة الهادفة التي هي القوة الدافعة للسلوك النفسي أي سوف تظهر ذات جديدة تتميز عن الذات السابقة بهذه الحلقة المضافة (الكبت الشعوري) فاذا لم تتمكن الذات الجديدة من تكوين مقياس ذهني جديد لاجهاض تلك الحلقة (حلقة الكبت الشعوري) سوف تولد العقدة، المقياس الذهني الجديد سوف يحد من تأثير حلقة الكبت الشعوري (المقياس الذهني الجديد يتناسب عكسياً مع الكبت الشعوري السابق) والحدية هذه (في حالة النجاح في تكوين مقياس ذهني جديد) هي عبارة عن نفي ديالكتيكي لحلقة الكبت الشعوري فتتحول إلى تجربة للذات ومحصلة حلقات التجارب تولد الخبرة وهذا هو قانون التأثير المتبادل ما بين الخبرة والممارسة والعقل والتاريخ (بمستوى توظيف الخبرة الذاتية للفرد والمجتمع) فكلما تكبر حلقة المقياس الذهني الجديد أي بمعنى انسجامها وتكيفها مع الواقع كلما ضاقت حلقة الكبت الشعوري، أي تتحول حلقة الكبت الشعوري مع الزمن إلى ذكرى (وأيضاً خبرة في المقياس الذهني) وهي مادة اللاوعي(1) المحدودة القوة بفعل حدية المقياس الذهني المحصلة والرغبات المكبوتة أما ان تكون مكبوتة كبتاً قمعياً أو مكبوتة كبتاً كبحياً. الكبت القمعي بصورة عامة هو إقالة الرغبة باعتباره اقصاء غير مرغوب للفكرة المرغوبة أو الموضوع المرغوب نتيجة المقصرية الموضوعية للمجتمع في توظيف امكانيات الذات (أي النزعة أو الرغبة أو الهدف الذاتي)، وفرويد زعيم مدرسة التحليل النفسي نفسه عانى من هذا الكبت القمعي حتى بالرغم من عدم اعلانه عن ذلك كعقدة، الا انه جعل من هذا الكبت عقدة مقيدة وذلك بتفريغ طاقتها في مقياس ذهني محصلة جديد كقوة حدية حيث ان فرويد كان مهتماً في البحث العلمي بعلوم الحياة وبسبب عدم كفاية راتبه في البحث العلمي لمعيشة زوجة وستة أطفال، أُجْبِرَ على ممارسة الطب وذلك ضد رغبته ففي سنة 1927 اعترف( بعد احدى واربعين سنة من الفعالية الطبية ان معرفتي تخبرني بانني لم أكن طبيباً حقاً بالمعنى المتعارف عليه ولقد أصبحت طبيباً خلال كوني اني قد أجبرت على الانحراف من الغرض الأصلي))(2) حيث كان ((من بين المهن القليلة المسموح بها لليهود في فينا وقع اختياره على الطب، ولم يكن ذلك لرغبة بممارسة الطب، لكن لانه اعتقد بان الدراسات الطبية يمكن ان تؤدي إلى مهنة في البحث العلمي والتي كانت هدفه في ذلك الوقت وعند حصوله على شهادته الطبية من جامعة فينا، أجرى بحوثاً فسلجية مركزة في مجالات الحبل الشوكي للسمكة وخصيتي ثعبان الماء أو الحنكليس مقدماً عطاءات محترمة لهذا الحقل))(3) ان هذا الكبت القمعي ما زال بمستوى الشعور عند فرويد حتى بعد ان اصبح عالماً نفسياً، ألم يكن هذا الكبت القمعي في جذره التكويني كعقدة مقيدة اضطراب نفسي؟ نعم انه اضطراب نفسي مسيطر عليه، حيث ان الوعي البعدي للمقياس الذهني المحصلة الفرويدي في ذلك المستوى من نموه العقلي هو البحث العلمي، فان فرويد تمكن من ان يجعل من هذا الكبت القمعي عقدة مقيدة بقوة الكابح العام كنتاج آلي للمقياس الذهني الجديد وذلك من خلال ممارسته البحث (العلمي) في النفس الانسانية، وبهذا الأسلوب تمكن فرويد من ازالة التأثير السلبي للكبت القمعي وتحقيق الاستقرار النفسي في مواصلة مقياسه الذهني المحصلة جهاده لتموضع ذاته وما يعزز هذا الاصرار ((معرفته من امه بنبوءة العجوز فيه حيث ان امه كانت فخورة به ((معتقدة بان نبوءة العجوز بانه سيصبح رجلاً عظيماً في العالم ستتحقق))))(4)، والكبت القمعي هذا في حالة عدم حديته بمقياس ذهني جديد سوف تنمو في احضانه العدوانية لأنه فشل ناتج عن مقصرية المجتمع في توظيف إمكانيات الذات. اما

(1) (أظهرت بعض التجارب التي قام بها بنفيلد Penfield على الدماغ، ان اثارة بعض المناطق الدماغية بتيار كهربائي قد أدى إلى تذكر الفرد لبعض التجارب والاحساسات المنسية والخارجة عن نطاق الوعي، وقد حملته هذه الملاحظات على الاعتقاد بوجود أساس مادي في الدماغ تخزن فيه التجربة العقلية سواء تذكرها الانسان ام لم يتذكرها ص55 النفس، د. علي كمال)

(2) هول: مبادئ علم النفس الفرويدي. ص17 تعريب دحام الكيال.

(3) شلتز: نظريات الشخصية ص26.

(4) المصدر نفسه ص25.
الكبت الكبحي فهو بصورة عامة استقالة الرغبة، وهو اما ان يكون كبت كبحي ايجابي أو كبت كبحي سلبي، والكبت الكبحي الايجابي يعني اقصاء مرغوب للفكرة أو الموضوع غير المرغوب من مستوى الشعور، والكبت الكبحي السلبي يعني اقصاء غير مرغوب للفكرة أو الموضوع المرغوب نتيجة مقصرية الذات في توظيف امكانياتها (هذه المقصرية الذاتية هو ما يميز هذا الكبت عن الكبت القمعي كنتيجة للمقصرية الموضوعية للمجتمع) الشعور بالذنب اما ان يكون نتاج الكبت الكبحي السلبي لأنه فشل ناتج عن المقصرية الذاتية في توظيف امكانياتها أو ان يكون نتيجة فشل الكبت الكبحي الايجابي من خلال فشل الذات في ضبط (كبح) اندفاعاتها في أية مرحلة من مراحل نموها تجاه فكرة أو موضوع أُغْرِيَتْ الذات للاندفاع نحوها، اما تأنيب الذات هو أيضاً نتاج فشل الكبت الكبحي الايجابي ولكن يفرق عن الشعور بالذنب بان الذات هي التي أغرت (الفكرة) أو الموضوع للاندفاع مع اندفاعها أي تتضمن هنا إيذاء الغير وهو الشرط الفارق لتأنيب الذات عن الشعور بالذنب فكل تأنيب للذات يتضمن ذاتياً الشعور بالذنب كما موضح في المخطط أدناه:



