العودة   الموقع الرسمي لقبائل بني عُقيل - عكيل > المنتديات العامة > منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
 
 

آخر 10 مشاركات
الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
كتاب الأخبار الطوال لمؤلفه ابو حنيفة الدينوري
الوقت: 11:00 PM - التاريخ: 17-10-2017
320 533

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
اشعار شعبيه
الوقت: 01:40 PM - التاريخ: 15-10-2017
147 1477

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
ريماس هيثم اهلا بك في موقع بني عقيل عگيل
الوقت: 01:37 PM - التاريخ: 15-10-2017
0 10

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
اهلا وسهلا بك ،،، عباس العگيلي ريماس هيثم
الوقت: 05:49 PM - التاريخ: 14-10-2017
2 976

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
رجب منجود ريماس هيثم
الوقت: 05:48 PM - التاريخ: 14-10-2017
1 535

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
علي سامر ريماس هيثم
الوقت: 05:47 PM - التاريخ: 14-10-2017
1 609

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
العضو // النداوي الطائي ريماس هيثم
الوقت: 05:47 PM - التاريخ: 14-10-2017
1 54

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
العضو الكريم // محمد الطويل . ريماس هيثم
الوقت: 05:46 PM - التاريخ: 14-10-2017
1 74

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
السلام عليكم عقيلى ريماس هيثم
الوقت: 05:45 PM - التاريخ: 14-10-2017
3 114

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة مشاركات المشاهدات
قبائل وعشائر العراق ريماس هيثم
الوقت: 05:44 PM - التاريخ: 14-10-2017
1150 280398


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-02-2011, 04:00 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي العقل الجدلي وعقده


بسم الله الرحمن الرحيم


كتاب العقل الجدلي وعقده
المؤلف
نصار زغير الربيعي

الموضوع الأصلي: العقل الجدلي وعقده || الكاتب: الشناني || المصدر: قبائل بني عقٌيل

كلمات البحث

منتديات قبائل بني عقٌيل , قبائل بني عقٌيل ، عكيل





hgurg hg[]gd ,ur]i












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 24-02-2011, 04:01 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

غلاف الكتاب













عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 24-02-2011, 04:03 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

ولم يعرفوا ارتداء الملابس بعد .

وكانوا يسيرون على أيديهم وأرجلهم .

وكانوا كالخراف يعلفون الحشيش .

ومن القنوات يشربون الماء من الأسطورة العراقية القديمة

((أله الشعير - أشنان والنعجه))

ما بين البداية والنهاية : الصراع

ذاك الذي عاش بالأمس ومات اليوم .

وبطرفه عين يكتئب الإنسان، وفجأة ينسحق .

تارة يغني من فرط الفرح .

وسرعان ما هو ينتحب

والناس بين الصبح والعشية يتبدلون :

اذا جاعوا فهم كالجثث،

واذا شبعوا نافسوا الآلهة،

اذا اعتدلت أمورهم ثرثروا بالصعود إلى السماء.

واذا اضطربت تفيهقوا بالنزول إلى الجحيم من قصيدة بابلية

((سأمجد رب الحكمة))

النهاية : السلم المطلق

ستصبح الأرض بلا حياة

وفي الليالي الداجية،

في ذلك السكون ليس فيهِ

إلا الرياح العاوية

سيفزع الله من الأموات

ويسحب الموت ويغفو فيه

مثل دثار في الليالي الشاتية ; من قصيدة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب

((القصيدة والعنقاء))ـ












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 24-02-2011, 04:04 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

الإهداء

....... إلى أجدادنا الموغلين في القدم الذين لم يخلقوا لنا الحضارة فحسب . . بل حتى أجسادهم غدت لنا نفطاً أضعناه والحضارة معاً

و

....... إلى الإنسان الذي يؤمن بالارتقاء وبأنه هو الذي خلق وعيه بإطار اغترابه الجدلي وأن الحياة عنده عقل وتاريخ



نصّار الربيعي












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 24-02-2011, 04:05 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

المقدمة

الإنسان القارئ في حال مواصلته للقراءة بعقل واعٍ غير مسبق بتكوينات بنائية قبليّة يمر بثلاث مراحل متعاقبة قد تتكامل عند البعض وتنقطع عند المجموع الأكبر:

مرحلة يكون فيها القارئ متلقياً سلبياً لما يقرأ إذ انه من الممكن ان يؤمن بما يقرأ حتى لو كان بفكرتين متناقضتين، ومن ثم وعلى أساسها مرحلة يصبح فيها القارئ متلقياً إيجابياً من غير بديل، إذ انه يؤمن ببعض الافكار ويرفض البعض الآخر دون ان يتمكن من وضع بديل لما يرفض، ومن ثم على أساسها يمر بمرحلة يكون فيها (أي القارئ المفكر) متلقي ايجابي مع البديل إذ انه يبني بديل لما يرفض. وكتابي هذا هو بديل لما رفضت وهدفه هو :

تكوين صورة ذهنية لعالمنا المتغير باطار فلسفي ثابت يستوعب الابعاد الزمنية(1) والزمانية(2) الثلاثة للافراد والمجتمعات ويضمن خصوصية الوعي الاجتماعي لكل أمة والوعي الفردي لكل انسان .

فنصف الفلسفة هي القدرة على انتزاع الأسئلة من الطبيعة والمجتمع، ونصفها الآخر هو اجابة تلك الأسئلة، والتي أما ان تكون اجابة ثورية تتمثل عمليا في التاريخ بتموضع ذات او اجابة تكرارية كترف فكري والتي تتمثل عمليا في التاريخ بتموضع الموضوع ذاته كزمن مضاف، فان كانت الاجابة مخلوقة خلقا ميتافيزيقياً كانت الفلسفة مثالية ووعيها ربوي(3) بمعنى انها فكرة تولد فكرة دون ان يوجد واقع كوسيط، مثلما هو الربا مال

1) الزمنية : تطور ما بمستوى حياة الفرد (ماضيه وحاضره ومستقبله).

2)الزمانية : تطور ما بمستوى حياة المجتمع (الحقب التاريخية للمجتمع : ماضيه وحاضره ومستقبله) .

3) بالاستعانة بالمفاهيم الاقتصادية تم تسمية هذا الوعي بالوعي الربوي أنظر ص231.

يولد مال دون ان توجد سلعة كوسيط وان كانت الاجابة مصنوعة صنعاً جدلياً كانت الفلسفة واقعية(1)، والفرق بين الخلق والتصنيع هو : انه في حالة الخلق يُشيَّد البناء من مواد تُخلق أيضاً مع البناء، اما في حالة التصنيع فالبناء يشيد من مواد (مخلوقة) ومتموضعة سلفاً، وهذا هو الذي يعلل لنا قوة التدريج في البناء الجدلي باعتباره امكانيات كامنة تتمظهر باستمرار على الخلاف من البناء الميتافيزيقي الذي يتمظهر دائما بكامل إمكانياته والذي تستنفذ فيه طاقته الكامنة في لحظة البدئ والسبب يكمن في بدئه (كوعي) كلي.

ولكل فلسفة دِلائها التي تلقي بها في غياهب الموضوعات التي تعالجها لاستكشاف الحقيقة لتظهرها على السطح وتهضمها وتتمثلها عقلاً، والعقل هو نتاج قوة جدل التاريخ، أسئلة وأجوبة الانسانية عبر مسيرتها حيث كل انسان في كفاحه في مسيرة الحياة هو فيلسوف ولكن ليس كل انسان قادر على كتابة فلسفته، العقل بسيط جداً في جوهره (تكوينه) بالرغم من ظاهريته (تفاعلاته) المعقدة فهو مجموعة غرائز تزكت اجتماعيا بقوة التاريخ بعلاقة ما كاستجابة اساسية لحاجة ما نتيجة التأثير المتبادل ما بين المجموعات البشرية والتي اصبحت تُدرَك (أي العلاقة الاجتماعية التي تعبر عن الحاجة) موضوعيا فاصبحت بهذا الادراك وعياً، ثم وعلى أساس تصنيع هذا الادراك (الخلق) الذي اغتنى (أي الوعي المخلوق بدأً والمصنوع جدلاً) بالمعرفة فأصبح عقلاً، وتغذى (أي العقل) بالفن فاصبح روحاً، هذا هو العقل، تطور جدلي تاريخي للادراك، أي تحديث مستمر للروابط المعبِّرة عن الحاجات بين المجموعات البشرية، ولكن تعقيده يكمن في تقولب مجالات ادراكية متنوعة ومتناقضة في مساره الجدلي الطويل والتي جعلت من حرية الإنسان نسبيه وليست مطلقة، بمعنى عدم امكانية تجريد نفسه من التشكيلات التكوينية القبلية المعطاة في ذهنه كصورة ذاتية للواقع المصاغ الذي هو في حد ذاته تموضعات قبلية لوعي بعدي، فعلى حد تعبير هيجل(2) ((تفسير التاريخ انما يعني تصوير انفعالات البشر او

(1) لا اقصد بالواقعية هنا ما هو معروف في الفلسفة بان الكليات هي اشياء وانها تسبق الجزيئات والتي ترجع في جذورها التاريخية إلى نظرية الـمُثُل الأفلاطونية وانما أقصد بها الأسلوب التفاعلي المتأثر أولاً والمؤثر ثانياً بالواقع باطار تكوين العقل الجدلي .

(2) محاضرات في فلسفة التاريخ جـ1 العقل في التاريخ ص82 الترجمة العربية للدكتور امام عبد الفتاح امام.

الكشف عن عواطف الإنسان وعبقريته وقواه الفعّالة التي تلعب دورها في المسرح الكبير)). فالمرحلة الانتقالية لتموضع ذات باعتبارها وعي حاد ما بين وعيين لا تعني أكثر من مرحلة مؤقتة كهدنة توتر(1) مع الواقع لامتصاص ردود الفعل السلبية لاسترخاء وعي قديم (الوعي التطابقي)(2) وشد وعي جديد (الوعي البعدي)، فالحركة دليل على وجود موازنة قلقة لقوى كامنة تطلب واقع موضوعي جديد لأن الاطار العام للواقع المصاغ الذي يمثله الوعي التطابقي أضيق من ان يستوعب نضوج ونموّ هذه المتطلبات التي يمثلها الوعي البعدي، حيث ان كل ما هو موضوعي (قائم) أمام الذات هو تموضع قبلي لوعي بعدي، فالذات (أي ذات سواء أكانت ذات عارفة أم ذات فاعلة) لا تنقل الواقع الموضوعي كما هو في الواقع وانما كما تتمثله هي في الذهن، وهذا التمثل هو التكوين الذاتي ويُمثل الفهم الذاتي لما هو موجود فعلاً، فهو درجة وعمق إدراك الذات للعقل الموضوعي باعتباره فهم بالمعنى العريض والفهم الذاتي باعتباره عقل بالمعنى الضيق، هذه العملية (التمثل الذاتي للواقع) لا تمثل عملية التفكير ككل وانما تتضمن فقط حركة ذاتية للفهم من الواقع إلى الذهن (الذات العارفة او الذات الواعية) وهي تكون بمثابة سؤال فقط او علامة استفهام ذهنية ذاتية تمثل نصف عملية التفكير، والتفكير ككل لا يكون تفكيراً مالم يتم تنقيط هذا الاستفهام والذي يتضمن حركة ذاتية للفعل من الذهن إلى الواقع (الذات الفاعلة) باعتباره (أي التفكير) تفعيل موضوعي لقوة الامكان الذاتية. فالعقل هو الوجود الموضوعي لعملية الفهم، أما الفهم في حد ذاته فهو عقل ذاتي، بتعبير أدق العقل هو الفهم العام في تفاعله التاريخي أما الفهم فهو عقل خاص. ويتعين موضع الإنسان في التاريخ زماناً ومكاناً في اطار من العقل الكلي المختلف ذاتياً في غناه ومضمونه، لأن الواقع في جوهره تموضعات قبليّة لذوات تاريخية بعدية الوعي والذي يكمن فيه القطب الأول من قوة جدل التاريخ في آخر تموضع لذات فاعلة، وهذا القطب هو المؤثر الكامن المكنون(3) ويمثل مسيرة الإنسان الجدلية في أي

(1) أنظر المثلث المزدوج للدافعية في هذا الكتاب ص153.

(2) أنظر الدرجات المختلفة للوعي ص100.

(3) انظر المقياس الذهني وفلسفة التاريخ ص204 وسيتضح جدل التاريخ بقطبية المؤثر الكامن المكنون والمحرك الكامن المطلوب في أمكنة متعددة من هذا الكتاب.

مرحلة من مراحل تكوينه العقلي التموضعي، فهو الواقع كما هو موجود في آخر تشكل لـه باعتباره تحقيقاً موضوعياً لذات فاعلة وادراكاً جمعيا لـه بذوات عارفة. والذات الفاعلة تمثل القطب الثاني من جدل التاريخ وهو المحرك الكامن المطلوب (2) لأنها تجعل من ذاتها موضوعاً معروفاً يُدرَك من قبل الذات العارفة، وهذا هو التحقيق الموضوعي لوعي بعدي، وهذا التحقيق هو تثوير الوعي المصاغ بثورة الذات الفاعلة التي تخرج من اطار الانا إلى النحن في تموضعها. وكل هذا التفاعل والتأثير المتبادل ما بين العقل والتاريخ هو نتاج تموضع جدلي للخبرة الذاتية في نـموّها التاريخي على امتداد مسارها الزمني، فالخبرة لو أعدلنا وأنصفنا هي إله يتمشى على الأرض لأنها هي الحقيقة الموضوعية ومعيارها في آن واحد في كل مستوى من مستويات تطور الإنسان الجدلي على الأرض.

وحرية(1) الإنسان مرت وما زالت تمر بمستويين مختلفين من حيث جوهر العلاقات العقلية للانسان هما: حرية المعرفة وحرية الوعي. فحرية المعرفة هي معرفة الضرورة كما هي موجودة في الواقع والمتمثلة بالقوانين الموضوعية لأنها استكشافات ذات طابع قسري في العقل، لأنه يجب ان يعرفها كما هي لا كما يريد عن طريق استكشافها والتي تؤدي إلى المدنية وهي عالمية تخرج من اطار المجالات الجذبية للواقع الجدلي لتماثل بطانة الطبيعة الموضوعية التي تتفاعل معها. أما حرية الوعي فهي وعي الصورة المستقبلية لما هو موجود، وهي القدرة على التحرر والتجاوز الجدلي لما هو مصاغ من علاقات بعلاقات أعمق وأشمل وأكثر تطوراً والتي تؤدي إلى الحضارة.