الكبت


ولتوضيح ذلك بمثال تقليدي من مفردات الحياة اليومية، نفترض ان شخصين مختلفيَّ الايمان بعقيدة تحريم الزنا، يؤمن أحدهما وليكن (س) إيماناً عميقاً بهذا التحريم ولا يؤمن الآخر به وليكن (ص)، فان (س) اذا تعرض لموقف جنسي مغري من امرأة جميلة فان كبته لدوافعه يعني انه تحت ضغط الكبت الكبحي الايجابي، فانه بكبته لدوافعه أو رغباته هذه سوف لن يعاني من أي عقدة، لأن مقياسه الذهني البعدي هو رضا الله سبحانه وتعالى يتوافق في هذا الكبح مع ايمانه العميق بمقياسه الذهني، والطاقة الحيوية (اللبيدو) الناتجة عن الرغبة الجنسية، لا تتحول هنا في هذا الكبت إلى قلق أو كدر، وانما إلى قوة زهو وكبرياء واحترام للذات (النفس) بأقصى ما تحمله هذه العبارة من معنى مضاد للقلق أو الكدر(1) بل يكون في لذة يحسده (الملوك) عليها، أما في حالة فشل الكبت الكبحي الايجابي وتم اشباع الرغبة الجنسية بعد الاغراء من قبل الموضوع الجنسي نفسه عندها تعاني الذات (س) من عقدة حرة تتمثل نفسياً في هذا المستوى كشعور بالذنب. اما إذا تم اشباع الرغبة الجنسية مع قيام الذات باغراء الموضوع الجنسي عندها يعاني (س) من عقدة حرة تتمثل نفسياً في هذا المستوى بتأنيب الذات المتضمن ايذاء الغير، اما في حالة (ص) فان عدم اشباعه لدوافعه الذاتية بسبب امتناع الموضوع الجنسي فان كبته القمعي يكون بمستوى عقدة باعتبارها دافع مكبوت يطلب اشباع والتي من الممكن ان تولد في احضانها العدوانية، أما في حالة اشباع (ص) لدوافعه الجنسية فسوف لن يعاني من الشعور بالذنب (عكس س تماماً) أو تأنيب الذات وهذا هو الذي يعلل لنا سبب استمرارية ذوات العمل اللاأخلاقي الرتيب بدون رادع ذاتي أو عقد.

بصورة عامة الكبت الشعوري يخلق حالة من اللاتوازن في الجهاز العقلي الديناميكي الديالكتيكي الذي هو عبارة عن المقياس الذهني المحصلة فيحدث اضطراب(2) في مكونات هذا الجهاز (السلوك، الشعور، الفكر) فيقوم المقياس الذهني الجديد (في حالة النجاح في تكوينه) باعادة هذا التوازن لأنه ينفي الفعالية السلبية للكبت الشعوري ولكن ليس نفياً ميتافيزيقياً بل نفياً ديالكتيكياً وفق قانون نفي النفي (سلب السلب) فالكبت الشعوري ظاهرة سلب والمقياس الذهني الجديد سلب السلب.

(1) ((ذهب فرويد في تفسير القلق في كتابه ((القلق)) إلى انه عبارة عن رد فعل لادراك حالة خطر ناشئ عن الرغبات الغريزية، ص274 الهامش، الجنس وأثره في السلوك الانساني)).

(2) كما سيتضح في موضوع الدافعية ان الامراض النفسية الوظيفية هي دائماً مكتسبة تختلف درجاتها باختلاف قوة وطول فترة التفاعل ودرجات التناسب لمكونات المثلث المزدوج باعتباره البنية الاساسية للدافعية.

وهذا التكوين السايكولوجي يكمن في عمق العلاقات الذهنية لا الاشياء المادية والتي (أي العلاقات الذهنية) تخلي السبيل كأساس كامن لعلاقات ذهنية أعمق وأشمل وهكذا يستمر التكوين التاريخي للنفس (سواء أكان تاريخ شخصي أو اجتماعي) وكمثال بمستوى حياة الفرد وفق هذا الفهم يمكن تفسير عملية الانتقال الفرويدية من المرحلة الفمية إلى المرحلة (الشرجية) عند الطفل بان المقياس الذهني البسيط (مقياس ذهني يرافق المقياس الغريزي) الذي كوّنه الرضيع عن الثدي (أو قنينة الرضاعة) هو القوة الشعورية ولكن عملية الفطام قوة ابعدت امكانية تحقيق القوة الشعورية (هنا الشعور من درجة الشعور الغريزي) فحولتها إلى كبت شعوري، أي يشعر بالحرمان، ولكن المقياس الذهني الجديد (الذي كونه الطفل) عن الطعام وتكيفه مع الواقع الجديد (ظهور الاسنان) سوف يضيق من الحلقة السابقة (عقدة الحرمان من الثدي) بل قوة هذا المقياس المستديم سوف يحل هذه العقدة والى الأبد، بتعبير ثانٍ عند منع الرضيع من الرضاعة ولدت عنده عقدة الحرمان من الثدي ولكنه عندما تعَّود على الطعام خارج الثدي حل عقدته السابقة التي هي ارتباطه بالثدي لأنه حقق محتوى الثدي خارج الثدي، أي كوّن مقياس ذهني جديد (لأن العامل المشترك في الحالتين اشباع غريزة الجوع) والا سوف يتحول الطفل إلى وعاء من العقد كعقدة الكساح وعقدة البكم كنتيجة لعدم قدرته على الوقوف منذ الولادة بالنسبة للأولى وكنتيجة لعدم قدرته على النطق بالنسبة للثانية.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2011, 03:24 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

-3-

الدافعية(1):ـ

(1) ((الغريزة instinct، الحاجة need، الحافز drive، تعتبر بمثابة اصطلاحات ثلاثة تستخدم لوصف حالات الدافع Motive، وتعرف الغريزة بانها حالة فطرية تثير بصورة منتظمة [ آلية ] استجابة مركبة نوعية [ انماط سلوكية] من جميع الافراد الذين ينتمون الى نوع معين عند تقديم نمط مثير مميز، وتوصف الحاجة في بعض الاحيان بانها حالة عجز او عدم اتزان، وقد تكون فسيولوجية (مثل الحاجة الى الدفئ) او نفسية (كالحاجة الى الانجاز)، ويعرف الحافز بانه اما حالة ناتجة من حاجة فسيولوجية، واما رغبة عامة لانجاز بعض الاهداف. ص22 مقدمة في علم النفس، سلسلة ملخصات شوم، وينتيج)) ((هناك أربع نظريات بارزة حاولت تفسير حالات الدافعية وتتمثل في:

النظرية الانسانية : يكمن أساس النظرية الانسانية في الدافعية فيما يسمى بهرمية الحاجات التي اشار اليها ابراهام ماسلو، ويمكننا تقديم موجز مبسط لهذه الهرمية فيما يلي:

1- الحاجات الفسيولوجية (دوافع البقاء). 2- حاجات الأمن (دوافع الأمن).

3- حاجات الانتماء (حاجات التقبل والتواد). 4- حاجات التقدير (دوافع المكانة والانجاز).

5- حاجات تحقيق الذات (تحقيق الفرد لما يكون قادراً على تحقيقه).

ويجب ان يحدث اشباع ولو جزئياً عند أي مستوى قبل ان يصبح المستوى الثاني ذات أهمية بالنسبة للفرد، ويرى الاخصائي النفسي الذي يتبع هذه النظرية ان تحقيق الذات هو الهدف النهائي لكل شخص.

نظرية التحليل النفسي: تعزى هذه النظرية الى سيغموند فرويد، وينظر فرويد إلى الدافعية بانها تعبير لا شعوري – بصورة كبيرة – للرغبات العدوانية والجنسية التي قد يعبر عنها بطريقة صريحة او في بعض الصور الرمزية مثل الاحلام، او ((زلات اللسان)).

نظرية التعلم الاجتماعي: يشير علماء هذه النظرية إلى ان التعلم السابق يعتبر أهم مصدر من مصادر الدافعية، فالنجاح او الاخفاق لاستجابات معينة يؤدي إلى تفهم الاشياء التي تؤدي إلى نتائج ايجابية
او سلبية، ومن ثم الرغبة في تكرار الانماط السلوكية الناجحة. والخبرة الشخصية لا ترتبط بالضرورة بحدوث التعلم الاجتماعي. فقد يكون التعلم بملاحظة بعض الاشخاص الآخرين الناجحين او الفاشلين كافياً لاستثارة حالات دافعية... وعلاوة على ذلك فان الثواب
او العقاب قد يكون داخلياً او خارجياً.

نظرية الاثارة النشطة: تفترض نظرية الاثارة النشطة، ان أي كائن لديه مستوى معين ومناسب وخاص به للاثاره، وبالتالي فالسلوك سيوجه نحو محاولة الاحتفاظ بهذا المستوى، وهذا يعني انه اذا كانت الاثارة البيئية مرتفعة أكثر من اللازم، يحدث السلوك لمحاولة تخفيض الاثارة واذا كانت الاثارة منخفضة أكثر من اللازم، يكون السلوك لمحاولة زيادة الاثارة، ص126 مقدمة في علم النفس، المصدر السابق.

بنية معقدة تكوينية ومكتسبة للجهاز النفسي، وهذه البنية وفقاً لتكوين العقل الجدلي تتميز بوجود: نزوع موضوعاني ونزوعات موضوعية.

والنزوع الموضوعاني هو الهدف المركزي الذي تسعى الذات لتحقيقه، ويمثله (أي النزوع الموضوعاني او الغاية او الهدف) آخر وعي بعدي للمقياس الذهني المحصلة، فالدافعية في هذا المستوى تحقيق مستمر لعملية النمو العقلي بمقاييسه المختلفة لشتى الموضوعات كبنية ذهنية متتابعة للمقياس الذهني البسيط فالمركب فالمذهبية ... وهكذا.

والنزوعات الموضوعية: هي اما ان تكون حاجات فسيولوجية دورية كالحاجة الى الطعام والشراب والنوم والجنس، وهذه تحقق استمرارية النمو الجسمي للذات بتقسيماتها المختلفة كبنى مادية ومتتابعة، كمرحلة الرضاعة، والطفولة المبكرة، والطفولة المتأخرة والمراهقة والشباب والشيخوخة، وكذلك تحقق استمرارية النوع، او حاجات نفسية كالحاجة الى الحب والحنان والعطف والأخوة والاحترام، وهذه تحقق نموه العاطفي من حب وكراهية وانطواء وانفتاح. للدافعية ثلاثة مكونات أساسية: تكوينية فقط وهي التوترات وتكوينية ومكتسبة وهي الامكانيات ومكتسبة فقط وهو القلق، والدافعية (وخاصة في نزوعها الموضوعاني) لا تكون دافعية معنية بالتكوين الجدلي للفرد والمجتمع اذا لم توجد فيها هذه المكونات الثلاثة في مرحلة هدنة التوتر، ومهما كانت درجات الدافعية بمستوياتها المختلفة تكون الذات فيها تحت رحمة هجوم ثلاثي مزدوج لمكوناتها: التوترات والامكانيات والقلق، ويمكن توضيح هذا الهجوم الثلاثي المزدوج بمخطط المثلث المزدوج للدافعية كما موضح في المخطط في الشكل رقم (1) (مفصل المثلث المزدوج للدافعية) نلاحظ المثلث المزدوج لهدنة التوتر الذي أما ان تنتهي فيه هدنة التوتر بتوتر الإمكانية كتحقيق موضوعي للهدف الموضوعاني او بتوتر الفعلية المتمثل بالرجوع الى نفس الموضوع الذي تم الانطلاق منه مضافاً له اكتئاب مع عقدة كممثل نفسي لفشل الذات في تحقيق هدفها، او بتوتر التوتر الذي هو توتر الفعلية مع فقدان الموضوع نفسه.



دائماً القلق يصاحب نضال المقياس الذهني في وعيه البعدي، فهو قوة مكتسبة متدفقة ومحدودة بقوة الامكانيات التي في طريقها للتمظهر الموضوعي كتحقيق للرغبة، بمعنى ان القلق يبقى قوة كامنة على طول فترة استمرارية توتر الامكانية، يتدفق بين آونة وأخرى وفقاً لامكانية القوة الحدية للامكانيات وفيها يكون القلق في توازن (بندولي) مع التوترات، وهكذا يتضح معنى قولي بان الانسان هو الكائن الوحيد الذي يقلق لأنه الكائن الوحيد الذي يخلق وعياً بعدياً ((ان محرك التاريخ – بل محرك أي علم – هو القلق الدائم* والجهد المثابر، فاذا انطفأ هذا المحرك، لم يكن ثمة علم، ولم تكن حضارة، بل لم يكن انسان حريُّ بهذا الاسم))(2).ـ

في الشكل رقم -1- السابق يتضح لنا من مخطط فشل تحقيق الهدف للمثلث المزدوج لهدنة التوتر ان المثلث المزدوج لتوتر الفعلية هو امتزاج التوترات والقلق في وحدة واحدة يطغى فيها القلق على التوترات بفعل الطاقة المتحررة من قوة الامكانيات باسترخاء قوتها الحدية بعد فشل الذات في تحقيق هدفها مع عودة إلى نفس الموضوع وهذا الامتزاج يتمثل نفسيا باكتئاب (القلق – التوتر)(3) ومن مخطط المثلث المزدوج لتوتر التوتر يتضح لنا أيضاً امتزاج التوترات والقلق في وحدة واحدة ولكن تطغى فيه التوترات على القلق مع فقدان الموضوع نفسه والذي يتمثل نفسياً باكتئاب (التوترات – القلق)(4)، فالاكتئاب باعتباره صورة تمظهر المرض النفسي بعد التحليل الدقيق هو التركيب الناتج من اتحاد التوترات والقلق بدرجاتهما المختلفة، بمعنى التموضع الفعلي للقلق المتضمن على الشحنات التوترية بدلاً عن تموضع الموضوعانية او هدف الدافعية، واخطر أنواع الاكتئاب هو الذي يتوقف عنده أي هدف او غاية او دافعية في الحياة للمكتئب بحيث تنعدم عنده ليس فقط القدرة على التكيف مع المجتمع الذي يعيش فيه وانما ينعدم عنده أيضاً أي توجه نحو المستقبل وهو الذي ينتهي بالانتحار.ـ

* يعني في المثلث المزدوج للدافعية التوتر الدائم.

(2) زريق: نحن والتاريخ ص60

(3) اختصاراً يكتب اكتئاب القلق.

(4) اختصاراً يكتب اكتئاب التوترات.

ان العلاقات التي تربط القوى الثلاث للدافعية (التوترات، الامكانيات، القلق) في المثلث المزدوج، ليست علاقات ميتافيزيقية وانما علاقات جدلية، بمعنى ان القوة المسيطرة او المهيمنة على تفاعلات المثلث المزدوج للدافعية هي قوة حدية ديناميكية غير مستقرة وغير متحجرة تتبادل مواقعها باستمرار وفقاً لظروف تفاعلات المثلث المزدوج، بمعنى انها تحد من تأثير القوى الأخرى بان تجعلها كامنة، هذا المثلث المزدوج يمكن ان يكون اختبار لمدى عقلانية او عدم عقلانية الدافع (الغاية، الهدف) بمعنى انه يعبر عن مدى العلاقة المنطقية ما بين الدوافع الموضوعانية او الموضوعية مع الامكانيات، لذا عند هذه النقطة نسميه باختبار المثلث المزدوج للدافعية.