ان محتوى عقل الإنسان هو حريته بجانبيها : المعرفة والوعي، فجانب المعرفة من العقل يمثل علاقات الإنسان مع الطبيعة والمدنية الترجمة العملية لها وجانب الوعي من العقل يمثل علاقات الإنسان مع الإنسان والحضارة الترجمة العملية لـه، ويوجد برزخ عقلي لا ينتمي للمعرفة ولا إلى الوعي وانما يمثل نقاط عقدية سكونية للاغتراب يسترخي عندها النمو العقلي في شده نحو الواقع في جانبي الوعي والمعرفة. هذا التميز لجانبي العقل مهم ايديولوجيا وقد أعانني على اجابة سؤال كان يشغل ذهني دائماً هو: هل يمكن تكوين مقياس ذهني محصله أممي للانسانية جمعاء؟ وكانت الاجابة عن طريق الاستعانة بالاطار الفلسفي لهذا الكتاب:

نعم. يمكن تكوين مقياس ذهني محصله معرفي (وحده مدنية) للانسانية جمعاء لان المدنية حاجة انسانية لا تنتمي إلى أمة ومجردة من خصوصية الوعي المحيطي(2) لأنها نتاج مجرد من ضغط المكان والتاريخ الخاص(3).

كلا. لا يمكن تكوين مقياس ذهني محصلة نفسي (وحده حضارية) للانسانية جمعاء لأن الحضارة وجود انساني ينتمي إلى أمة دون أمة وهي نتاج تاريخي عقائدي. هنا يكمن المفترق الأممي بلا معترك في التكوين العقلي للمجتمعات الانسانية والذي يتمظهر في الواقع (أي المفترق الحضاري) بمختلف اشكال التفكير الفلسفي وتناقضاته المشروعة بوصفها مفاهيم عقلية دون ان تنطلق من ذات عقلية معينة متموضعة سلفاً كتجريد عام مطلق للمجتمعات وانما كذات عقلية تعبر عن الفهم الذاتي باطار مجالاتها الجذبية (البيئوية) المتنوعة التي فرضها جدل التاريخ على التكوين العقلي للمجتمعات الانسانية والتي آلت إلى هذا التنوع في التفكير الفلسفي.

(1) أنظر ص232 الحرية والدولة في اطار تكوين العقل الجدلي.

(2) للدقة اقترح استخدام مصطلح الموضوعية فقط لجانب (تموضع) المعرفة من العقل (أي استكشاف الطبيعة) والمحيطية لجانب تموضع الوعي.

(3) جورج سارتون الذي يُعتبر حجة في تاريخ العلم يقول ((فمن سذاجة الاطفال ان نفترض ان العلم بدأ في بلاد الاغريق، فان (المعجزة) اليونانية سبقتها آلاف الجهود العلمية في مصر وبلاد ما بين النهرين وغيرهما من الأقاليم، والعلم اليوناني كان احياء أكثر منه اختراعاً. تاريخ العلم جـ1 ص20)).

الاطار العام يكمن في وحدة الوسيلة للمسار الجدلي ولكن التباين يكمن في الغايات باعتبارها المحتوى الذي يتحرك داخل هذا المسار، هذا المسار الجدلي حسب التعبير الوصفي لستيفن روز وآخرين(1) ((التفسير التبسيطي يحاول استقاء خصائص الكليات من الخصائص الجوهرية للاجزاء، وهذه الخصائص الأخيرة توجد معزولة عن الاجزاء وقبل تجميعها في بنية مركبة، ومما يميز النظرة التبسيطية هو انها تخصص أوزانا نسبية للاسباب الجزئية المختلفة وتحاول تقييم أهمية كل سبب بتثبيت كل الاسباب الأخرى مع تغيير عامل واحد. أما التفسير الجدلي فلا يقوم بتجريد خصائص الجزئيات وهي معزولة عن ترابطاتها في الكليات، وانما ينظر إلى خصائص الجزئيات باعتبارها نابعة من ترابطاتها أي ان خصائص الجزئيات والكليات حسب النظرية الجدلية تتشارك في ان احدهما يحدد الآخر، وخصائص الأفراد من الكائنات البشرية لا توجد معزولة، ولكنها تنشأ نتيجة الحياة الاجتماعية، على ان طبيعة هذه الحياة الاجتماعية، هي نتاج كوننا من البشر واننا لسنا مثلاً من النبات. ويتبع ذلك ان التفسير الجدلي يتباين مع أساليب التفسير الثقافي او الثنائي التي تفصل العالم في أنماط مختلفة من الظواهر – كالثقافة والبيولوجيا، والعقل والجسم – مما ينبغي ان يفسر بطرائق مختلفة تماماً وغير متداخلة. وتسعى التفسيرات الجدلية إلى تقديم وصف أحادي متماسك للكون المادي ولكنه وصف غير تبسيطي، فالكون بالنسبة للجدليين كون أحادي ولكنه في تغيير دائم، والظواهر التي نراها في أي لحظة هي أجزاء من عمليات لها تاريخ ومستقبل ومسالكها مما لا يتحدد على نحو متفرد بوحداتها المكونة لها. والكليات تتكون من وحدات يمكن وصف خصائصها، ولكن التفاعل بين هذه الوحدات لتكوين الكليات، تنبثق منه تركيبات تؤدي إلى نواتج تختلف كيفياً عن الاجزاء المكونة، ولننظر مثلا لما يحدث عند خبز الكعك: ان مذاق المنتج هو نتيجة التفاعل المركب ما بين المكونات – مثل الزبدة والسكر والدقيق – التي تعرضت لدرجات عالية من الحرارة لفترات مختلفة، ولا يمكن تحليل هذا المذاق إلى نسبة كذا او كذا من الدقيق، وكذا او كذا من الزبدة، الخ، رغم ان أي مكوّن من هذه المكونات (مع ما يجري عليه من تطور عبر الوقت بالحرارة المرتفعة) لـه إسهامه في صنع المنتج النهائي، وعالم كهذا، يحدث فيه دائما هذا النوع من التفاعلات التطورية المركبة، تُصبح للتاريخ فيه أهمية عظمى فمكان الكائن الحي الآن وكيفية وجوده الآن أمور لا تعتمد على تركيبه في هذه اللحظة فحسب، وانما يعتمد على الماضي الذي يفرض امكاناته على تفاعل مكونات هذا الكائن حاضراً ومستقبلاً)).

(1) علم الاحياء والايديولوجيا والطبيعة البشرية ص23-24 الترجمة العربية للدكتور مصطفى ابراهيم فهمي.

ان هذا الكتاب في مستواه الحالي هو ليس محتوى قطعي دوغمائي لفكرة معينة وانما هو اطار تكويني عام للعقل الجدلي يستوعب أكثر من مكان وأكثر من زمان وأكثر من انسان وأكثر من مجتمع بابعادهم الثلاثة: الماضي كوعي قبلي والحاضر كوعي تماثلي والمستقبل كوعي بعدي.

وأوضح فيه بعض النقاط:

أولا – ان معظم الافكار التي تتحدث عن الفرد والمجتمع تشترك بالأخطاء الأربعة التالية:

الانطلاق من الإنسان كمفهوم مطلق تجاه أي توظيف نظري سواء أكان داخل الأمة الواحدة او تفاعلاتها مع الأمم الأخرى، أي دون النظر اليه من ناحية الإنسان الجاهل أم العالم، الإنسان الأمي أم الفيلسوف، الإنسان العربي أم الانكليزي... الخ. يعني عدم وجود نظرية تستوعب الدرجات المختلفة للوعي داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات معاً، فعلى سبيل المثال ان (المشكلة) الجوهرية للعقل العربي هي التكوين التاريخي للعقل العربي نفسه حيث انه (تتصارع) بداخله بقوة قوتان لا يمكن للعقل ان يتجاوزهما بسهولة وهما وعيه الجدلي وهو ما يفرضه عليه الواقع من وعي ووعيه الروحي وهو ما ورثه من وعي عقائدي بكامل تكوينه، انه (صراع) المعقول والمنقول فالعقل الغربي استطاع ان يتجاوز هذا الصراع بسهولة لهشاشة وعيه الروحي والذي اقترب من اللاهوت(1) في القرون الوسطى وهي المرحلة السابقة لعصر النهضة الأوربي والذي بلغ أعلى درجاته في صكوك الغفران ومحاكم التفتيش فاغتنى بالمعرفة كبديل قوي لقوة فقره الغيبـي فبنى مدنية عظيمة دون ان يبني حضارة، وعاد إلى الغيب او يحاول ان يعود من جديد وباسلوب المدنية ذاته فخلق إلهاً مدنيا (غيب) هو الصحون الطائرة، أما بالنسبة للعقل العربي فأمامه طريقان لا ثالث لهما في امكانية تجاوزه لمشكلته الجوهرية فهو: أما ان يستمر في نموه بان يدخل (صراعه) هذا في دائرة جدل المعقول والمنقول حيث يكون فيه التفاعل غربال يغربل فيه المنقول بقوة المعقول ويتمثل روحه في مساره الجدلي والعقل العربي يغترب عن ذاته ومجتمعه وتاريخه أكثر فأكثر كلما ابتعد عن دائرة جدل المعقول والمنقول. او ان يتوقف عند النقاط العقدية للبرزخ العقلي ليجعل منها وسادة يتكئ عليها ليستمر على ما هو عليه من غفوه.

(1) يقول ول ديورانت ((لقد القت الكنيسة بعقيدة محدودة ومحددة طوقت بها العقل الأوربي اليافع في العصور الوسطى وأحاطت هذه العقيدة العقل الأوربي كما تحيط الصدفة الحيوان البحري الصغير في داخلها، قصة الفلسفة ص133 الترجمة العربية للدكتور فتح الله محمد المشعشع)).


عدم الفصل ما بين عمومية التفكير المجرد (العلوم، المدنية) وخصوصية التفكير الإيديولوجي (المجتمع، الحضارة) ضمن خط فلسفي واضح لا يقبل الخلط وهذا أدى إلى نتائج إيديولوجية خطيرة كتبرير الغرب للاستعمار مثلاً على أساس عدم الفصل هذا من حيث ندري او لا ندري ومثال ذلك رسالة الرجل الأبيض، فالمدنية لا تتعدى أكثر من مراسيم (جمهورية) وأرصدة في المصارف.


الأفكار مجردة من الوعي التاريخي كبعد ديالكتيكي (جدلي) لا يمكن فصله عن الفرد والمجتمع، فماركس مثلاً يختار من التاريخ قوى الانتاج ويعتبرها البناء التحتي وكل اشكال الوعي ظواهر (بناء فوقي) وهذا سلب لانسانية الإنسان.


التعصب: تجميد الوعي باعتبار ما هو موجود هو الحالة النهائية وعدم اعطاء مرونة لامكانية الوعي المستقبلي.

ثانياً – مسألة العلاقة ما بين الذات والموضوع وكيفية انتقال الفعل القيادي من الموضوع إلى الذات حيث يمكن تمثل ذلك بالغدد الصماء (كموضوع) والجهاز العصبي (كذات) حيث ان الغدد الصماء تؤثر في نمو الجهاز العصبي في فترة مبكرة من حياة الفرد إلا ان الجهاز العصبي في آخر الأمر هو الذي تكون لـه القدرة على توجيه وقيادة الغدد.

ألخص ((فكرة)) الكتاب بالايجاز الشديد التالي :

لكي يكون الإنسان موجوداً وجوداً فاعلاً (بمعنى يمتلك وعي بعدي) عليه ان يتجاوز واقعه بالمفارقة الديالكتيكيه للوجود الشكلي (مفارقة الوعي التطابقي او التماثلي) عن طريق التكوين المستمر للصورة البعدية للوعي. لأن (العدم) في تاريخ الفرد شبيهاً بالعدم في تاريخ المجتمع مناخ طبيعي لبذور الميتافيزيقيا والاغتراب لكونه (أي العدم) يمثل استمرارية الوعي القبلي، فالوجود الحقيقي (بمعنى المجال الذي يحقق فيه الإنسان انسانيته والمتمثل بوعيه البعدي) وجود غير موجود في كل آن أي دائماً وجود في المستقبل، أما وعي الممارسات الحياتية اليومية فهو وعي شكلي يمثل وسائل خلق امكانية الوعي الحقيقي، لذا ان العلاقة الديالكتيكية (الجدلية) للذات مع الموضوع لا تتحدد بتكوين صورة ذهنية عقلانية للواقع فحسب، بل يجب ان تكون تلك الصورة مفارقة ديالكتيكياً للواقع عن طريق تكوين الصورة البعدية للوعي، فعلى حد تعبير هيجل(1) ((ان الزمان هو العنصر السالب Negative في العالم المحسوس، والفكر هو نفسه قوة السلب، لكنه أعمق صورها، أعني صورتها اللامتناهية التي ينحل فيها كل وجود بصفة عامة. اذ ينحل أولاً الوجود المتناهي، أعني الصورة المحدودة المتعينة، لكن الوجود بصفة عامة، في طابعه الموضوعي، محدود؛ لذلك يظهر بوصفه معطى فحسب، أعني كشيء مباشر، وسلطة، وهو أمّا متناهي او محدود داخلياً او يتمثل بوصفه حداً للذات المفكرة، وتفكيرها اللامتناهي هي في ذاتها (أعني التجريد اللامحدود) )).

(1) محاضرات في فلسفة التاريخ جـ1 العقل في التاريخ ص154 الترجمة العربية للدكتور أمام عبد الفتاح .

أخيراً وفيما يتعلق بكتابي هذا أقول :

أولاً – ان البنية الاساسية للكتاب كله والتي تمثل بناءه الجدلي هي ان المجتمع في تطوره يمر بعدة مراحل متتابعة أسميتها حلقة الموضوع الكبرى في آخر تكوين لها (أنظر مرفق ص64) والفرد أيضا يمر في تطوره بذات المراحل المتتابعة والتي أسميتها حلقة الذات الكبرى في آخر تكوين لها (أنظر المخطط ص51) وتوجد علاقة بينهما، وهذه العلاقة تمثل الدرجات المختلفة لوعي الأفراد في المجتمع في مساراتها المختلفة بتكوينها التاريخي (أنظر المخطط ص100).

ثانيا – من المستحيل ان توجد نظرية نفسية فلسفية تستوعب نفس الإنسان كلها بما فيها من تعقيد في تكوينها الشخصي والتاريخي فعلى حد تعبير هيراقليطس
(540 – 475 ق.م): ((انك لن تستطيع ان تكتشف حدود النفس، حتى لو سلكت إلى ذلك كل سبيل، وهكذا يكون عمق معناها))(1) ولكن لكل نظرية جانبها في البحث في النفس والتي تلقي فيها نورها لاستبيان واستخراج مكنوناتها، وكلما كانت الساحة التفسيرية للوقائع ضمن اطار النظرية كبيرة كانت (أي النظرية) أكثر عقلانية والتصاقاً بالواقع.

(1) فرحان : النفس الانسانية ص63.