التوترات دائماً وأبداً تكوينية والامكانيات دائماً وأبداً تكوينية ومكتسبة اما القلق فهو دائماً وأبداً مكتسب فالامكانيات تتضمن من جانب وراثتنا البيولوجية ومورثنا الاجتماعي المكتسب كتواصل جدلي في تمثل الخبرة الانسانية عن طريق اللغة والتفعيل العملي في الطبيعة المحيطة، وهذه تمثل التكوينات القبلية، ومن جانب آخر تتضمن التكوين الاجتماعي المعاصر الذي يمثل الوعي التطابقي في موضوعيته والوعي البعدي في موضوعانيته، هنا تكمن البنية التكوينية المعقدة التركيب للدافعية التي تختلف باختلاف كل مستوى من مستويات النمو العقلي الجدلي المستمر للذات، فدافع الذات المركزي (موضوعانيته) لا ينبثق فجأة من فراغ او عدم وانما هو تكوين مركب من تكوينات قبلية وتماثلية وبعدية فهو بالمعنى العريض التكوين التاريخي الجدلي للعقل.

يقسم المثلث المزدوج وفقاً لإمكانيات الذات في السيطرة على القلق وتخفيضه وتفريغ شحنات التوترات في الإمكانيات او حدوث السيطرة العكسية إلى: التناسب الايجابي التتابعي والتناسب السلبي التتابعي إذ في التناسب الإيجابي التتابعي تتناسب قوة الإمكانية تناسباً عكسياً مع القلق بسيطرة الإمكانيات كقوة حدية مهيمنة والقلق بحد ذاته يرتبط دائماً بعلاقة طردية مع التوترات (كلما ازداد التوتر ازداد القلق) وهذه الزيادة ليست زيادة حسابية متكافئة وانما نفسية بمعنى امكانية طغيان أحدهما على الآخر في الزيادة بالرغم من ان زيادة أي منهما تعني زيادة الآخر، والتوترات باعتبارها الجانب التكويني للدافعية هي التي تدفع للهدف ولكن ناتجها السلبي هو القلق فالامكانيات لا تخفض التوتر وانما تحد من قوة القلق(1) وهذه الحدية (أي حدية الامكانيات للقلق) هي التي (تهدئ) التوتر بمعنى تفريغ شحناته في الإمكانيات فالنتيجة النهائية تتناسب الإمكانية

(1) أنظر شكل رقم -1- مفصل مخطط المثلث المزدوج للدافعية ص153.

تناسباً عكسياً مع التوتر فتخفيض التوتر يعني تفريغ شحناته في الإمكانية وينتهي هذا التناسب الايجابي التتابعي بتحقيق الهدف وهو توتر الامكانية، فيمكن توضيح المثلث المزدوج لتوتر الإمكانية كما يلي:ـ

اما التناسب السلبي التتابعي فتتناسب قوة التوترات تناسباً عكسياً مع الإمكانيات بسيطرة التوترات كقوة حدية مهيمنة، والتوتر بحد ذاته (كما سلف) يرتبط دائماً بعلاقة طردية مع القلق، فالنتيجة النهائية تناسب القلق تناسباً عكسياً مع الإمكانيات بحدية القلق له، وينتهي هذا التناسب السلبي التتابعي بفشل تحقيق الهدف، وهو توتر الفعلية مضافاً اليه عقدة، ويمكن توضيح المثلث المزدوج لتوتر الفعلية في حالة العودة إلى نفس الموضوع كما يلي:ـ

أما في حالة فشل تحقيق الهدف مع فقدان الموضوع نفسه فالمثلث المزدوج هو توتر التوتر كما هو موضح في المخطط الآتي:ـ


ان كل انواع الامراض النفسية هي دائماً مكتسبة (تمييزاً لها عن الامراض التكوينية كنتاج لاضطراب فسيولوجي) واختلاف درجات شدتها كنتاج لاختلاف قوة وطول فترة التفاعل ودرجات التناسب لمكونات المثلث المزدوج كبنية اساسية للدافعية، فمثلاً مرض النيروسثينيا(1)ـ Neurosthenia (الوهن العصبي، الاجهاد النفسي Psychological Fatiqae) هو نتاج طول فترة استمرارية تفاعل المثلث المزدوج لهدنة التوتر الذي ينتهي بفشل تحقيق الهدف او الرغبة والذي اما ان يكون مع فقدان الموضوع نفسه أي ينتهي كمثلث مزدوج لتوتر التوتر والذي تختلف فيه درجات اكتئاب (التوتر – القلق) باختلاف درجات امكانية تكوين مقياس ذهني جديد يتعلق بفقدان الموضوع لاحتواءه او الحد منه بقوة الكابح العام كتكوين آلي له، وأشد انواع هذا التفاعل هو الفشل العاطفي، أي بالتعبير الدارج فشل او اخفاق المريض في التوصل إلى تكيف ذهني وحل عملي ومريح للتواصل مع المحيط الذي يعيش فيه بعد فقدانه موضوع هدفه او ان ينتهي هذا التفاعل مع عودة إلى نفس الموضوع، أي ينتهي كمثلث مزدوج لتوتر الفعلية حيث تتمثل الكآبة نفسياً كاكتئاب (القلق-التوتر).ـ

(1) الأصل في تسمية هذا المرض، بهذا الاسم قبل قرن من قبل الدكتور بيرد بسبب انه عزا ((هذه الحالة المرضية إلى وهن يصيب الجهاز العصبي ومن الاصطلاحات الحديثة المستعملة لهذا المرض حالة الاجهاد او التعب Fatiqae state والاجهاد النفسي Psychological Fatiqae، والاجهاد العاطفي Emotional Fatiqae ومع ان هذه الاصطلاحات أكثر دقة وتأكيداً للعوامل النفسية الا ان من الصعب على ما يظهر تجاوز استعمال الاصطلاحات الشائعة: النحول العصبي او النيروسثينيا، وقد لا يكون هناك ضرر في هذا الاستعمال اذا أدرك المرء بان المرض لا يتضمن أي تغيير عضوي في الاعصاب، ص261، النفس: أمراضها، انفعالاتها وعلاجها ، د. علي كمال))

بسبب تفاعل هذا الكل واختلاف محتواه الذي يشمل حياة الفرد كلها من وراثية وخبراته المكتسبة ووسائله وغاياته والظروف المتغيرة المحيطة به يكون من الصعب وضع حدود او تحديد ماهية بعض الامراض النفسية، حيث يحدث هذا بسبب تداخل الاهداف والغايات باعتبارها مركبة وليست بسيطة مثل الحاجات الفسيولوجية الدورية التي هي موجودة مهما كان حجم ومحتوى موضوع الدافعية.

ما هي متطلبات الدافعية ؟


الغاية (الهدف): في موضوعانيتها هدف مركزي تسعى الذات إلى تحقيقه والذي يمثله الوعي البعدي لآخر مقياس ذهني محصلة ويتمثل في حالة نجاحه بتموضع ذات، وفي موضوعيتها أهداف ثانوية تسعى الذات إلى تحقيقها وهي أهداف متموضعة ومتحققة قبلياً من ذوات أخرى في المجتمع.


الطاقة: وهذه الطاقة لا تكون نتاج الوعي البعدي او هدف الدافعية فحسب وانما ايضاً نتاج أسلوب تحقيق هذا الوعي (الهدف) الذي يتضمن مثلاً الحوافز التي تضاف إلى قوة الإمكانياتوتزيد من شد الوعي البعدي باتجاه تحقيق هدفه، وهذه الطاقة الناتجة (مع ما يضاف اليها من طاقة الاهداف الثانوية او بالعكس) هي التي تتقاسمها قوى المثلث المزدوج في فترة هدنة التوتر.


الإمكانيات: يجب ان تتناسب الإمكانيات مع الهدف المراد تحقيقه، وهي التي تضمن امكانية استمرار الذات في تحقيق هدفها من خلال عملها على تخفيض القلق المسيطر عليه والذي على أساسه ينخفض التوتر (السيطرة عل طاقة التوتر وعدم تسربها إلى قلق وذلك بتفريغ شحناتها في الإمكانية باسلوب القوة الحدية المهيمنة).