ثالثاً – أوضح بان كثرة المصطلحات الجديدة للافكار التي يتضمنها الكتاب لا تتعدى أكثر من اطلاق اسم معقول على فكرة نمت ونضجت واشتد ساعدها وتبينت حدودها وعلاقاتها وتأثرها وتأثيرها بما يحيط بها، مثلها في ذلك مثل الاسم الذي نطلقه على الوليد – بعد سلسلة من عمليات النمو والتكوين واستبيان الحدود – فالذكر لا نسميه كريمة والانثى لا نسميها كريم وان فعلنا ذلك كانت التسمية غير معقولة، ولكن يمكن ان نطلق عليهما، صباح، نجاة، وهذا ما يخلق اللَبْس دون معرفة الموضوع مباشرة، وهو ما تحذرت منه قدر الأمكان في اطلاق التسمية (المصطلح) لكل وليد جديد في تكوين العقل الجدلي وعقده بحيث جعَلت التركيب اللفظي للمصطلح يعبر عن أقصى درجة من الامكان للروح التعبيرية لـه.

رابعاً – أبيِّن ان الغرض من نقلي لعدد من النصوص من المصادر المثبتة في آخر الكتاب بحذافيرها دون أي معاملة مني وذلك لزيادة أفكار الموضوعات المختلفة داخل فضاء ذهن القارئ لتسهل عنده عملية ادراك افكار الموضوعات التي أريد ان يعرفها من خلال الربط بينها جميعاً – وبجدليته هو – ربطاً جدلياً.

خامساً – أتمنى من القارئ ان يتصفح الكتاب ككل وخاصة المخططات ليخلق جواً من الألفة بينه وبين المصطلحات والافكار المطروحة بحيث يبقى لكل منها شيء ما عالق في ذهنه وهو يقرأ الكتاب القراءة المتدبرة.

سادساً – ان هذا الذي كتبت ليس هو ما أريد كتجريد عام وانما ما هو قائم فعلاً بفعل قانون التأثير المتبادل ما بين العقل والتاريخ في مسارهما الجدلي.

سابعاً – آخر ما أريد ان أقوله في هذه المقدمة هو: لقد أمات نيتشه الله من فوق مرتفعات جبال الهمالايا وأمات من قبله كانت الإنسان عندما جعل الشيء في ذاته عصي على المعرفة البشرية فنحن بحاجة إلى فلسفة نحيي بها الله والانسان معاً.

نصار زغيّر الربيعي الأحد في 18 / ذو الحجة / 1422 هـ

3 / 3 / 2002 م

nassarzalrubaey@hotmail.com العراق / النجف الأشرف / الكوفة بريد الكوفة ص ب 192












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 24-02-2011, 04:05 PM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

مدخل

ان التأثير المتبادل في التفاعل التاريخي للافراد في مجُتمعاتهم يجعل من مراحلهم التطورية صورة مصغرة للمراحل التطورية لمجتمعاتهم(1) والتي يكون فيها الفرد روح المجتمع والمجتمع روح التاريخ والتاريخ معبد يؤدي فيه الفرد والمجتمع طقوسهم الروحية فالفرد والمجتمع والتاريخ هو الحياة والحياة التي هي الماضي اللامتناهي معيار للحقيقة والحياة بوصفها مختبر لقانون التأثير المتبادل ما بين الخبرة والممارسة والعقل والتاريخ تكون بمثابة كتاب كبير: أوراقها الأيام، حبرها الأشياء، قلمها قوانين الطبيعة والمجتمع وكاتبها الإنسان.

1) أنظر هامش 3 ص 58 .

جدل التاريخ للفرد والمجتمع يجعل مطلقية نسبية الوعي نتاج مطلقية الزمن المضاف وليس نسبية القدرة العقلية.

الحياة هي الحركة، والبويضة عندما تتوقف عن الحرّاك لاستقبال الحيمن تشيخ وتذبل ولكن مجرد تخصيب الحيمن المتحرك لها تبدأ الحياة.

وعي المجتمع نتاج تغيير الواقع، وتغيير الواقع نتاج عبقرية انسان، لذا دائماً وأبداً الحياة هي صراع الإنسان مع لغز الطبيعة والمجتمع وذاته ويستمر هذا الصراع إلى ان ينتهي لغز الطبيعة والمجتمع في الإنسان ولغز الإنسان في ذاته.

والفكر الشمولي (المادي والمثالي والمدارس الفلسفية المشتقة والمنشقة عنهما) تسعى وستبقى تسعى إلى الأبد لمعرفة هذا اللغز الأكبر، وسيبقى الفكر الشمولي سرمدي ذاتي (بمعنى انه صورة ذاتية لا موضوعية) وسيبقى اللغز الأكبر سرمدي موضوعي (بمعنى انه وجود موضوعي لا ذاتي).

في الحياة ليس مهماً ان يكون الإنسان مثالياً او مادياً ولكن المهم ان يكون واقعياً بمعنى ان صراع الذات مع الموضوع صراع انتماء لا صراع اضافة.

الحياة هي مسيرة الإنسان عبر التاريخ، وهي مسيرة التأثير المتبادل بدافع الحاجة او الكف المتبادل الذي ينتج تفاهم متبادل ولكل مسيرة أسلوبها وطبيعة توظيفها لخبرة التأثير المتبادل، وهي رحلة من الإنسان المتفرد المجرد إلى الإنسان المتفرد المنتمي، زمنها حياة الإنسان كتكوين جدلي ومكانها مجاله الجذبي، والقوة الدافعة لها هي وعيه البعدي والتي في تموضعها تمثل تحقيق الرغبة عن طريق الخبرة (أي عصرنة الوسيلة). وسيبقى مجال انسانية الإنسان سواء أكان بربرياً همجياً أم عالماً فيلسوفاً هو مدى الاتساق والتناغم التاريخي لا مكانياته البيولوجية ومكنوناته المؤثرة الكامنة مع العوامل الموضوعية (محركاته) في مجاله الجذبي عبر قناتي مبدأ جدل التاريخ (المؤثر الكامن المكنون والمحرك الكامن المطلوب)، وحرية الإنسان الحقيقية تقاس بمدى حركته في مجاله الجذبي، ولا يمكن تصور الحرية بصورة مجردة عن المجتمع، فالانسان الذي يغترب عن مجتمعه يفقد حريته الحقيقية لأنه يفقد المجال الجذبي التاريخي الذي يتحرك فيه، فالانسان يفقد حريته عندما تتغلب القوى الطاردة على قواه الدافعة في مجاله الجذبي، ولأهمية الاغتراب باطار تكوين العقل الجدلي باعتباره كأسلوب لفهم مسارات حركة الافراد داخل المجتمع يمكن توضيحه (أي الاغتراب) بالمخطط شكل رقم -1- لأنه سوف يعيننا على فهم مواضيع لاحقة للعقل الجدلي.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 24-02-2011, 04:06 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي













عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 24-02-2011, 04:07 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

فهرس المحتويات

الموضوع

الصفحات

قصائد شعرية .............................................

المحتويات .................................................

الاهداء .................................................. .

المقدمة .................................................. .

مدخل .................................................. .

القسم الأول : تكوين العقل الجدلي

المحاور .................................................. ..

مقاييس النمو النفسي (الوعي) .............................

المقياس الفطري الغريزي....................................

المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي)...................

المقياس الذهني المركب (الوعي القصدي) ....................

المقياس الذهني المذهبي (الوعي الابداعي) ....................

حلقة الذات الكبرى .......................................

حلقة الموضوع الكبرى ....................................

ملاحظات لابد منها لاستيعاب مبدأ جدل التاريخ ...........

تطور البشريات (الهومنيدات) ..............................

الاسترالوبيثكس ...........................................

البيثكانثروبس ............................................

النياندرتال ................................................

الانسان العاقل ............................................

الوعي والشعور ...........................................

الوعي .................................................. ..

ملاحظات عن الذهن داخل وخارج المقياس .................

الشعور............................................ .......



القسم الثاني : اضطرابات العقل الجدلي

الكبت الشعوري ..........................................

المقياس الذهني والاضطرابات النفسية والعقلية (الشيزوفرينيا والعقد)....

الدافعية ..................................................

تمظهر ما هو مكبوت (سواء أكان عصابياً أم ذهانياً) هل هو نتاج النكوص أم التدفق؟ اجابة التساؤل وفقاً للنقد الجدلي لنصوص فرويد ......

القسم الثالث : صراعات العقل الجدلي

الخزين العقلي للانسان (أقيسة الوعي والمعرفة)................

المقياس الذهني وفلسفة التاريخ..............................

المقياس الذهني والمعرفة الزائفة (الاغتراب الروحي)............

الحرية والدولة في إطار تكوين العقل الجدلي .................

قائمة المراجع والمصادر.....................................

فهرس المحتويات......................................... ...

فهرس المخططات .........................................

ملخص باللغة الإنكليزية مع بعض مخططات توضيحية.........



فهرس المخططات

المخطط

الصفحة

شكل رقم -1- مخطط عام الاغتراب

22 – 23

شكل رقم -1- مخطط حلقة الذات الكبرى

51

شكل رقم -2- مخطط عام للتطور الاجتماعي الجدلي (حلقة الموضوع الكبرى)

مرفق ص 64

مخطط عام لتوضيح الدرجات المختلفة للوعي في المجتمع

100

مخطط الكبت

115

مخطط الكبت

132

مخطط هدنة التوتر

143

مخطط توتر الإمكانية

144

مخطط توتر الفعلية

145

شكل رقم -1- مفصل مخطط المثلث المزدوج للدافعية

153

مخطط المثلث المزدوج لتوتر الإمكانية

156

مخطط المثلث المزدوج لتوتر الفعلية

156

مخطط المثلث المزدوج لتوتر التوتر

157

مخطط المثلث المزدوج لتوتر الإمكانية

162

مخطط المثلث المزدوج لتوتر الفعلية

162

مخطط المثلث المزدوج لتوتر التوتر

163

مخطط المثلث المزدوج لهدنة التوتر

165

مخطط المثلث المزدوج لهدنة التوتر + المثلث المزدوج لتوتر الإمكانية

166

مخطط المثلث المزدوج لتوتر التوتر

166

شكل رقم -1- مخطط عام لمفترق جدل التاريخ

214

شكل رقم -2- مخطط عام لمسارات حركة الافراد داخل المجتمع.

219












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 24-02-2011, 04:10 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

القسم الأول: تكوين العقل الجدلي
-1 -

المحاور والمقاييس :ـ

المحاور :ـ

المحور الأول: لمن الولاء في حياة الإنسان؟ أ للمقياس الذهني كوعي جدلي (مكتسب إيجابي نتيجة التفاعل التاريخي مع الواقع) أم كوعي ميتافيزيقي (مكتسب سلبي نتيجة النقل والتقليد)!!! ؟.

بالتأكيد الولاء للسلطة الذهنية كوعي جدلي وهذا واضح حتى في المجتمعات البدائية حيث يقتل البدائي طوطمه (ربه) حين تقسى عليه بيئته، فعلى سبيل المثال الرجل من قبيلة مونت جامبير (Mount Jambier) في جنوب استراليا لا يأكل طوطمه الا اذا اشتد به الجوع، واذا أكله أسف واستغفر والعربي قبل الإسلام الذي يصنع صنمه الذي يعبده من التمر يأكله عندما يجوع ((فليس يستغرب ما قيل من ان بني حنيفة عبدوا إلهاً من حيس ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال بعضهم :

أكلت حنيفة ربهـــــا
لم يحذروا من ربهم

زمن السقم والمجـــــاعة
سوء العواقب والتباعة))(1)
ـ

(1) خان: الاساطير والخرافات عند العرب ص86.

ومن الطريف أن اذكر إن الكابتن الإنكليزي كوك عندما وصل هو وجماعته إلى جزيرة هاواي في السابع عشر من كانون الثاني سنة 1779 (كانوا يحملون معهم قطعة كبيرة مستطيلة من قماش الطابا تتدلى من عارضة صليب مرفوع على عمود خشبي، وينتصب فوق الصليب صنم خشبي صغير ولما أبصر أهالي هاوائي سفن جيمس كوك قادمة من بعيد لاحظوا الشبه القائم بين أشرعتها وبين الآله ماكا هيكي كما يسمى هذا الصنم وشعاره، وقد جاء وصول كوك مصدقاً لنبؤة كان أهالي هوائي ينتظرون وقوعها، وعندما نزل إلى البر وسار إلى الحظيرة الملكية ليمثل بين يدي ملك الجزيرة الرفيع الشأن خرَّ الناس أمامه ساجدين. أما سبب هذا التقدير العظيم كما تقول الروايات المتأخرة، فهو ان أهالي هوائي حسبوا الكابتن كوك الهاً من آلهتهم الغائبين يعود اليهم،ولكن كوك لم يعرف أنذاك جلية الأمر، وعلى الرغم من أن أهالي هوائي رأوا في كوك إلهاً من آلهتهم، فأن ضمائرهم لم تمنعهم من ان يسرقوا من سفنه كل ما استطاعوا سرقته من الأدوات المعدنية ... حتى لقد فقد الملك سيطرته على الغوغاء المحتشدين وقتل الكابتن كوك بخنجر حديد جاء به هو نفسه إلى الجزيرة))(1) .ـ

(1) كون: قصة الإنسان، منذ ظهور الإنسان الأول إلى الحضارة البدائية وما بعدها، ترجمة محمد توفيق حسين، عبد المطلب أمين ص220.

وما استغفار الإنسانية المستديم الا تعبير عملي عن سيادة السلطة الذهنية كوعي جدلي (ديالكتيكي) ولكن يفتقر إلى الارادة التي هي وعي الوعي الجدلي لكي نتخطى ثنائية السلطة الذهنية.

المحور الثاني : ما المؤثر الكامن المكنون والمحرك الكامن المطلوب للجدل التاريخي؟

لكي نستوعب التاريخ باطار التفاعل الجدلي لابعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل كقوى كامنة فيه، يجب التمييز بين انسانية من الصعب جداً ان تخلق فكرة
(او حتى كلمة) وانسانية من الصعب جداً ان تختار فكرة (او حتى كلمة) من بين (حزم) الافكار والكلمات بسبب تزاحمها وصراعها وتناقضاتها ذهنياً وموضوعياً، هذا هو بكل بساطة جدل التاريخ أي جدل التاريخ المؤثر الكامن المكنون المتمثل بالتكوين التاريخي لعملية الخلق الأول والمحرك الكامن المطلوب المتمثل بالتكوين المستقبلي لهذا الخلق، أي عملية خلق الخلق وهذا هو تثوير الروح (الوعي)، فالمعيار التاريخي هو نسبي نسبة لزمان ومكان الإنسان وثراء جدله التاريخي.