ـ

التوترات: شد الذهن باتجاه موضوعانية او موضوع الدافعية، وهي بالمعنى العريض الإثارات التكوينية وهي عود الثقاب الذي يعلن عن بدء تفاعلات المثلث المزدوج للدافعية، والتوترات لا تمثل جوانب سلبية في نمو الافراد والمجتمعات وإنما التطورات الفردية والاجتماعية هي نتاج (تموضع) توترات ذوات بعدية الوعي، وصفت الخبرة سابقاً بانها (إله) يتمشى على الأرض(1) وأضيف الآن ان التوترات هي (رسل) هذا الإله، فالتوترات باختصار شديد هي ممثل الرغبة في تفاعلات المثلث المزدوج من نقطة الشروع

(1) راجع ص12.



التناسب التتابعي: خضوع الدافعية لتناسبات المثلث المزدوج، حيث استمرار توتر الإمكانية يعني تحقيق التناسب الايجابي التتابعي والقوة السائدة او المهيمنة في هذا التناسب هي قوة الإمكانيات التي تحد من قوة القلق ويتم تفريغ شحنات التوترات في الإمكانيات، واستمرارية توتر الفعلية يعني تحقيق التناسب السلبي التتابعي
(القوة السائدة او المهيمنة هي قوة التوترات التي تفرغ شحناتها في القلق) مضافاً اليها (أي الذات) عقدة.

قد يرد للذهن سؤال هو: أيهما أسبق وجوداً كعلة للتفاعل في الدافعية لكل مثلث مزدوج التوترات ام الوعي البعدي ؟

جواب هذا السؤال هو ان الوعي البعدي لا يكون وعياً بعدياً إذا لم يكُ ذا دافعية، وإذا كانت التوترات عودَ الثقابِ الذي يعلن عن بدء التفاعلات للمثلث المزدوج فان الوعي البعدي هو الذي يقوم باشعاله، فالتوترات في نقطة انطلاق الدافعية هي ممثل الوعي البعدي في المثلث المزدوج.

أمثلة لتوضيح الدافعية بحدود تبسيط مفهوم المثلث المزدوج كاطار عام أما المحتوى الحقيقي فمتروك لكل ذات وفقاً لتكوينات وتفاعلات وسائلها وغاياتها.

في البداية يمكن تصور مثال تشبيهي شامل لغرض تكوين صورة ذهنية واضحة للعلاقة ما بين التوترات والإمكانيات وعقلانيتها، يمكن تمثل ذلك بمركبة خصوصية يقودها صاحبها، حيث ان المركبة ككل بوقودها ومكوناتها وسائقها تكون كذات، وهذه الذات عندما تكون ذا رغبة أو هدف فهذا يعني انها تكون تحت رحمة المثلث المزدوج للدافعية، الرغبة هنا (فيما يخص مثالنا لغرض التوضيح) هي استخدام السائق لإمكانيات مركبته للوصول إلى مقر عمله (الهدف موضوع الدافعية) فالمركبة لا يمكن ان تتحرك بدون سائقها، فالسائق هنا هو ممثل الرغبة ((الدافعية)) في المركبة، أي قيادة المركبة باتجاه الهدف باعتبارها إمكانيات له (أي بالتعبير النفسي قيادة التوترات للإمكانيات في نقطة الانطلاق باتجاه تحقيق الهدف)، وهذه المركبة لا يمكن لها ان تتحرك بدون وقود وسلامة مكوناتها، فالوقود والمكونات تمثل هنا إمكانيات تحقيق الرغبة (الوصول إلى الهدف) فمثلاً عدم كفاية الوقود (الذي لم يحسن صاحبه تقدير حجمه لغرض الوصول إلى الهدف)، والذي يمثل هنا مع مكونات المركبة العقلانية كعلاقة ما بين الإمكانيات وتحقيق الهدف، كأن يريد الذهاب إلى نينوى ولكن الوقود (أو مثلاً اطارات العجلات) لم توصله حتى إلى بوابة بغداد، هذا النفاذ في الوقود والعطلات في اطارات المركبة تمثل المقصرية الذاتية في الوصول إلى الهدف وتتمثل عقدياً في النفس كشعور بالذنب، أما في حالة كفاية الوقود ومتانة مكونات المركبة كلها فتمثل قوة الإمكانيات ولكن سائق المركبة يقودها بسرعة أكثر من 100كم/الساعة في طريق لا يسمح باقصى سرعة فيه 30كم/ بالساعة لوجود تلاميذ مدارس يتنقلون عبر هذا الشارع، ففي حالة حدوث حادث دهس لأحد التلاميذ بسبب السرعة الزائدة عن الحد المسموح به تتوقف عندها المركبة ولم يصل صاحبها إلى هدفه، في هذا المثال يتولد عنده معاً الشعور بالذنب بسبب المقصرية الذاتية في زيادة السرعة وكذلك تأنيب الضمير بسبب ان عمله هذا تضمن أيضاً ايذاء الغير كنتيجة لهذه المقصرية الذاتية، اما إذا كانت المركبة ووقودها ومكوناتها وسائقها كلها إمكانيات تتميز بالمتانة والسلامة في طريق الوصول إلى الهدف وتحقيق الرغبة، ولو افترضنا ان سائق المركبة تعرض لحادث اصطدام مع مركبة أخرى نتيجة مقصرية المركبة الأخرى، عندها تكون هذه الاعاقة في تحقيق الهدف نتاج الكبت القمعي وتمثل تأثيرات العالم الخارجي على الذات والتي اما ان تكون تعزيزاً أو إعاقة، مثالنا السابق يمثل إعاقة العالم الخارجي، أما بالنسبة للتعزيز فمثلاً الشوارع التي يستخدمها صاحب المركبة عريضة ومعبدة وذات جانبين من ناحية حركة المرور فيها ويوجد خط سريع يمكن استخدامه بسرعات كبيرة . . . الخ، فعند استنطاق الامثلة السابقة لتعابير المثلث المزدوج للدافعية نلاحظ العلاقة بين مكونات المثلث المزدوج بشكل جلي، حيث ان التوترات هي ممثل الرغبة في المثلث المزدوج والتي مثَّلها سائق المركبة تنخفض كلما زادت الإمكانيات (متانة مكونات المركبة، كفاية الوقود، الشوارع معبدة، سلامة السائق . . . الخ) والتي على أساسها تخفيض القلق اما إذا كانت الإمكانيات ضعيفة كأن تكون الاطارات غير سليمة، وعدم كفاية الوقود . . . الخ فيزداد التوتر تبعاً لدرجة ضعف الإمكانيات ومن ثم وعلى أساسه نشوء القلق كنتيجة لهذه التفاعلات كممثل نفسي لتوقع عدم الوصول إلى الهدف أو الرغبة لضعف الإمكانيات.