المحور الثالث : ما هي الأواصر التي من الممكن ان تكون موجودة داخل المجتمع والتي تمثل مسارات حركة الافراد فيه من ناحية العلاقات القائمة بين الوسائل والغايات؟

توجد أربع أواصر (أي أربع مسارات لحركة الافراد داخل المجتمع) ضمن اطار تكوين العقل الجدلي:ـ

أولاً- آصرة الوسيلة – الغاية هذه الآصرة الجدلية (الديالكتيكية) هي الارادة الفاعلة في المجتمع والتي تمثل عوامل تفعيله كتحديث مستمر لا ينضب لمسار جدل التاريخ الذي تسير فيه الحقيقة التاريخية للمجتمع، والتي تمثل الوعي البعدي لـه وتكمن ديناميكيتها بالعصرنة الشرعية لها لا لإلغائها وانما لاضافة حلقات جديدة بواسطة البطل التاريخي الذي يقوم بالكشف او الخلق الجدلي لوسائل تفعيل مجتمعه بتموضع وعيه البعدي، وتطور المجتمع هو تحقيق الاستجابة التماثلية الجمعية مع ما هو متحقق فعلاً من تموضع لذات بعدية الوعي ولكن استمراريتها بلا فعالية (توقف النمو، ستاتيكية الوعي) تمثل سكونيتها (أي خلودها كقالبية مطلقة) وعصرنة التاريخ تعني ديناميكية هذه الآصرة، باختصار شديد تمثل مسار حركة الافراد الذين يؤمنون بالتكوين التاريخي للعقل الجدلي والذين الحياة عندهم عقل وتاريخ.ـ

والفرد التاريخي في هذا المستوى من الحركة في مسار آصرة ديناميكية الوسيلة – الغاية(1) يتحرك حركة إبداعية بوعيه البعدي والتي تكون محور لحركة الآخرين كاستجابة تماثلية جمعية لوعيه، فهي حركة البطل التاريخي الذي يتحرك بحركته الآخرين، وفي بداية هذا المسار الذاتي المتفرد يعيش البطل التاريخي حالة اغتراب جدلي تسبق تموضع وعيه البعدي، وفي تموضع وعيه تكون حركة الآخرين في مسار آصرة الوسيلة – الغاية الاستاتيكية كاستجابة تماثلية (تطابقية) لتموضع الوعي البعدي لحركة البطل التاريخي.

(1) سيأتي توضيح المسار الديناميكي والاستاتيكي لهذه الآصرة والفرق بينهما وكذلك المسارات الأخرى.

ثانياً – آصرة الغاية – الوسيلة: هي الآصرة الدوغمائية، الاغتراب الداخلي النسبي، مسار السلفية، والتي تمثل آصرة جدلية قبليّه، تجاوزها الواقع، الغاية القصوى في هذا المسار هي تحقيق وسيلة قبليّه كانت ضمن مجالها الجذبي مرحلة لواقعها في مسار جدلها التاريخي،وهي مسار حركة الافراد الذين يؤمنون بان التاريخ يعيد نفسه وبمستوى مفردات الحياة اليومية التقليدية للانسان تعني هذه الآصرة الطموح الذي هو الرغبة في محاولة الوصول إلى ما وصل اليه الآخرون.

ثالثاً – آصرة الغاية – الغاية (انعدام الوسيلة): هي الآصرة الميتاريليتيه (ما وراء الواقع Meta reality)، مسار الاغتراب الداخلي المطلق والمتمثل بالتبني للفكر الخارجي الذي لا يمت باي صلة للمجال الجذبي لواقع الإنسان والمجتمع، وهي مسار حركة الافراد الذين يؤمنون بتطور الحياة ولكنهم عاجزون عن خلق أو كشف عوامل التطور لمجتمعهم.

رابعاً – آصرة الوسيلة – الوسيلة (انعدام الغاية): وهي الآصرة الوثنية مسار البهائم والمتمثل بالوعي الغريزي (الهيدونية: حب اللذة وبغض الألم) وهي مسار حركة الأفراد الذين يتحركون بلا فعالية كقطيع منفعل سلبي ولا يتعدى مدى مسارهم مدى مجالهم الحسي، باختصار شديد انه الإنسان الدمية، هؤلاء الناس الدمى تحركهم خيوط مرتبطة بالمسارات الأخرى لتجردهم من أي غاية بعدية يريدون تحقيقها او قبليّه يريدون الرجوع اليها او تطابقية يريدون تمثلها، حيث ان حركتهم تكون بزخم حركة (أبطال) المجتمع يتدحرجون تدحرج الكرة عندما تدفع بقوة من الخارج، ليس لهؤلاء أي حركة ذاتية، هم قطيع منفعل سلبي ينساق مع أقرب صوت (للرعاة) لافتقارهم لأي اطار مرجعي خاص كمقياس ذهني محصلة للذات، لذا فهم دائماً يدورون في فلك أي اطار مرجعي متحرك في المجتمع، هذه الكتل البشرية يجب اختزالها إلى أدنى حد ممكن، لا باخراجها من مسرح الحياة الفسيولوجية وانما باقحامهم في (معترك) الحياة الفكرية لمجتمعهم(1).ـ

(1) أنظر في موضوع المقياس الذهني وفلسفة التاريخ شكل رقم -2- مخطط عام مع مخطط لكل مسار من مسارات حركة الافراد داخل المجتمع وفقاً لتكوين العقل الجدلي وعقده ص219.

مقاييس النمو النفسي (الوعي) :ـ







تسيطر على عملية النمو النفسي للفرد (وكذلك المجتمع والتاريخ) عدة مقاييس متتابعة تمتد من ذات لم تكن الا كتلة بايولوجية إلى ذات مذهبية، هذه المقاييس تمثل المراحل التطورية للتكوينات الجدلية المتعاقبة للمقاييس الذهنية التي هي بنى متدرجة للعقل الجدلي أكثر تنظيماً وأشد تعقيداً وأعمق وعياً وأكثر استقراراً من كل مرحلة تطورية سابقة سواء أكان بمستوى تطور الفرد أم المجتمع، وهذه المقاييس في مستوى تطور الفرد هي:

المقياس الفطري (الغريزي).

ـ
المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي).

ـ
المقياس الذهني المركب (الوعي القصدي).

ـ
المقياس الذهني المذهبي (الوعي الابداعي).

ـ
1- المقياس الفطري (الغريزي): هذا المقياس هو البنية الاساسية الذي على أساسه ومن خلاله يتم تحقيق النمو المزدوج: (التكوين الجسماني والتطور الذهني) كأساس مشترك للتكوين والتطور التاريخي لهذا الكائن الحي الفريد، الانسان، فهو يمثل مجموعة الغرائز او الافعال الانعكاسية الموروثة وهي ذات فعل آلي (مفتعل) لا تتعدى فيه حدود الاستجابة حلقة الفعل الآلي (الآلية الفسيولوجية).ـ

في الطفل الرضيع وقبل التطور العصبي للمخ يوجد هذا المقياس الفطري بسيادة غير واعية(1) (لا ينعكس فيه الوعي على نفسه) من (الذات) على الموضوع (أي هنا فاعل واحد هو الآلية الفسيولوجية) فهي نرجسية دون نرجس على حد تعبير جان بياجيه بمعنى ((دون أي حس بالدراية الشخصية بحد ذاتها))(2) حيث تسيطر عليه بواسطة المراكز العصبية الدنيا (الحبل الشوكي والاجزاء الدنيا من الدماغ) فهو يكفل حماية الكائن الجديد لأنه يساعده على التوافق مع ظروفه القائمة والتكيف مع البيئة أي انه تكيف بيولوجي بيئي يكون فيه الوعي مادي يخضع لقوانين المادة، وقد عبر ارسطو(3) عن الجذر التكويني للنفس أحسن تعبير ((كما ان النفس والجسم، كما قلنا، متميزان، كذلك للنفس جزءان مختلفان أيضا: أحدهما لا عاقل والآخر موصوف بالعقل وهما يظهران على هيئتين مختلفتين، فللأول الغريزة وللآخر الذكاء. واذا كانت ولادة الجسم تسبق ولادة النفس فتكوين الجزء اللاعاقل سابق على الجزء العاقل، ومن السهل الاقتناع بذلك، فالغضب والاراده والرغبة تظهر عند الاطفال عقب الولادة واما الفكر والفهم فلا يظهران، في النظام الطبيعي للاشياء، الا بعد ذلك بكثير، واذا ينبغي الاشتغال بالجسم قبل الفكرة في النفس، وبعد الجسم ينبغي التفكير في أمر الغريزة، ولو انه في نهاية الأمر لا يُعنى بالغريزة الا لاجل الفهم ولا يُعنى بأمر الجسم الا لاجل النفس

(1) أقصد ان الطفل غير واعٍ بمعنى الوعي الموجود عند الراشد وان هذا الوعي الذي يملكه الطفل هو أولاً (وعي) غريزي ويمثله السلوك الموروث وهو مادي يخضع لقوانين المادة ويمثل النشاط الفسيولوجي للكائن الحي باعتبار هذا النشاط وظيفة لمادة منظمة، ومن ثم وعلى أساسه يتكون وعي لا قصدي وهو امتداد العالم الخارجي داخل ذهنه وهو الوعي الذي لا يتضمن أي اضافة ذاتية من الطفل، وهي الاضافة التي تنتج كرد فعل ذاتياً من تركيب عناصر الوعي اللاقصدي كما يحدث عنده في مرحلة لاحقة أو خلق عناصر جديدة كما يحدث في مرحلة لاحقة أخرى متقدمة، فعلى حد تعبير فرويد: ((وما من أحد الا ويعلم ان الطفل الصغير كائن لا خلقي: فلا وجود عنده لأي كف داخلي يتصدى بالمعارضة للاندفاعات الملتمسة للذة، والدور الذي يضطلع به الانا الاعلى في زمن لاحق تتولاه في أول الأمر قوة خارجية، وهي سلطة الوالدين، ص76 محاضرات جديدة في التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي)).

(2) بياجيه: التطور العقلي لدى الطفل ص9 ترجمة سمير علي.

(3) السياسة ص286 ترجمة أحمد لطفي السيد.

ومن أكثر النظريات عقلانية وواقعية في فهم الجذور التاريخية التكوينية لغرائز الإنسان (والحيوانات كذلك) هي نظرية بافلوف والتي يسميها (أي الغرائز) بالمنعكسات غير الشرطية التي تقع مراكزها العصبية المسؤولة عنها في الحبل الشوكي بالنسبة للبسيطة وفي النخاع المستطيل بالنسبة للمعقدة في مقابل المنعكسات الشرطية التي هي العادات بالتعبير المألوف التي يكونها الفرد في مجرى حياته والتي تقع مراكزها العصيبة المسؤولة عنها في القسم الأعلى من الجهاز العصبي المركزي وهما نصفا الكرة المخيان في حالة الإنسان والحيوانات الراقية القريبة منه في سلم التطور البايولوجي ((غير ان بافلوف مع ذلك أوضح بجلاء من حيث هو مؤمن بالتطور ان الاختلاف بين المنعكسات الشرطية وغير الشرطية وهما النمطان الاساسيان من النشاط العصبي نسبي لا مطلق. معنى هذا وجود علاقة تطورية بينهما مع امكانية تحول بعض المنعكسات الشرطية إلى غير شرطية عندما تستلزم الضرورة البايولوجية ذلك لصيانة حياة الفرد أولاً وللمحافظة على النوع بعد ذلك. أي ان المنعكسات الشرطية التي يكتسبها الفرد في مجرى حياته باستطاعتها اذا استلزمت الضرورة البايولوجية ان يتحول بعضها إلى منعكسات غير شرطية تنتقل بالوراثة البايولوجية عبر الاجيال المتعاقبة وذلك بتحول مسالكها العصبية المكتسبة إلى ممرات عصبية فطرية مرتبطة بالمناطق الدماغية التي تقع تحت المخ لا سيما في النخاع المستطيل والحبل الشوكي، وهذا يدل على ان المنعكسات غير الشرطية الموجودة بالفعل في الوقت الحاضر كانت في الأصل التاريخي من الناحية التطورية منعكسات شرطية تحولت بالتدريج بفعل ظروف العيش المتبدلة أبداً (نمط الغذاء بالدرجة الأولى) إلى منعكسات غير شرطية وذلك ضماناً لاستمرار الحياة عن طريق التكيف الناجح ازاء العوامل البيئية. وقد استشهد بافلوف على ذلك بالاضافة إلى ما شاهده في المختبر، بحقائق علمية صلدة يأتي في مقدمتها عدم افراز بعض الحيوانات الجائعة كالقردة مثلاً اللعاب عند رؤيتها الطعام في ظروف تغيير الأسلوب الذي اعتادت ان تتبعه للحصول على الطعام، والاسلوب هنا فعل انعكاسي شرطي ارتبط فيه افراز اللعاب اربتاطاً شرطياً بالطعام أثناء البحث عنه للحصول عليه. ويجري هذا المجرى عدم استثارة الطعام الذي يوضع أمام الحيوان المفترس الجائع عند ادخاله المختبر لأول مرة لغرض اجراء التجارب عليه وذلك لاختلاف هذا عما اعتادهُ عند مطاردته الفريسة او تعقبها فترة طويلة من الزمن وبذل الجهد المضني لقنصها، وقد لاحظ بافلوف ان الحيوان المفترس لابد لـه في مثل هذه الأمور من ان يعتاد على الأسلوب المختبري في الحصول على الطعام وتناوله للتغلب تدريجياً على الأسلوب القديم (يعني نشوء منعكس شرطي طعامي جديد وانطفاء المنعكس الطعامي الشرطي القديم )))(1). ((معنى هذا بلغة الفسلجة المألوفة ان القوس الانعكاسي (Reflex arc) الذي ينشأ في مجرى التطور الجنسي (Phylogenetic) للجهاز العصبي المركزي في المملكة الحيوانية هو في الأصل، قوس انعكاسي شرطي اكتسبته بعض الحيوانات في مجرى تطورها الفردي (Ontogenetic)))(2).

(1) جعفر: طبيعة الإنسان في ضوء فسلجة بافلوف الجزء الأول ص179-180.

(2) جعفر: طبيعة الإنسان في ضوء فسلجة بافلوف الجزء الأول ص179-180.

2- المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي): هو عبارة عن التمثل الذهني للعالم الخارجي دون أيةِ إضافة ذاتية، بمعنى امتدادات العالم الخارجي في ذهن الإنسان وهي في جذرها التاريخي نتيجة عدم التفكير بالالفاظ بل بالصور البصرية والأصوات السمعية واللمس(1) ونتيجة عدم تكوين المفاهيم (قبل ادراك القوانين الموضوعية) مكتسب سلبي يمثل (تهذيب) للمقياس الفطري بسيادة من الموضوع على الذات (أي خالية من النزوع او الوعي الذاتي، فالفاعل هنا هو الموضوع فقط) فعالمه هو مجاله الحسي المخزون في ذهنه والذي يتميز ((بالتماثل المتوازي المستقل))(2) ـ

(1) الا ان وجود الالفاظ وسماعها كفعل حسي وليس لغوي مهمة جداً لتكوين الوعي القصدي مستقبلاً.

(2) ((تصطدم محاولة الباحثين لاعادة تركيب التاريخ الانساني بمشكلة أو صعوبة خاصة وهي ان التشابه البايولوجي (الحيوي) و(الحضاري) لا يرجع دائماً إلى أصل مشترك، لأن بعض الأشكال المتشابهة قد تتطور بصورة مستقلة ومتوازية وفي العالم الكثير من الأمثلة على حالات التماثل المتوازي المستقل الذي لا يرجع إلى اتصالات حضارية سابقة بين الجماعات التي تلاحظ فيها تلك الحالات، وفي عالمنا الكثير من الأمثلة على التماثل المتوازي المستقل، فالنباتات الصحراوية في أفريقيا وأمريكا تنبت في بيئات متشابهة وقد مرت في ظروف تغيير متماثلة على الرغم من انعدام الصلة الوراثية بينهما، كذلك الحيوانات الكيسية في استراليا هي الأخرى قد تطورت في اتجاهات تشبه اتجاهات تطور الحيوانات الثديية الأعلى منها مع انها تنتمي إلى صنف وراثي متميز، كما نلاحظ أوجه تشابه لغوية عديدة في اقاليم جغرافية منفصلة ومنعزلة نسبياً، وهي أيضاً قد نتجت عن عملية التطور المتوازي او المستقل وعليه فمن الواضح ان أوجه الشبه في مختلف جوانب الحضارات يمكن دراستها من زاويتين وهما التطور المستقل والاتصال الحضاري، ما الانتربولوجيا، د. قيس النوري ص11-12) ويقول جورج سارتون ((ومما يدعو إلى العجب اتفاق الشعوب السابقة إلى الحضارة اتفاقاً تلقائياً على استعمال القاعدة العشرية، ولكن ذلك ليس أعجب من التناسق اللفظي البديع في كل لغة. تاريخ العلم جـ1 ص58)).

الذي يشبه إلى حد ما التماثل المتوازي المستقل لطلائع البشرية الأولى (طفولة البشرية) وان دور الذات (ويمثلها في هذا المستوى الوعي الحسي المخزون في الذهن) هو استحضار الصورة المخزونة التي تطابق الموضوع، حيث توجد مرحلتان: مرحلة تكوِّن صورة للموضوع ومرحلة استحضارها الذاتي عندما يصادفها الموضوع او دافعه وهو الوعي النهائي للحيوان مهما بلغ من درجة التطور فهو لا يتعدى عن المقياس الذهني البسيط او الوعي المعبر عنه بالصورة الذاتية للموضوع، مثال المقياس الذهني البسيط الذي يكونه الطفل كنفي ديالكتيكي للمقياس الغريزي هو تغيير شكل اطار قنينة الرضاعة حيث ان الطفل يرفض حلمة الرضاعة بمجرد تغيير لون الاطار المحيط بها لدرجة ان الام لا تدرك ان سبب الرفض هو تغيير اللون، وفي تجربة بسيطة ومحدودة اجريتها وذلك بتغيير حجم حلمة الرضاعة لاحظت ان الاطفال الرضع أما ان يرفضوها بمجرد اللمس باليد أو يتأكدون من ذلك عن طريق وضعها في أفواههم ثم يرفضونها ((قام ايماس وجماعته 1971 بدراسة تبين منها ان الطفل في نهاية الشهر الأول يستطيع ان يميز بين صوتي الباء -b-والباء-p-وهو فرق دقيق للغاية))(1) كما ((لاحظ جان بياجيه ابنته جاكلين في سن تسعة شهور وستة عشر يوماً تتعرف على الاختلاف بين صوت الزجاجة التي تحتوي على عصير الفاكهة وصوت الاناء الذي يحتوي على شراب مقزز . . حينما تخرج الملعقة من الزجاجة تهم بفتح فمها على مصراعيه، ولكن اذا جاءت الملعقة من الاناء تبقي فمها محكم الاغلاق))(2) ((راقب جان بياجيه ابنته جاكلين عندما كانت في الشهر السادس عشر من عمرها شاهدت ذات يوم طفلاً يكبرها بشهرين وهو يصرخ ويركل محاولاً الخروج من القفص الذي يوضع فيه الأطفال كي لا يزحفوا إلى مواطن الخطر في البيت دون ملاحظة والديهم. ويصف بياجيه المشهد كما يلي :

(1) ولقد استعمل الباحثون طريقة طريفة للوصول إلى هذا الاكتشاف فمن المعروف ان الطفل يمص بسرعة ثابتة عندما تكون التنبيهات التي تصله مستقرة ثابتة، أي لا يوجد فيها شيء مثير وجديد ولكن عندما يتعرض لتنبيه جديد فان سرعة المص لديه تزداد وتيرة، ولقد وضع الباحثون في فم الطفل مصاصة مربوطة بجهاز إليكتروني يسجل سرعة المص لدى الطفل وبعد القيام بذلك فتحوا مسجلاً صوتياً يطلق صوت ((با)) ba// بانتظام ورتابة حتى تعود الطفل على رتابة الصوت واستقرت سرعة المص بوتيرة واحدة، عند ذاك ابدل الباحثون الصوت من با إلى /pa/ أظهر جميع الاطفال في هذه التجربة وهم في الشهر الأول من عمرهم زيادة في سرعة المص لدى سماعهم الصوت الجديد، وتدل هذه الدراسة ان الاطفال يمتلكون القدرة على اجراء التميزات الادراكية الصوتية المطلوبة والضرورية لاكتساب اللغة البشرية، الحمداني: اللغة وعلم النفس ص140)).

(2) بيرد: جان بياجيه وسايكلوجية نمو الأطفال ص37-38 ترجمة د. فيولا فارس البيلاوي.

كان يصرخ محاولاً الخروج من قفص اللعب واخذ يدفعه إلى الوراء ويرفس بقدميه.ووقفت (ج) تراقبه بدهشة لأنها لم تر مثل هذا المشهد من قبل وفي اليوم التالي أخذت هي أيضاً تصرخ في قفص لعبها محاولة دفعه إلى الوراء وأخذت ترفس بقدمها رفساً خفيفاً عدة مرات متتالية))(1) وأُجريت عدة تجارب على أطفال في وقت مبكر نسبياً من عمرهم بالنسبة لعمر جاكلين لمعرفة إلى أي مدى يمكن للطفل ان يحتفظ بالمادة المرئية في ذاكرته ((الواقع ان البحوث المختلفة أعطت اجابات مختلفة على هذا السؤال فبعضها أثبت ان الطفل في سن اربعة أشهر يمكنه ان يتعرف على شكل هندسي بعد (24) ساعة من رؤيته اياه للمرة الأولى، أما البعض الآخر فقد أثبت ان الطفل في سن خمسة أشهر يمكنه ان يتعرف على أشكال هندسية بعد (48) ساعة وعلى الوجوه بعد أسبوعين من آخر مرة رآها فيها (Cohen & Gibler 1975)(2) .

(1) الحمداني: اللغة وعلم النفس ص144.

(2) الحمداني: اللغة وعلم النفس ص144.

هذه التجارب والملاحظات تثبت ان المقياس الذهني البسيط الذي يكونه الطفل من خلال تمثله الذاتي للعالم الخارجي المحيط به هو مقياس شمولي من حيث الشكل والحجم وحتى الصوت، وبلغة العقل الجدلي استطيع القول ان هنا رابطة ديالكتيكية (وعي) متضمنة على النفي التطوري حيث ان المقياس الذهني البسيط الذي كونه الطفل على سبيل المثال عن حجم حلمة الرضاعة أو لون الاطار المحيط بها حدَّ من غريزة الجوع (حدها باعتباره حلقة أكثر تطورية منه) وهذا يدل بشكل قاطع على ان ابسط عملية ذهنية اكتسبها الطفل من البيئة تغلبت على اقوى غريزة وهي غريزة الجوع بمجرد تغيير حجم حلمة الرضاعة أو شكل الاطار المحيط بقنينة الرضاعة كوعي اكتسب ذاتياً من العالم الخارجي (وهو في حقيقته ليس الا انطباعات حسية عن العالم الخارجي) وبهذا تكمن طاقة الغريزة أمام أبسط صورة ذهنية يكونها الطفل عن البيئة وهذا هو جوهر معنى النفي الديالكتيكي في اطار تكوين العقل الجدلي المتضمن نفي المرحلة اللاحقة التطوري للمرحلة السابقة.

قد يرد إلى الذهن سؤال: ما هو التطور الادراكي عند الطفل برفضه للرضاعة؟ التطور هو تكوين كوابح ذهنية عنده لأن التطور خروج غائيته من كونها حاجة بيولوجية إلى هدف في بيئته المحيطة.

ان هذا المقياس الذهني البسيط عند الطفل الانساني في مرحلة الإدراك اللفظي أكثر ديناميكية مما هو عند الحيوان حيث تتحجر هذه المقاييس عند الحيوانات مهما كانت درجة
تطورها قريبة من الانسان(1) لافتقارها للمراكز المخية اللغوية التي ينفرد بها الانسان (المركز المخي اللغوي الحركي، المركز المخي اللغوي السمعي، المركز المخي اللغوي البصري). ويعزى الفارق التطوري عند الانسان دون الاحياء الأخرى إلى الامكانية البيولوجية المتمثلة بوجود المناطق الرابطة التي تربط بين مراكز الاحساس البصري والسمعي واللمسي معاً ((وتتركز الروابط المسؤولة عن وظائف الكلام في احد نصوص المخ فقط (عادة الفص الأيسر حيث توجد التركيبات الترابطية المتخصصة التي تقوم بالتحويل الضروري للإشارات البصرية والسمعية إلى تكوينات لفظية Levy 1976)))(2).

وهذه الامكانية التي ينفرد بها الانسان هي التي تفسر لنا توقف النمو العقلي عند الحيوانات وخاصة عندما اكتشف اخيراً ((ان القردة العليا (الشمبانزي والغوريلا) تمر هي الأخرى بنفس المرحلة الحسية الحركية التي يمر بها الطفل الانساني
(1979,cheveller,skdnikoof,kids) على انه بمجرد وصول القردة إلى اكتمال مفهوم دوام الشيء(3) فان نموها العقلي يتوقف في حين يستمر النمو العقلي للطفل الانساني بعد هذه المرحلة،وذلك فيما يبدو بفضل قدرته على استخدام الرموز اللغوية))(4) ـ

(1) بل حتى ان الطفل البشري نفسه اذا استنفذت إمكانياته الفسيولوجية المخية كنتيجة لعيشه في بيئة حيوانية منذ الولادة ولفترة طويلة من الزمن (تتحجر) عنده هذه المقاييس.

(2) اسماعيل: الاطفال مرآة المجتمع النمو النفسي والاجتماعي للطفل في سنواته التكوينية ص105.

(3) ان الاشياء المادية تظل موجودة حتى لو كانت غير موجودة في المجال الادراكي للطفل ولقد سمى بياجيه (الذي كان له فضل بحث هذا الموضوع) هذا الوعي (دوام الشيء) .

(4) المصدر نفسه ص217، ((ان ذكاء الانسان الكبير، وقدرته على تكوين الأفكار المجردة، وقابليته الفائقة على تكوين الرموز واستخدامها، هذه العوامل كلها تؤلف أساساً للاختلافات بين تعلم الانسان والحيوان، فهذه الاختلافات يمكن تلخيصها بإيجاز: 1) يستخدم الانسان تبصراً أوفر في حل المشكلات؛ 2) ينتفع الانسان أكثر مما ينتفع الحيوان من الخبرة الماضية، ويطبق على المشكلات الحاضرة أساليب تعلمها في مكان آخر؛ 3) يستطيع الانسان حل المشكلات باستخدامه العمليات الرمزية، بينما تحلها الحيوانات بأساليب السلوك الظاهرة عادة؛
4) ولقدرة الانسان على التجريد فهو يستطيع ان يستثني مجموعة كاملة من الحلول دفعة واحدة: فعندما يتضح أن حلاً معيناً لا يكون مرضياً في جانب خاص، فيمكن استثناء جميع الحلول الأخرى التي تشبهه من هذه الناحية؛ 5) ولتمكن الانسان من اللغة فانه يستطيع ان يتعلم من التلقين الظاهر. ص225 المدخل إلى علم النفس، ركس نايت ومرجريت نايت)).

ومن المهم ان أذكر إن بعض العلماء حاول ان يربي في منزله بعض أفراد الشمبانزي تحت ظروف بيئية أقرب ما تكون إلى البيئة الانسانية ((ومن هذه المحاولات تلك التي قام بها ((كيلوج)) وزوجته (Kelloge & Kellog 1933)، والتي قام بها ((هيز)) وزوجته (Hays, 1951) وقد بذل كل من هذين الزوجين جهوداً كبيرة في سبيل تعليم هذه الحيوانات اللغة الانسانية، فقد ربت أسرة كيلوج الشمبانزي ((جوا)) مع طفلها ((دافيد)) واستطاعت ان تعلمه فهم بعض الأوامر ولكنها لم تستطع ان تعلمه النطق بكلمة واحدة، اما أسرة هيز فقد استطاعت ان تكسب القرد ((فيكي)) القدرة على النطق بثلاث كلمات هي ((بابا)) و((ماما)) و((كب)) أي فنجان، والواقع انها قد فعلت ذلك بصعوبة كبيرة وبعد تدريب شاق اشتمل على تحريك شفتي القرد بأيديها بشكل مباشر))(1) في حين ان الطفل البشري في عمر ثلاث سنوات (بشرط ان يعيش في بيئة بشرية) تكون لديه حصيلة لغوية حوالي الف كلمة ((ولا يصل الطفل إلى السن الرابعة الا ويكون قد سيطر تماماً على المهارة اللغوية))(2) ((فاللغة خاصية انسانية ذات انظمة مفتوحة بينما تعتبر أنظمة النداءات والصيحات الحيوانية مغلقة))(3).ـ

مهما كان الجهد المبذول لتطور الإمكانية العقلية للحيوانات لا يتعدى في ارتقائها أكثر من تحويل المقياس الذهني من بسيط إلى تخصصي يمكن تسميته بالمقياس الذهني الوظيفي(4). ـ

(1) المصدر نفسه ص92.

(2) إسماعيل: الأطفال مرآة المجتمع، النمو النفسي والاجتماعي للطفل في سنوات التكوينية ص203.

(3) فهيم: قصة الانثربولوجيا، فصول في تاريخ علم الانسان ص225.

(4) انظر ص71 حالة كمالا وكيفية تحجر مقاييسها الذهنية البسيطة بعد ان عاشت في زريبة احدى اناث الذئاب وصغارها.