والمثال الكلاسيكي عن التكوين الفطري لطاقة التوتر، الغريزة الجنسية، فهي حاجة فسيولوجية (دافعية دورية) وهي (في مطلبها البعدي أو المستقبلي غير الموجود الآن) تتطلب الإشباع الذي يخلق طاقة التوتر، فاذا كان هناك إمكانية اشباع ثم تخفيض هذا التوتر المسيطر عليه بقوة الإمكانية بسحب طاقته للإمكانية وتحقيق الراحة النفسية كممثل لهيمنة قوة الإمكانية ومن ثم وعلى أساسها تخفيض قوة القلق وان لم يتم ذلك الاشباع بسبب ضعف إمكانية تحقيق الهدف أدى ذلك إلى زيادة التوتر وكنتيجة له زيادة القلق وما يؤدي إليه من اضطرابات نفسية (أو غيرها).ـ

ومثال آخر لتوضيح الهجوم الثلاثي المزدوج في المثلث المزدوج للدافعية:

نور لها رغبة جامحة لأن تصبح طبيبة أطفال محترفة، هذه الرغبة المستقبلية سوف تكثف من التوترات التي هي شد الذهن باتجاه المستقبل التي تختلف شدتها باختلاف شدة الرغبة البعدية ذاتها حيث التناسب طردي، هذه التوترات يعتمد تأثيرها (أي خفضها أو زيادتها) على إمكانيات تحقيق الهدف وعقلانيته التي هي بحد ذاتها (أي قوة الإمكانية) ستكون القوة المؤثرة على التوترات والقلق، فاذا كانت إمكانيات تحقيق الهدف كبيرة، كأن تكون هي طالبة في الاعدادية لم تتجاوز العشرين من عمرها، وذكية ومن الأوائل ولها قدرة على الحفظ والفهم والاستيعاب ولها اطلاع واسع في المواضيع المتعلقة بطب الأطفال من المقالات في المجلات أو الكتب التي تتناسب مع مرحلتها الدراسية، ويوجد عندها تعزيز من البيئة المحيطة بها كقوة تضاف إلى قوة الإمكانيات كأن تكون والدتها أو اختها طبيبة أطفال محترفة . . . الخ هذه الإمكانيات كقوة حدية مهيمنة سوف تعمل على خفض كل من التوتر والقلق بحدود منع اعاقة الاستمرارية، وتستمر نور بطريقها لتحقيق رغبتها الجامحة مع الاحتفاظ بدرجات طردية من التوترات والقلق المحدودة بقوة الإمكانيات المهيمنة كقوة حدية لاستمرارية جهاد الذات في تحقيق هدفها.

من خلال اختبار المثلث المزدوج نلاحظ عقلانية الهدف البعدي لنور وان استمرارية التفاعل يتمثل في المثلث المزدوج بتوتر الامكانية، وان علاقات التناسب فيه من نوع التناسب الإيجابي التتابعي كما هو موضح في مخطط المثلث المزدوج لتوتر الإمكانية.

ما إذا كانت إمكانيات نور لتحقيق هدفها لا تتناسب مع هذا الهدف كأن تكون هي في الاربعين من عمرها، ولم تحصل لحد الآن على الشهادة المتوسطة، ضعيفة الذاكرة بالرغم من اهتمامها بالمواضيع المتعلقة بطب الاطفال وقراءتها المستمرة لمواضيع طب الاطفال في المجلات والكتب، ضعف التعزيز من البيئة المحيطة بها لتحقيق هدفها بالرغم من رغبتها الشديدة بان تصبح طبيبة أطفال محترفة.

نلاحظ هنا ان قوة الإمكانيات لنور ضعيفة لا تستطيع ان تحد من قوة التوترات المشدودة نحو المستقبل والناتجة من رغبتها الشديدة، فاختبار المثلث المزدوج يقول لنا بعدم إمكانية تحقيق دافع (رغبة) نور المستقبلية وان التفاعل في المثلث المزدوج هو توتر الفعلية وان التناسب من نوع التناسب السلبي التتابعي (أي العودة إلى نفس الواقع) كما هو موضح أدناه في المثلث المزدوج لتوتر الفعلية لنور.



لو افترضنا ان نور لها كل الإمكانيات لتصبح طبيبة أطفال محترفة، أي ان نوع التناسب في المثلث المزدوج هو تناسب ايجابي تتابعي ونوع التفاعل هو توتر الإمكانية، ولكن ظروف خارج تفاعلات هذا المثلث المزدوج كأن يكون وفاة والدها الذي هو المعين الوحيد لها ولعائلتها للاستمرار في الدراسة أو ان تتعرض لحادث ما أثر على إمكانية مواصلتها للدراسة... الخ بالتأكيد ستكبت رغبتها والكبت هنا من نوع الكبت القمعي بسبب الظروف المفروضة عليها قسراً من البيئة المحيطة، ففي حالة تغلب هذه الظروف وعدم تمكن نور من تكوين مقياس ذهني جديد كقوة تكيفية حدية تتناسب مع التعديلات الجديدة في إمكانياتها فان تفاعلات المثلث المزدوج ستنقلب رأساً على عقب تختلف درجاته باختلاف المقياس الذهني الجديد التكيفي كقوة حدية للطاقة التي ستتحرر من فرق الإمكانيات كطاقة مضافة للتوترات والقلق بالاضافة إلى الطاقة القبلية المحدودة بالقوة الحدية السابقة للامكانيات، فالنتيجة هي توتر التوتر باعتبارها كتوتر فعلية مضافاً إليها فقدان الموضوع نفسه (هنا إمكانيات تحقيق الرغبة موجودة ولكن ظروف ما أدت إلى فقدان أو تعطيل أو اعاقة الإمكانيات) ويمكن توضيح ذلك في مخطط المثلث المزدوج لتوتر التوتر (بمعنى توتر مستمر).ـ


توجد احتمالات أخرى وذلك حسب درجة قوة الكابح العام كنتاج آلي للوعي البعدي لآخر مقياس ذهني محصلة جديد.مثال يكون فيه التناسب لهدنة التوتر في المثلث المزدوج متعادل، امرأة تدخن السكائر وتعرف من خلال قراءتها بوجود علاقة ما بين التدخين ومرض السرطان وكذلك تأثير التدخين على الأجنة بالنسبة للنساء الحوامل، الرغبة البعدية عند هذه المرأة هي الاستمرار بالتدخين مع عدم الاصابة بمرض السرطان (وبالنسبة للحوامل عدم التأثير على الأجنة أيضاً)، الوعي البعدي (هنا الموضوعي وليس الموضوعاني باعتباره يتعامل مع موضوع موجود) هو ازالة الخوف من الاصابة بمرض السرطان، والوعي القبلي هو درجة ادراكها للعلاقة ما بين التدخين ومرض السرطان والوعي التطابقي هو التدخين، فعند تحليل هذه الدافعية وفقاً للمثلث المزدوج نلاحظ ان قوة الإمكانيات هنا تتوقف على قوة القناعة بالتبريرات التي تخلقها بان التدخين ليس دائماً يسبب هذا المرض، كأن تقول مثلاً اني أعرف الكثير من النساء المدخنات ولم يصبن بمرض السرطان، وأعرف نساء أخريات متزوجات وانجبن أطفال أصحاء وان الفيتامينات والفواكه والتغذية الجيدة والمشهيات يمكن ان توقف التأثير السلبي للتدخين وانها عندما تدخن لا تبلع الدخان، مثل هذه المرأة تعلم أيضاً علم اليقين ان هناك أيضاً الكثير من النساء المصابات بمرض السرطان كان بسبب التدخين، وتعلم أيضاً ان النساء المدخنات يعانين في كثير من الاحيان من اضطراب مواعيد العادة الشهرية، كما انهن يتقادمن في السن مبكراً، وتعلم بحدوث الولادة المبكرة بالنسبة للنساء الحوامل المدخنات، وهناك زيادة في حالات الاسقاط عندهن وفي حالة الولادة يكون المولود أقل وزناً من الطبيعي وهذا بدوره يجعل المولود أكثر عرضة للامراض في الاسابيع الأولى من حياته فهي تعرف احصائياً ((إلى ان حالات الاجهاض المبكرة تزيد عند المدخنات بمعدل ضعفين مما عند غير المدخنات، اما ولادة الجنين الميت فيزيد عندهن بمعدل أربع مرات وحتى وزن الاطفال الاحياء الذين تلدهم الحوامل تقل عن الوزن الطبيعي بنسبة 7% أو 8% وان ربع أطفالهن المولودين حديثاً يموتون في ايامهم واسابيعهم الأولى، وتدل التحليلات المختبرية على ان السوائل الامينيوسية للمدخنات تحتوي على سموم مثل النيكوتين والمادة الناشئة عن تأيضه المسماة كوتينين ولكن الاخطر من ذلك هو ما دلت عليه الفحوصات المكرسكوبية الإلكترونية وهو ان تكوين الحبل السري هو الآخر يتأثر عند الحوامل المدخنات، ومعروف ان الجنين يستلم من هذا الحبل كل ما يحتاج لحياته من أمه))(1). مثل هذه المرأة تستمر في التدخين كنتيجة للتبريرات التي خلقتها كممثل لامكانياتها في المثلث المزدوج لم تكن بتلك القوة التي تهيمن بسيادة على التوترات والقلق كنتيجة لعدم القناعة النهائية بالتبريرات وعدم التدخين، هذه المرأة تبقى بمرحلة هدنة التوتر للمثلث المزدوج بمعنى ان مكونات المثلث المزدوج تتبادل القوى بينها وفقاً للظروف أي تعيش حالات تبادل متوازن من التوتر والقلق والاطمئنان.ـ