مثال ذلك المنعكسات الشرطية لبافلوف، كالربط بين صوت الجرس والطعام بدون ان يتضمن أي تركيب ذاتي (خلق) للتفكير المجرد حيث قام بافلوف بتجربة طريفة ثبت عنده ((ان فقدان اللغة عند الحيوان هو الذي يحول دون نشوء المدركات العقلية في دماغه حتى لدى الحيوانات الراقية القريبة للانسان في سلم التطور البايولوجي، فلا تتكون لديها (بفعل افتقارها للغة) الا المدركات الحسية (الصور الذهنية الحسية السمعية أو البصرية الخ) المنبثقة عن العالم المحيط بها، معنى هذا انها عاجزة عن تجريد نفسها عن الواقع المباشر أو الآني Immediate وعاجزة ايضا عن التفكير المجرد (الفكر الملتحم باللغة) ولهذا فهي تفتقر إلى إدراك جوهر الأشياء، وقد ثبت ذلك مختبرياً، فقد أجري بافلوف تجربة طريفة على الشمبانزي ثبت عنده إخفاق هذا الحيوان الراقي في ان يفعل شيئاً آخر سوى تحليل الصور الحسية البصرية وفي ظروف محدودة جداً وملائمة، وهذا هو الحد الأعلى من ((تفكيره البدائي الحسي)) بتعبير بافلوف. وتفصيل هذه التجربة: ان بافلوف وضع الشمبانزي الجائع في مكان بعيد عن القفص الذي يحتوي على الموز وحجز بينها بنار أشعلها خصيصا لتحول دون وصول القرد إلى طعامه. ووضع في جهة أخرى إناء صغيراً فارغاً قريباً من إناء كبير آخر مملوء بالماء ثم بدأ بالتلميح لمساعدة القرد على اطفاء النار، فاستطاع هذا ان يملأ الاناء الفارغ من الاناء الكبير المملوء بالماء، وان يطفئ النار بعد ذلك ويصل إلى القفص ويتناول الموز، وفي تجربة أخرى مماثلة وضع بافلوف القفص الذي يحتوي على الموز وسط حوض مملوء بالماء ووضع الاناء الفارغ قريباً منه والاناء الآخر المملوء بالماء بعيداً عنه، ولاحظ ان الشمبانزي بدلاً من ان يملأ الاناء الفارغ من الحوض كما كان متوقعاً ذهب إلى الاناء المملوء بالماء وأعاد ما فعله في التجربة السابقة، أي انه لم يكن قادراً على ان يفكر في ايجاد طريقة أخرى لاطفاء النار غير التي ألفها، وسبب ذلك من الناحية السايكلوجية راجع إلى عجزه عن تكوين صورة عقلية أو مدرك عقلي concept للماء ينطوي على خصائصه العامة، فلم يدرك (لافتقاره إلى اللغة بالدرجة الأولى ولعوامل فسلجة أخرى) ان ماء الحوض يطفئ النار أيضاً، أي ان تفكيره حسي بصري يفتقر إلى صفتي التجريد والتعميم (اللتين تنطوي عليها الكلمات)))(1) ان اكتساب اللغة عند الطفل هي الاساس المانع لتخصص المقياس الذهني البسيط وذلك بقطع عملية تحويله إلى مقياس ذهني وظيفي وانما إلى مقياس ذهني مركب نتيجة لصفتي التجريد والتعميم(2) ـ

(1) جعفر: اللغة والفكر ص80.

(2) ان الكليات كتجريد عام لموضوعاتها الجزئية هي الابن الشرعي لمنعكس التوجيه غير الشرطي الفسيولوجي (غريزة حب الاستطلاع بالمعنى السايكولوجي) حيث باطار الاستقراء المديد الفاعل في تاريخ البشرية باعتباره الظروف التي وفرت الشرائط التي عندها تكتمل التصورات اللازمة لهذا التجريد كروابط ذهنية للقوة الكامنة في تشيؤ الجزئيات (التجريد الذهني نتاج العلاقات الموضوعية بين الاشياء) فهي لا تكمن في أي جزئية من الجزئيات وإنما هي قوة عقلية كلية للجزئيات تكمن في الذهن كمقياس ذهني مركب للمقاييس الذهنية البسيطة للجزئيات بمعنى تمظهر ذهني لماهية الجزئيات، وصفتي التجريد والتعميم من خواص ذهن الانسان.

اللتين يتصف بهما تفكيره لارتباطه باللغة ((ولابد من الاشارة هنا إلى ان طفل الانسان يبقى طوال الأشهر الستة الأولى في حياته في مستوى تفكير الحوانات الراقية من ناحية الكلمات التي يسمعها من الاشخاص المحيطين به أي ان تلك الكلمات تبقى عنده مجرد أصوات Sounds مبهمة ذات صفة سمعية حسية acoustic لا تحمل أي محتوى أو معنى، يتضح اذن ان الكلمات التي تسمعها الحيوانات الراقية من الانسان والتي تستجيب لها أحياناً بهذا الشكل أو ذاك هي أصوات مبهمة بالنسبة لها على غرار الأصوات الأخرى التي يحدثها حفيف الاشجار أو خرير المياه أو الرعد وما يجري مجراها: أي انها ذات صفة سمعية صوتية acoustic ولهذا فان الكلمات ذات الصوت السمعي الواحد تستثير (وان اختلف معناها) استجابة متماثلة عند الحيوان الذي يسمعها، فالكلب المدرب على الجلوس عند سماع كلمة place الإنكليزية يجلس ايضاً عند سماع كلمة Brace, Space, Cace, Race ذات الصوت المتشابه وان اختلف معناها، كما انه لا يجلس مطلقاً عند سماعه كلمة Sit مثلاً لانها تختلف في الصوت وان تشابهت في المعنى))(1) في حين ان الطفل الانساني اذا ولد من أبوين مختلفي اللغة يأخذ من كل منهما لغته فيصبح ثنائي اللغة ((فقد روى الاستاذ جويوم ان طفلاً أبوه الماني وأمه فرنسية قد أخذ الألمانية عن أبيه والفرنسية عن أمه وكان اذا طلب إليه ابوه بالالمانية تبليغ أمر لأمه بلغها ذلك بالفرنسية بدون ان يشعر بانه يترجم إلى لغة أخرى الكلام الذي كلفه أبوه تبليغه))(2) ـ

(1) المصدر نفسه ص80-81.

(2) وافي: نشأة اللغة عند الانسان والطفل ص180

3- المقياس الذهني المركب (الوعي القصدي): ـهو مجموعة الافكار والتصورات والعواطف المشحونة بشحنة نزوعية قوية والمتضمنة على الوعي الناتج من التركيب الذاتي لمجموعة المقاييس الذهنية البسيطة بعلاقة بين فاعلين هما الذات والموضوع وهي مرحلة مهمة في عملية النمو النفسي لأنها رحم العقد، واللغة أفضل تمثيل في تكوين هذا المقياس ولقد أجريت تجارب على أطفال المدارس الابتدائية تعزز أهمية توظيف اللغة في خلق الوعي ((فقد ارتبط في بعضها تيار كهربائي ضعيف يحدث رجة في الاصبع الأوسط لليد اليمنى ارتباطاً شرطياً بسماع الطفل كلمة ((ضوء)) فلوحظ بعد نشوء المنعكس الشرطي اللفظي المشار إليه ان الطفل أخذ يسحب يده بمجرد سماع الكلمة دون ان يصحب ذلك تيار كهربائي وهذا لا يختلف على وجه العموم عن تكوين منعكس شرطي حسي أزاء الضوء عند الحيوان الراقي، غير ان هناك فرقاً جوهرياً بينهما مفاده ان الطفل في التجارب السابقة بدأ يسحب يده أيضا عند مشاهدته كلمة ((ضوء)) مكتوبة على الشاشة التي توضع أمامه، كما انه بدأ يسحب يده في تجارب أخرى عند سماع كلمة ((قنديل))
أو ((مصباح)) أو ((كهرباء)) ذات المعنى المتماثل والتي تختلف كثيراً في الصوت وكذا الحال عند الكتابة، وهذا ما لا يحدث اطلاقاً عند الحيوان، وهذا هو الذي يميز تمييزاً جوهرياً الاشارة الحسية concrete أو المباشرة Immediate عن الاشارات اللفظية))(1) اذن الطفل الانساني في نموه يتطور في ذهنه عدد لا يحصى من المقاييس الذهنية المركبة على أساس المقاييس الذهنية البسيطة مثلما تتكون اللغة من عدد محدود من الحروف والطبيعة من عدد محدود من العناصر وذلك بمجرد ان يوجد في بيئة اجتماعية وخاصة في فترة الطفولة التي تنمو فيها مناطق الترابط في المخ اللازمة لنمو الوظائف الكلامية لأنه ثبت ان عزل الطفل عن البيئة البشرية يؤدي إلى ان يصبح بلا لغة بالرغم من وجود هذه الامكانية ((يروي هيوز Hewes 1976 حالة بنت في سن الثالثة عشرة والنصف كانت قد احتجزت وحيل بينها وبين أي تواصل حتى ذلك العمر، هذه البنت وجد انها قد أصبحت دون لغة اطلاقاً ومعنى ذلك ان الاستعداد البيولوجي وان كان شرطاً لازماً للنمو اللغوي الا انه غير كافٍ لضمان ذلك النمو في حالة غياب البيئة اللغوية))(2). وفيما يتعلق بهذه النقطة ذاتها لو سألنا لماذا نشأت اللغة عند الانسان دون الانواع الأخرى من الأحياء؟

(1) جعفر: اللغة والفكر ص78.

(2) اسماعيل: الاطفال مرآة المجتمع، النمو النفسي والاجتماعي للطفل في سنواته التكوينية ص133.

لقيل لنا لوجود الامكانية الفسيولوجية (ميكانزم اكتساب اللغة) عند الانسان ولكن المشكلة هي لماذا نشأت الامكانية الفسيولوجية لاكتساب اللغة عند الانسان دون الاحياء الأخرى؟

اعتقد هنا ان اللغة تطورت بمستويين مترابطين مع بعضهما – زمنياً وزمانياً من جهة ومع تطور البيئة الاجتماعية للانسان من جهة أخرى – ترابطاً جدلياً لا انفصام فيه ففي المستوى الأول تم تكوين إمكانية هائلة داخل التركيب المخي للإنسان لاستيعاب البيئة المحيطة بالتدريج من بيئة بسيطة إلى بيئة معقدة باختلاف مراحل تطور أجيال الكائن الذي أوشك ان يكون انسان عاقل وذلك عندما تراكمت في ذهنه معلومات يريد ان يعبر عنها (اجتماعياً) والتي اصبحت حافز جمعي لتنضيج المخ وحفر القنوات في داخله لتتجول فيه انطباعاته البيئية.واستطيع أن أقول انها عملية شملت فترة الموجات الثلاث الأولى من تطور البشريات (الهومنيدات)(1) والمتمثلة بالاوسترالوبثيكس والبثيكانثروبيس وانسان النيادرتال والتي استغرقت الفترة الممتدة من قبل (4) مليون سنة إلى ما قبل 50.000 سنة(2) فمن التجارب التي أجريت على الحيوانات والتي يمكن ان تمثل المستوى الأول لتطور

(1) أنظر ص80 شرح موجات تطور البشريات (الهوميندات).

(2) من المهم ان اشير هنا إلى ملاحظة مهمة أشار اليها كارلتون كون في كتابة قصة الانسان ((شكل دماغ طفل الانسان المنتصب يشبه شكل دماغ طفل الانسان العاقل شبهاً كبيراً، وهذا يعني ان دماغ الانسان العاقل يفوق أدمغة أسلافه حجماً ولكنه يحتفظ بشكل أدمغة أطفال اسلافه حتى سن البلوغ ص40)).

اللغة عند الانسان باعتبارها (أي حيوانات التجربة) كالانسان (في هذا المستوى) لا تمتلك اللغة ولا ميكانزيمها الكامن ((وتتوالى الأدلة من التجارب الحيوانية على ان خبرات الشهور والسنوات الأولى من الحياة ذات أهمية عظمى وانها غير قابلة للازالة، ولقد ظهرت نتائج متعددة للتجارب على القطط الصغيرة، فقد ربى كل من الدكتور هيرش والدكتور سبينلي من جامعة ستانفورد عدداً من تلك القطط بحيث انها منذ الميلاد ترى باحدى العينين خطوطاً افقية وبالاخرى خطوطا راسية، وعندما بلغت تلك القطط من العمر 10 أو 13 اسبوع، فحص تركيب الخلايا في منطقة الابصار من لحائها فوجد ان هناك مجموعات من الخلايا تستجيب للخطوط البيضاء الرأسية أو الأفقية التي يقع عليها بصر القطة ولكن لا توجد خلايا تستجيب للخطوط المائلة وان تلك الخلايا موجهة ايضا إلى الاتجاهات الرأسية أو الافقية المشابهة للخطوط التي تستجيب لها، وانها لا تنشط الا عن طريق العين التي تعرضت للخطوط الرأسية أو الافقية، وقد تجمع مزيد من الأدلة حول أهمية الخبرات الأولى من بحوث الدكاترة ديوز وهيوبل وويزل من كلية الطب في جامعة هارفارد، فقد بينوا أخيراً ان تغطية احدى عيني القطة لفترة صغيرة من حوالي أربعة اسابيع إلى ثمانية بعد الميلاد تحدث أثراً كبيراً على حدة الابصار وتمييز الانماط بل تقلل من استجابة القطة حتى انها لا تستجيب للمنبهات البصرية، الا اذا كان بعضها يختلف عن البعض الآخر في درجة الاضاءة وهذا التأثر لا رجعة فيه ويبدو انه يرجع إلى حدوث ضمور جزئي في النواة الجانبية وهي مركز الارسال الواقع في الممر العصبي من العين إلى اللحاء))(1) ((واحد التطورات الطريفة في ذلك المجال هو ما لاحظه دكتور تشسلر من كلية الطب بنيويورك من ((ان القطة الأم قد تعمل كوسيط هام لنقل المعلومات عن طريق الملاحظة)) فقد ظهر من خلال التجربة التي حاول فيها معرفة الوقت الذي تستغرقه قطيطة كي تتعلم ان تضغط على رافعة فور رؤيتها ضوءاً لكي تحصل على مكافأتها من الطام، فقد تعلمت القطيطات التي اتيحت لها فرصة رؤية امها تقوم بذلك – هذه العملية بسرعة تبلغ 4 أضعاف سرعة القطيطات التي لاحظت قطة غريبة عنها تقوم بذلك بينما لم تستطع القطيطات التي لم تتح لها فرصة التعلم عن طريق المحاكاة واقتصرت على المحاولة والخطأ – لم تستطع اكتساب تلك الاستجابة، ولعل هذا يفسر لنا لماذا يحدث التعلم لدى القطط وغيرها من الثدييات أساساً عن طريق الملاحظة وليس عن طريق المحاولة والخطأ أو التطويع Conditioning))(2) ان التأثر بالبيئة والتكيف لها وتوظيف الخبرة تمتد لفترة ما قبل الولادة في التكيف للمستوى الأول ((ولقد أجريت دراسات على أثر البيئة الأولى على الأطفال وامتدت لتشمل فترة ما قبل الولادة، اذ قام عالمان يابانيان هما دكتور أندو ودكتور هاتوري من جامعة كوبي، بدراسة أثر الضجيج الذي تحدثه الطائرات على الأطفال المولودين في مدينة ايتامي الواقعة قرب مطار اوزاكان الدولي، ولقد خرجا بنتيجة هامة مؤداها ان 58% من الاطفال الذين ولدوا لامهات انتقلت إلى ايتامي قبل الحمل، أي الذين قضوا فترة حياتهم الجنينية كلها بالقرب من المطار، كانوا ينامون نوماً عميقاً طوال الليل بينما بلغت نسبة من يتيقظون ويبكون أثناء الليل عند مرور الطائرات (6%) ستة بالمائة فقط، اما الاطفال الذين انتقلت امهاتهم إلى ايتامي من خلال النصف الاخير من فترة الحمل أو بعد الميلاد فمنهم (16%) ستة عشر بالمائة فقط كانوا ينامون نوماً عميقاً بينما كان يستيقظ من 45 إلى 50 بالمائة منهم ويبكون أثناء الليل عند مرور الطائرات))(3). ومن التجارب غير المباشرة والطريفة في توظيف الخبرة ما لوحظ عند الحيوانات المختبرية حيث ان نشوء المنعكسات الشرطية يحدث أسرع لدى الحيوانات التي الفت المختبر وتعرضت للتجارب، أي انها اكتسبت القدرة على حل قضايا مختبرية بشكل أكثر نجاحاً من غيرها.ـ

(1) تايلور: عقول المستقبل ص101 الترجمة العربية للدكتور لطفي فطيم.