(1) مجلة علوم العدد (44) – 1988م.

الإمكانيات = التوترات = القلق


اما إذا كان لهذه المرأة الرغبة في الاقلاع عن التدخين ستكون القناعة العلمية بهذه التقارير الطبية قوة تعزيز تضاف إلى قوة إمكانياتها التي حشدتها للاقلاع عن التدخين فالتفاعل من نوع توتر الإمكانية الذي هو النجاح في تحقيق الرغبة، وهكذا نلاحظ ان للدافعية نتائج مختلفة لقوة إمكانيات الذات وتوتراتها ومقاييسها الذهنية.

ومثال آخر: تاجر يريد ان يتاجر بكل أمواله في عملية تجارية والتي فيها اما ان يخسر كل شيء أو ان تتضاعف أمواله، هذه العملية هي مجازفة يكون فيها التاجر ابتدأً تحت ضغط المثلث المزدوج لهدنة التوتر وستكون التوترات هنا بالتأكيد شديدة جداً عندما يبدأ فعلاً بعمليته التجارية وتأخذ بالمد والجزر وفقاً للإمكانيات وسيرورة العمل وكذلك الحال بالنسبة للقلق يأخذ بالزيادة والانخفاض وفقاً للتفاعل ما بين التوترات والإمكانيات، فكلما ازدادت إمكانيات النجاح في العملية التجارية (تحقيق الهدف) ينخفض التوتر وتقل درجات القلق بفعل حدية قوة الإمكانيات ويستمر هذا التفاعل في المثلث المزدوج وينتهي أما بتحقيق الهدف وبالتالي يكون التاجر قد حصل على النتيجة موضوعياً وعندها تتوقف الدافعية المحددة بهدف معين (دافعية موضوعية) الذي هو مادي وليس فكري ولا ينتج عنه تموضع وعي وانما أموال اضافية جديدة خاصة التملك مع خبرة للمقياس الذهني المحصلة.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2011, 03:25 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

أما في حالة فشل توتر الإمكانية الناتج عن خسارة مستمرة في الثروة على طول فترة سيرورة العمل نلاحظ استمرار زيادة التوتر والقلق أكثر فأكثر نتيجة لاسترخاء قوة الإمكانيات الحدية إلى ان تحصل النتيجة النهائية بالفشل في تحقيق هدفه عندها تكون الذات تحت ضغط المثلث المزدوج لتوتر التوتر (توتر الفعلية مع فقدان الموضوع)، فعندها تختلف درجات التفاعل الذاتي مع هذا الفشل، فهناك من لا يستطيع ان يكيف ذهنه مع الواقع الجديد، فتنهار كل مقاييسه الذهنية التي كونها عبر حياته، وتصبح الحياة عنده لا معنى لها ولا جدوى منها وقد تنتهي حياته (مثلاً) بالانتحار باعتباره أعلى درجة للاكتئاب نتيجة الفقدان المزدوج للموضوع نفسه ولأي هدف بعدي آخر.


وهناك من يستطيع ان يُكيف ذهنه بواسطة مقياس ذهني محصلة جديد يتناسب مع خسارة الموضوع يكون تكوينه الآلي ككابح عام لما حدث ... وهكذا هو المثلث المزدوج للدافعية حيث كل ذات وإمكانياتها ومقياسها الذهني المحصلة.ـ












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2011, 03:27 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

المقياس الذهني والاضطرابات النفسية والعقلية

(الشيزوفرينيا والعقد)

الاضطرابات النفسية هي صراع داخلي في وعي الفرد وسببية هذا الصراع سلاح ذو حدين حد خارجي هو الكبت الشعوري وحد داخلي هو عدم القدرة على تكييف المقياس الذهني أو تجديده وهي أمراض وظيفية (اضطراب في الوعي) نتاج الاضطراب الاجتماعي للفرد وهي على العكس من الامراض النفسية العضوية من الناحية السببية [ من حيث هي نتاج الاضطراب الفسيولوجي للفرد (الجهاز العصبي والغدد الصماء)] يبدأ الاضطراب النفسي بانهيار الصورة البعدية للوعي (الحد العقلي) وليس بضغط اللاوعي المتمثل بالتجارب القبلية المكبوته والجنسية المحتوى كما يعتقد فرويد، أو الشعور بالنقص حين يولد الانسان كما يعتقد آدلر وهذا هو الذي يفسر لنا سبب الاضطرابات النفسية للبعض دون الآخرين لأنهم جميعاً لهم تجارب جنسية مكبوتة (وفق مفهوم فرويد)(1) وجميعهم يولدون وهم يشعرون بالنقص (وفق مفهوم آدلر) ولكن ليس جميعهم مرضى.

(1) الانتحار هو الاضطرابات النفسية في ذروتها ((البلاد الاسكندنافية تعد أكثر أمم الأرض ترفاً حيث يوجد فيها أعلى متوسط دخل للفرد سنوياً. كما فيها الضمانات الكثيرة للمعيشة والزواج والدراسة ومع ذلك فان اعلى نسبة انتحار في العالم توجد في بلاد السويد والنرويج، ص5 الهامش، الطب محراب الايمان، جـ1، د. خالص جلبي)).

في النمو النفسي السوي تتحول حلقة الكبت الشعوري إلى ذكرى محدودة القوة بفعل حدية المقياس الذهني الجديد وعندما تتحول هذه الذكرى إلى ذكرى منسية (مادة اللاوعي) بفعل التراكم الكمي لحلقات الكبت الشعوري وبمرور الزمن يتكون الكبت اللاشعوري وعندها يتكون اللاشعور أو اللاوعي وهو ليس العقل الباطن بل هو الجنون الكامن ولهذا يمكن تفسير تعاظم اعراض مرض الشيزوفرينيا بانه انهيار للمقاييس الذهنية الحدية (بانهيار المقياس الذهني لمحصلة)(1) التي كونها الانسان في مجرى حياته كوسيلة لتحقيق غاياته وتدفق الحلقات القبلية للكبت الشعوري (الرغبات المكبوتة قمعياً وكبحياً في خزينه العقلي) التي سكتون رافد أو مصدر (التي يعتقد غير معروفة طبياً) يرفد العمليات العقلية المعقدة والغريبة التي يتميز بها المصاب بمرض الشيزوفرينيا.