(2) تايلور : عقول المستقبل ص105 ترجمة د. لطفي فطيم.

(3) المصدر نفسه ص95.

والمستوى الثاني من مستويي تطور اللغة هو توريث هذه الامكانيات بشكل ميكانزيمات كامنة لاستيعاب البيئة لغويا بشكل مكثف جداً وانها عملية شملت الموجة الأخيرة من الهومنيدات في تطورها والتي أصبح فيها هذا الكائن انسان عاقل Homo Sapiens وهي الفترة التي بدأت قبل حوالي 50.000 سنة والعلاقة الجدلية للمستويين مع البيئة الاجتماعية باعتبارها الجذر التكويني لمحتوى لغة كل أمة تتمثل بالتفاعل التاريخي للجماعات في خلق الفونيم بالاتفاق العفوي وتصنيع المورفيم بالاتفاق القصدي، ويدل على ذلك هو ان ميكانزيمات اللغة على المستوى البايولوجي هي تجريد عام لا ترتبط بلغة معينة وعلى المستوى الاجتماعي ان محتواها كمورفيمات لا تحمل المعنى بذاتها بل بعلاقات الوعي الجمعي لها، حيث يكون مورفيم لمجتمع ما يحمل معنى بينما يكون نفس المورفيم لمجتمعات أخرى مجرد اصوات مصطفة لا تحمل أي معنى، حتى اكتساب اللغة بالنسبة لاطفال المجتمع هو خروج من استخدام الكلمة كتعبير ملازم للشيء إلى استخدامها كاشارة ممثلة له (بمعنى انها ليست صفة من صفات الشيء) فالاستخدام الأول هو عملية حسية اما الاستخدام الثاني فهو عملية ادراكية تستند إلى خزين عقلي جماعي والذي تكوَّن من توظيف خبرة اجيال اسلافه وللعدل والانصاف نقول ((ان الانسان الحديث لا يملك دماغاً أكبر ولا قدرة أصلية على التفكير أعظم من سلفه الذي عاش قبل (5000) سنة ولكن فعالية تفكيره تضاعفت مرات عدة عبر التعلم وعبر ادخال تجربة الاجيال السابقة ضمن تجربته))(1) ـ

(1) كار: ما هو التاريخ ص129 ترجمة ماهر كيالي، بيار عقل.

عند هذه النقطة يمكن القول فيما يخص العلاقة ما بين الفكر واللغة ان الفكر دائما يخلق اللغة الا ان العلاقة بينهما تكون عكسية في الاسبقية فقط في مراحل التطور التاريخي للفرد والمجتمع عنها في مرحلة الجذور التكوينية للغة كل أمة، حيث في بدء وعي الانسان التاريخي كنوع في جذوره التكوينية الأولى؛ الفكر خلق اللغة عن طريق حتمية التعبير اللغوي عما يجول في ذهنه لشيء مقصود وهذا التعبير يتمثل عملياً بخلق الفونيم Phoneme فاصبح التعبير في تفاعله الموضوعي ذا دلالة بالاتفاق القصدي والذي يتمثل عمليا بتصنيع المورفيم Morpheme (الكلمة) أي يدل على شيء ما، وهذا ما يحدث أيضاً عند الحيوانات الراقية من تعبير قصدي بالاصوات ((حيث وجد العلماء ان لدى الشمبانزي حوالي اثنين وثلاثين صوتاً مختلفاً يستطيع عن طريقها ان يحقق التواصل مع افراد جنسه، فهناك أصوات تعبر عن الرغبة في التواصل الجماعي وهناك أصوات يثيرها مثل هذا التواصل وكلاهما يتميز عن الآخر تماماً، وهناك أصوات تعبر عن الخوف وأخرى تعبر عن تأكيد السيطرة، وأصوات تعبر عن الاحتجاج والاستغراب والمفاجئة والعدوان والاحباط والنداء الجنسي وهكذا))(1) اما بدئ وعي الفرد في مجتمع مشبع بالدلالات يحدث العكس في الاسبقية، اللغة في البدء تكون كأداة ووسيلة للتعبير عن الفكرة لأن البيئة التي يولد فيها الطفل (حبلى) بالاشارات والرموز والمفاهيم اللغوية كنتيجة للتطور التاريخي الكبير للغة التي كانت بيئة بدء الانسان كنوع تفتقر لها، وهذا هو المقصود بالتاريخ كبعد ديالكتيكي لا يمكن فصله عن الفرد والمجتمع. فعلى حد تعبير ((دوروثي لي)) ((صحيح ان تفكير الفرد لابد من ان يسير باتجاه تياراته الخاصة، ولكن هذه التيارات نفسها موروثة من افراد سابقين حددوا اتجاهها في سياق الجهود اللاواعية التي بذلوها للتعبير عن مواقفهم من العالم، وتحتوي قواعد اللغة على الخبرة التي تراكمت على مر الاجيال والتي يجري تجميعها، وتعرضها بشكل مجمل مبلور بحيث تمثل النظرة الاجمالية التي يتبناها أي شعب من الشعوب نحو العالم))(2).ـ

خلاصة القول يمكن توضيح هذه المقاييس (المقياس الفطري، المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي)، والمقياس الذهني المركب (الوعي القصدي)) من خلال مراحل ارتقاء اللغة عند الطفل كمثال لتطور هذه المقاييس جدلياً، باعتبار اللغة سواء أكانت مكتوبة أو منطوقة أو لغة اشارات هي ممثل عقل الانسان (تفكيره) في تفاعله الموضوعي مع الغير، فمن الثابت علمياً (هو ما تم توضيحه سابقاً وما سيتم لاحقاً) ان اكتساب اللغة لا يمكن ان يتم ما لم تكن هناك امكانيات فسيولوجية(3) وهذه الامكانيات تتمثل بنمو ونضج الجهاز العصبي والغدد الصماء والتي تعتبر البيئة التحتية الاساسية للنمو والتطور المزدوج الجسمي والذهني.ـ

(1) اسماعيل: الأطفال مرآة المجتمع (مصدر سابق) ص91.

(2) الانثرولوجيا وازمة العالم الحديث ص183 تحرير والف لنتون، ترجمة عبد الملك الناشف .

(3) هذا الجهاز أو التكوين المادي للعقل كأساس لابد منه هو هام بمعنى يجب ان يوجد دماغ سليم لتحقيق استمرارية نمو الوعي، ويوجد اختلافات فردية كمية ونوعية بين الافراد في تكوين الجهاز.

تم تحديد أربع مراحل لانتاج الأصوات في العام الأول من عمر الطفل وهذه المراحل عامة ومتشابهة عبر مجتمعات لغوية مختلفة وهي:

أ- الصياح الذي يبدأ مع الميلاد.

ب- الاصوات الأخرى التي تشبه الهديل، والتي تبدأ في نهاية الشهر الأول.

جـ- المناغاة التي تبدأ في منتصف العام الأول.

(((Patterned) اد – الكلام المشكل المنمط) في نهاية العام الأول))(1)ـ

تمثل المراحل الأربعة السابقة مع التكوين الفسيولوجي للطفل بتعبير العقل الجدلي التداخل ما بين المقياس الفطري والمقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي) الذان يعبران عن التماثل المتوازي المستقل لجميع أفراد المجتمعات البشرية التي على أساسها يستمر النمو والارتقاء اللغوي عند الطفل ((فمنذ نهاية الشهر الأول يستطيع الأطفال تمييز الأصوات البشرية من الاصوات الأخرى، وفي نهاية الشهر الثاني يستجيب بشكل مختلف لصوت امه، ثم للاناث غير المألوفات له، وقد يصدر في وقت مبكر بعض الأصوات محاكياً أنماطاً صوتية يصدرها الراشدون من حوله وذلك في أوائل النصف الثاني من السنة الأولى، الا ان هذه الاصوات لا تكتسب معانياً الا في مرحلة متأخرة عن ذلك بوقت غير يسير، في أواخر السنة الأولى، وتظل قدرة الطفل على استخدام لغة الراشدين ضئيلة، بينما تزداد قدرته على فهمها حتى منتصف السنة الثانية))(2).ـ

(1) يوسف: سايكولوجية اللغة والمرض العقلي ص113.

(2) المصدر نفسه ص112.

هذه المرحلة، مرحلة إدراك الأصوات واصدارها هي مرحلة المقياس الذهني البسيط أو الوعي اللاقصدي باعتبارها امتدادات من الخارج إلى داخل ذهن الطفل يدركها كما هي في دخولها إلى ذهنه وتمثيله لها لا كما يفهمها ويدركها الراشدون من حوله، هذه المقاييس الذهنية البسيطة هي وعي بسيط لا قصدي فهي وعي بسيط لانها تتضمن إدراك شيء ما من البيئة الخارجية والذي على أساسه سيتكون الوعي المركب، ولا قصدي لانه لاغائية ولا انتقائية من الطفل نفسه في دخول هذا (الوعي) إلى ذهنه ((وفي النصف الثاني من تلك السنة [ السنة الثانية ] تنمو قدرته على الكلام بصورة بارزة ومفاجئة، تأخذ بعد ذلك في النمو المطرد السريع))(1) عندها يتكون المفترق الموضوعي للافراد داخل المجتمع الواحد(2) ((في هذه المرحلة [ مرحلة استخدام الكلمتين وما بعدها، حوالي في الشهر الثامن عشر إلى الشهر العشرين ]* ان الطفل يصبح له نظام لغوي من صنعه هو وليس نسخة مباشرة من نظام الراشدين، ويبدأ الطفل في استخدام وسائل لغوية بطريقته الخاصة ليبتكر منطوقات جديدة، هذه المنطوقات ذات علاقة ما بالكلام الذي سمعه من حوله ولكنها لسيت بالتأكيد مجرد نسخة مصغرة من تلك المنطوقات))(3).ـ

(1) المصدر نفسه ص113.

(2) وعلى اساس تطوره التاريخي وتفاعله مع الغير يتكون المفترق الموضوعي للمجتمعات المختلفة

* ما بين القوسين المركنين في داخل النص اضافة من عندي، وهي كذلك في كل مكان من الكتاب.

(3) يوسف: سيكلوجية اللغة والمرض العقلي ص115.

نلاحظ بسهولة من النص السابق ان الطفل في هذه المرحلة (مرحلة القياس الذهني المركب الخاص باللغة هنا) ان له نظام لغوي من صنعه وابتكاره، وبجدليته هو، وفي هذه المرحلة (أي المقياس الذهني المركب أو الوعي القصدي) تتعدد وتتنوع وتنمو المقاييس الذهنية المركبة لشتى الموضوعات والعلاقات التي يريد ان يعبر عنها الطفل بوعيه، ويكمن التوالد في تكوين وتعدد وتنوع هذه المقاييس الذهنية المركبة بتعدد وتنوع المقاييس الذهنية البسيطة الداخلة في ذهنه والمتزامنة مع نمو ونضج الجهاز العصبي المركزي والغدد الصماء كامكانية فسيولوجية مادية لابد منها لاستيعاب اللغة وادراك البيئة المحيطة به، هذه المقاييس الذهنية المستندة على التكوين الفسيولوجي في أصلها والى البيئة الاجتماعية في تفاعلها والى الذات المتفردة في نتاجها هي الوحيدة التي تعطي لنا تفسير للتمثل اللامادي للغة وللتواصل والامكانيات اللامحدودة للخلق اللغوي تاريخاً وذاتاً.

((وقد ثبت ان هناك تأثيراً متبادلاً في مجرى عملية التطور البايولوجي والاجتماعي، بين المراكز المخية اللغوية الثلاثة (المركز المخي اللغوي الحركي المختص بنطق الكلمات والمركز المخي اللغوي السمعي المختص بسماع الكلمات وبفهم معانيها والمركز المخي اللغوي البصري المختص بقراءة الكلمات المكتوبة وبفهم معانيها، وبجهاز النطق (الحنجرة واللسان والحبال الصوتية) من جهة وبين محتوى اللغة (يعني الرموز الصوتية والمكتوبة) من جهة أخرى، فقد أدى تطور كل منهما إلى تطور يلائمه في الجانب الآخر، أي ان الكلام، الذي ينشأ لدى الانسان في ماضيه السحيق.... هو، من حيث أصله الفسلجي حصيلة تطور دماغ الانسان، وانه، في الوقت نفسه، قد ساعد أيضاً على حدوث تطور لاحق في دماغ الانسان))(1).ـ

(1) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص235-236.

4- القياس الذهني المذهبي (الوعي الابداعي):ـخلق أو اكتشاف المضمون الجوهري للواقع حيث التبلور النوعي للموضوع ذهنياً وتحول الادراك الحسي (الصورة الذاتية للواقع المتضمنة على النفي التطوري) من الكمي إلى الكيفي ومن الشكل إلى المحتوى ومن العرض إلى الجوهر وما يتبعها من تكوين مفاهيم والتي سوف تنعكس في الذهن على شكل احكام عقلية ضمنية وتعتبر كمرحلة عليا من التفكير المجرد، وهذا المقياس المذهبي يعني ان المقياس الذهني يدرك بُعْدِيّاً المضمون الموضوعي للواقع وهذا يتم بسيادة واعية (ينعكس فيه الوعي على نفسه) من الذات على الموضوع، وفيه تكون العلاقات الاجتماعية في هوية فلسفية تاريخية تستوعب زمنياً الابعاد الزمانية للوعي.