في البداية قبل تفسير مرض الشيزوفرينيا باطار تكوين العقل الجدلي أحب ان اوضح بان الآراء لم تتباين في تعريف وتحديد ماهية مرض الشايزوفرينيا فحسب بل تباينت ايضا في وجود أو عدم وجود هذا المرض، ومن أشهر الآراء المناوئة لوجود هذا المرض – هي آراء لمشاهير مختصين بالامراض العقلية – رأي الدكتور لانج الذي يعتبره ((انه افتراض ووهم ونظرية)) ((ويعتبر تشخيص مرض الشايزوفرينيا في فرد ما، ما هو الا مؤامرة يشترك في وضعها وتنفيذها أكثر من طرف واحد، بما في ذلك العائلة والطبيب والممرضة والباحث الاجتماعي وغيرهم من العناصر في المؤسسات الطبية والاجتماعية))(2) والدكتور ساز ((يرى بان مرض الشايزوفرينيا ما هو الا خرافة))(3).

المشكلة الاساسية في وجود هذا المرض هو التباين في تحديد ماهيته ((وهكذا فأنا ما زلنا في حاجة إلى تعريف واضح يتضمن الحقائق الاساسية عن الشيزوفرينيا والحاجة إلى مثل هذا التعريف ضرورية ليس فقط من اجل التوصل إلى فهم المرض، وانما ايضا من اجل تحديد اتجاه ومسارات البحث فيه بغية الوصول إلى كل ما يتصل به من حقائق، ولعل امكانية الوصول إلى هذا الهدف التعريفي للمرض في المستقبل المنظور تبدو بعيدة الاحتمال بالنظر لأن أهم الحقائق المتعلقة بالشيزوفرينيا ما زالت خافية حتى الآن))(4) ولكي يتم تكوين صورة ذهنية عن الآراء المختلفة لهذا المرض لذا أثبَّت أدناه أهم الآراء من تعاريف أو نظريات في تفسير هذا المرض والتي تباينت ما بين اسباب وراثية أو فسيولوجية أو كيمياوية أو بيئية أو نفسية والتي تشير إلى تعدد العوامل المساهمة في احداث هذا المرض.

(1) سيأتي توضيح آلية هذه الانهيار والجانب الفاعل والمنفعل للمقياس الذهني المحصلة

(2) كمال: فصام العقل أو الشيزوفرينيا ص13.

(3) كمال: فصام العقل أو الشيزوفرينيا ص13.

(4) المصدر نفسه، ص22.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 02-24-2011, 03:28 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 936
بمعدل : 0.60 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 1

المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

يرى يونغ بان الشيزوفرينيا ((هي حصيلة الانشغال الزائد في عاطفة الفرد والنكوص بالتالي إلى الطبقات الأعمق في اللاوعي الجماعي كوسيلة للتخلص من هذا الانشغال المضني))(1) ((وفي رأيه ان العملية الشيزوفرينية تجد جذورها في اللاوعي الجماعي والبدائي، ويقول ((إن انفصال المريض الشيزوفريني عن الواقع، والنقص في اهتمامه بالواقع الموضوعي فان (كل ذلك) ليس من الصعب تفسيره عندما نأخذ بعين الاعتبار بانه باستمرار يظل تحت إمرة عقدة لا تقهر انه يحلم بعيون مفتوحة، ومن الناحية النفسية فانه لم يعد قادراً على تكييف نفسه مع ما يحيط به))))(2).

يرى بافلوف في الشيزوفرينيا عملية كف طويلة الأمد ويرى في الشخص الشايزوفريني ((شخص سهل الإثارة وبانه يميل إلى الانفعال الزائد، ولهذا فان المرض الشيزوفريني هو الوسيلة العصبية الفيزيولوجية الممكنة لتفادي هذا الانفعال، وذلك بتثبيط القشرة الدماغية))(3) ((لاحظ بافلوف بان الشيزوفريني سريع التهيج ويميل إلى ردود فعل تزيد عن المعتاد، ولهذا افترض بان المرض الشيزوفريني هو حالة من النهي الواقي للقشرة الدماغية، وبانه يمتد في حالة الكاتاتونتا إلى مراكز تحت القشرة الدماغية والى الجهاز العصبي العاطفي، فالشيزوفريني عندما تشتد اثارته فانه قد ينفجر بحالة من الغضب الشديد، ويفسر ذلك على انه عملية وقائية للقشرة الدماغية هدفها وقاية الخلايا العصبية من أي اثارة زائدة، وبانه لذلك يمثل انعدام السيطرة من القشرة الدماغية على المراكز العصبية تحت القشرة الدماغية))(4).

(1) المصدر نفسه، ص28.

(2) المصدر نفسه، ص182.

(3) كمال: فصام العقل أو الشايزوفرينيا ص28.

(4) المصدر نفسه، ص183.

((رأي فرويد في الشيزوفرينيا حالة من نكوص اللبيدو (الطاقة الجنسية) من الحب الموضوعي إلى الحب الجنسي الذاتي ((النرجسي)) غير انه رأي بان الفرد في هذه الحالة يحاول في نفس الوقت العودة إلى الموضوع الذي نكص منه والابقاء على الصلة معه، وقد فسر فرويد الاعراض المرضية التي يعانيها المريض بانها تعبير عن خسارة الموضوع وعن محاولة الرجوع اليه، فالمريض الشيزوفريني ينكص إلى دور نرجسي في حياته، وهو قد فقد صلته بالمواضيع حوله، وهكذا فقد ابتعد عن الواقع، وفي مثل هذه الحالة فان ذاته (الأنا Ego) قد تحطمت وفي هذا التحطيم ما ينوه بعودته إلى تلك اللحظة في حياته ونمو شخصيته قبل ان تتكون ذاته، أو عندما كانت على وشك ان تتكون(1))).

((النظرية الوجودية: تفسر المدرسة الوجودية المرض الشايزوفريني بانه حالة من ((ارتخاء الوعي)). مما يؤدي إلى انخفاض حس الواقع عند الفرد، والمريض في هذه الحالة شعر بمحدودية إنسانيته والى الدرجة التي يتوقف عندها من الشعور بانه موجود فعلاً))(2).












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:12 PM

أقسام المنتدى

المنتديات العامة | المنتدى الإسلامي | منتدى الترحيب والمناسبات | المنتدى العام | منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة | المنتديات الخاصة بقبائل بني عُقيل العامرية | منتدى أخبار ومناسبات بني عُقيل | منتدى أنساب ومواطن بني عُقيل | منتدى تاريخ بني عُقيل | منتدى أمراء وأعلام بني عُقيل | منتدى قصائد وأشعار بني عُقيل | منتدى مكتبة بني عُقيل | المنتديات الخاصة بالقبائل العامرية والعربية العامة والتاريخ العام | منتدى القبائل العامرية | منتدى القبائل العربية العامة | منتدى مكتبة الأنساب والتاريخ | المنتديات الأدبية | المنتدى الشعري العام | منتدى الخواطر ونبض المشاعر | منتدى القصص والروايات | منتدى الألغاز والأمثال والحكم | المنتديات المنوعة | منتدى الأسرة والمرأة والطفل | منتدى الصحة والطب | منتدى الرياضة | منتدى الطبيعة والسفر | منتدى الحاسوب والجوال والعلوم التقنية العامة | المنتديات الإدارية | منتدى الملاحظات والاقتراحات | منتدى المشرفين والمراقبين | منتدى السيارات والدراجات | منتدى المرأة العام | منتدى التدبير المنزلي | دواوين شعراء المنتدى | المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي | المنتدى التاريخي العام | منتدى الشعر النبطي | منتدى الثقافة العامة | قبيلة قيس العامرية (جيس) | منتدى بصمات مبدعي الموقع .. تخليداً لذكراهم |



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd SysArabs
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات قبائل بني عقيل
This Forum used Arshfny Mod by islam servant