النمو النفسي (الوعي) هو سلسلة التطور التتابعي للمقاييس الذهنية للذات من صورة تطابقية إلى إدراكية إلى نزوعية إلى تكوين أحكام عقلية ضمنية إلى مذهب يمثل قمة النفي الديالكتيكي لحلقة الموضوع، حيث يعكس (أي المذهب) نشاط الموضوع من فاعل إلى مفتعل والذات من مفتعلة إلى فاعلة أي فعل غير متوازي ما بين الذات والموضوع تتجه محصلته دائماً من الذات إلى الموضوع عند الذات المذهبية، الذات المذهبية شكل أعلى من أشكال النشاط العقلي للذات حيث تمثل الأرضية التي ينطلق منها فيما بعد النشاط النفسي (الوعي) أي تجريد المنطلق من الموضوع إلى الذات المذهبية حيث تكتمل عندها حلقة الذات الكبرى (أي عند الذات المذهبية وتدرك من قبل الذات المعاصرة التي تكون مذهبية بالايمان والطاعة وليس بالابداع حيث ان كل ذات مذهبية هي ذات معاصرة وليس كل ذات معاصرة هي مذهبية) فالذات المذهبية تمثل التنضيج الذاتي لمرحلة الانطلاق الموضوعية حيث يتم عندها استكمال الانعكاس الناقص لحلقة الموضوع الكبرى(1) بالانعكاس الكامل النامي لحلقة الذات المحصلة. وهذا هو خلاصة العقل الجدلي المتمثل بجدل التاريخ المتضمن توظيف الخبرة فعلى حد تعبير

(1) سيأتي توضيح حلقة الموضوع الكبرى بالتفصيل أنظر مرفق ص64 المخطط الخاص بها.


هيجل(1) يتضمن مبدأ التطور ((وجود بذرة كامنة – أي قدرة أو وجود بالقوة يكافح لكي يتحقق(2))): ((كل ما يتعين علينا ان نقوله هو ان الروح تبدأ ببذرة لا مكانية لا متناهية، لكنها امكانية فحسب، تشمل وجودها الجوهري في شكل غير متطور، كموضوع وهدف لا تصل إليه في نتيجتها وهذه النتيجة هي تحقيقها الواقعي الكامل. ويبدو التقدم في الوجود الفعلي انه سير من شيء ناقص إلى شيء أكثر كمالاً، لكن الناقص ينبغي الا يفهم فهماً مجرداً على انه مفتقر إلى الكمال فحسب، وانما على انه شيء يتضمن نقيضه الصريح، أو ما يُسمى بالكامل – بوصفه بذرة أو دافعاً، وهكذا فان الامكان يشير، نظرياً على الأقل، إلى شيء يستهدف ان يصبح واقعياً بالفعل، ولنذكر ان فكرة القوة Dynamism عند أرسطو هي ايضا فكرة الامكان Potentia أعني الطاقة والقدرة، وعلى ذلك فان الناقص بوصفه يتضمن ضده، هو تناقض موجود بغير شك لكنه تناقض يحل ويتلاشى باستمرار: فهو الحركة الغريزية أو الدافع الباطني في حياة النفس، الذي يستهدف تحطيم قشرة الطبيعة المحض، والحالة الحسية، وكل ما هو غريب عنها، لكي يبلغ نور الوعي، أعني الوعي بذاته))(3) الوجود الكامل هو وجود بالقوة (دائما هو مما سيكون) والوجود الناقص هو الوجود بالفعل (دائماً هو ما هو كائن) باعتباره اطار ضيق يعيق من تمظهر الامكانات الكامنة في ذاتها وهذا هو معنى نمو الذات ((بحيث تستمر الذات في كونها شيئاً غير ذاتها . . . . حيث يكون للنمو مضمون عقلي))(4) باعتبارها سلب مستمر لما هو كائن حتى ان ((التفكير كما عرفه هيجل: ((هو في أساسه سلب ما هو ماثل أمامنا على نحو مباشر)) لأنه وجود ناقص والنقص لا يكمن في ((الشيء في ذاته)) وانما نقص معرفة الذات المدركة للشيء المدرك، فالوجود ناقص بمقدار ما فيه من إمكانيات كامنة تطلب واقع موضوعي جديد، فهو نقص بالمعنى الجدلي الذي يعني نقص الوعي أو المعرفة العقلية لما هو كائن، فالعقل لا يبقى ثابت دون تغيير لأن مضمونه الحقيقي هو قوة جدل التاريخ الذي تنمو فيه الذاتية وتتموضع باعتبارها التعبير العملي عن هذا المضمون العقلي بقطبيها الفاعل (الخالق الجدلي للوقائع التاريخية أو المكتشف لقوانينها الطبيعية) والمنفعل العارف لها ((وليست ((الامكانات)) التي يحملها الواقع خيالات يخلقها ذهن عابث، وانما هي هذا الواقع نفسه منظوراً إليه على انه ((شرط)) لواقع آخر، وهكذا لا تكون أشكال الوجود الفعلي الموجودة أمامنا صحيحة في مجموعها الا بوصفها شروطاً لاشكال أخرى للوجود العقلي، وعلى ذلك فان صورة الواقع المعطاة مباشرة ليست واقعاً نهائياً))(5).ـ

(1) العقل في التاريخ ص127 – مصدر سابق.

(2) فكرة القوة والفعل هي أحد أربع افكار ارسطيه – على حد قول د. امام عبد الفتاح امام كان لها أثرها في الجدل الهيجلي وهي الفكرة التي قال عنها هيجل ((ان اروع ما عند أرسطو هو توحيده بين القوة والفعل)) وقد ظهرت هذه الفكرة في الجدل الهيجلي تحت اسم الضمني والصريح، أو ((ما هو في ذاته)) وما هو
((في ذاته ولذاته)) . راجع ص63 المنهج الجدلي عند هيجل: دراسة لمنطق هيجل د. امام عبد الفتاح امام)).

(3) هيجل: العقل في التاريخ ص130.

(4) ماركوز: العقل والثورة ص15.

(5) هيجل: العقل في التاريخ ص807 من مقدمة المترجم د.امام عبد الفتاح امام.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
قديم 24-02-2011, 04:10 PM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

مـجـمـوع الأوسـمـة: 3

وسام الإتقان

نوط المشرف المميز

وسام المصمم المميز



 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي

القسم الأول: تكوين العقل الجدلي
-1 -

المحاور والمقاييس :ـ

المحاور :ـ

المحور الأول: لمن الولاء في حياة الإنسان؟ أ للمقياس الذهني كوعي جدلي (مكتسب إيجابي نتيجة التفاعل التاريخي مع الواقع) أم كوعي ميتافيزيقي (مكتسب سلبي نتيجة النقل والتقليد)!!! ؟.

بالتأكيد الولاء للسلطة الذهنية كوعي جدلي وهذا واضح حتى في المجتمعات البدائية حيث يقتل البدائي طوطمه (ربه) حين تقسى عليه بيئته، فعلى سبيل المثال الرجل من قبيلة مونت جامبير (Mount Jambier) في جنوب استراليا لا يأكل طوطمه الا اذا اشتد به الجوع، واذا أكله أسف واستغفر والعربي قبل الإسلام الذي يصنع صنمه الذي يعبده من التمر يأكله عندما يجوع ((فليس يستغرب ما قيل من ان بني حنيفة عبدوا إلهاً من حيس ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال بعضهم :

أكلت حنيفة ربهـــــا
لم يحذروا من ربهم

زمن السقم والمجـــــاعة
سوء العواقب والتباعة))(1)
ـ

(1) خان: الاساطير والخرافات عند العرب ص86.

ومن الطريف أن اذكر إن الكابتن الإنكليزي كوك عندما وصل هو وجماعته إلى جزيرة هاواي في السابع عشر من كانون الثاني سنة 1779 (كانوا يحملون معهم قطعة كبيرة مستطيلة من قماش الطابا تتدلى من عارضة صليب مرفوع على عمود خشبي، وينتصب فوق الصليب صنم خشبي صغير ولما أبصر أهالي هاوائي سفن جيمس كوك قادمة من بعيد لاحظوا الشبه القائم بين أشرعتها وبين الآله ماكا هيكي كما يسمى هذا الصنم وشعاره، وقد جاء وصول كوك مصدقاً لنبؤة كان أهالي هوائي ينتظرون وقوعها، وعندما نزل إلى البر وسار إلى الحظيرة الملكية ليمثل بين يدي ملك الجزيرة الرفيع الشأن خرَّ الناس أمامه ساجدين. أما سبب هذا التقدير العظيم كما تقول الروايات المتأخرة، فهو ان أهالي هوائي حسبوا الكابتن كوك الهاً من آلهتهم الغائبين يعود اليهم،ولكن كوك لم يعرف أنذاك جلية الأمر، وعلى الرغم من أن أهالي هوائي رأوا في كوك إلهاً من آلهتهم، فأن ضمائرهم لم تمنعهم من ان يسرقوا من سفنه كل ما استطاعوا سرقته من الأدوات المعدنية ... حتى لقد فقد الملك سيطرته على الغوغاء المحتشدين وقتل الكابتن كوك بخنجر حديد جاء به هو نفسه إلى الجزيرة))(1) .ـ

(1) كون: قصة الإنسان، منذ ظهور الإنسان الأول إلى الحضارة البدائية وما بعدها، ترجمة محمد توفيق حسين، عبد المطلب أمين ص220.

وما استغفار الإنسانية المستديم الا تعبير عملي عن سيادة السلطة الذهنية كوعي جدلي (ديالكتيكي) ولكن يفتقر إلى الارادة التي هي وعي الوعي الجدلي لكي نتخطى ثنائية السلطة الذهنية.

المحور الثاني : ما المؤثر الكامن المكنون والمحرك الكامن المطلوب للجدل التاريخي؟

لكي نستوعب التاريخ باطار التفاعل الجدلي لابعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل كقوى كامنة فيه، يجب التمييز بين انسانية من الصعب جداً ان تخلق فكرة
(او حتى كلمة) وانسانية من الصعب جداً ان تختار فكرة (او حتى كلمة) من بين (حزم) الافكار والكلمات بسبب تزاحمها وصراعها وتناقضاتها ذهنياً وموضوعياً، هذا هو بكل بساطة جدل التاريخ أي جدل التاريخ المؤثر الكامن المكنون المتمثل بالتكوين التاريخي لعملية الخلق الأول والمحرك الكامن المطلوب المتمثل بالتكوين المستقبلي لهذا الخلق، أي عملية خلق الخلق وهذا هو تثوير الروح (الوعي)، فالمعيار التاريخي هو نسبي نسبة لزمان ومكان الإنسان وثراء جدله التاريخي.

المحور الثالث : ما هي الأواصر التي من الممكن ان تكون موجودة داخل المجتمع والتي تمثل مسارات حركة الافراد فيه من ناحية العلاقات القائمة بين الوسائل والغايات؟

توجد أربع أواصر (أي أربع مسارات لحركة الافراد داخل المجتمع) ضمن اطار تكوين العقل الجدلي:ـ

أولاً- آصرة الوسيلة – الغاية هذه الآصرة الجدلية (الديالكتيكية) هي الارادة الفاعلة في المجتمع والتي تمثل عوامل تفعيله كتحديث مستمر لا ينضب لمسار جدل التاريخ الذي تسير فيه الحقيقة التاريخية للمجتمع، والتي تمثل الوعي البعدي لـه وتكمن ديناميكيتها بالعصرنة الشرعية لها لا لإلغائها وانما لاضافة حلقات جديدة بواسطة البطل التاريخي الذي يقوم بالكشف او الخلق الجدلي لوسائل تفعيل مجتمعه بتموضع وعيه البعدي، وتطور المجتمع هو تحقيق الاستجابة التماثلية الجمعية مع ما هو متحقق فعلاً من تموضع لذات بعدية الوعي ولكن استمراريتها بلا فعالية (توقف النمو، ستاتيكية الوعي) تمثل سكونيتها (أي خلودها كقالبية مطلقة) وعصرنة التاريخ تعني ديناميكية هذه الآصرة، باختصار شديد تمثل مسار حركة الافراد الذين يؤمنون بالتكوين التاريخي للعقل الجدلي والذين الحياة عندهم عقل وتاريخ.ـ

والفرد التاريخي في هذا المستوى من الحركة في مسار آصرة ديناميكية الوسيلة – الغاية(1) يتحرك حركة إبداعية بوعيه البعدي والتي تكون محور لحركة الآخرين كاستجابة تماثلية جمعية لوعيه، فهي حركة البطل التاريخي الذي يتحرك بحركته الآخرين، وفي بداية هذا المسار الذاتي المتفرد يعيش البطل التاريخي حالة اغتراب جدلي تسبق تموضع وعيه البعدي، وفي تموضع وعيه تكون حركة الآخرين في مسار آصرة الوسيلة – الغاية الاستاتيكية كاستجابة تماثلية (تطابقية) لتموضع الوعي البعدي لحركة البطل التاريخي.

(1) سيأتي توضيح المسار الديناميكي والاستاتيكي لهذه الآصرة والفرق بينهما وكذلك المسارات الأخرى.

ثانياً – آصرة الغاية – الوسيلة: هي الآصرة الدوغمائية، الاغتراب الداخلي النسبي، مسار السلفية، والتي تمثل آصرة جدلية قبليّه، تجاوزها الواقع، الغاية القصوى في هذا المسار هي تحقيق وسيلة قبليّه كانت ضمن مجالها الجذبي مرحلة لواقعها في مسار جدلها التاريخي،وهي مسار حركة الافراد الذين يؤمنون بان التاريخ يعيد نفسه وبمستوى مفردات الحياة اليومية التقليدية للانسان تعني هذه الآصرة الطموح الذي هو الرغبة في محاولة الوصول إلى ما وصل اليه الآخرون.

ثالثاً – آصرة الغاية – الغاية (انعدام الوسيلة): هي الآصرة الميتاريليتيه (ما وراء الواقع Meta reality)، مسار الاغتراب الداخلي المطلق والمتمثل بالتبني للفكر الخارجي الذي لا يمت باي صلة للمجال الجذبي لواقع الإنسان والمجتمع، وهي مسار حركة الافراد الذين يؤمنون بتطور الحياة ولكنهم عاجزون عن خلق أو كشف عوامل التطور لمجتمعهم.

رابعاً – آصرة الوسيلة – الوسيلة (انعدام الغاية): وهي الآصرة الوثنية مسار البهائم والمتمثل بالوعي الغريزي (الهيدونية: حب اللذة وبغض الألم) وهي مسار حركة الأفراد الذين يتحركون بلا فعالية كقطيع منفعل سلبي ولا يتعدى مدى مسارهم مدى مجالهم الحسي، باختصار شديد انه الإنسان الدمية، هؤلاء الناس الدمى تحركهم خيوط مرتبطة بالمسارات الأخرى لتجردهم من أي غاية بعدية يريدون تحقيقها او قبليّه يريدون الرجوع اليها او تطابقية يريدون تمثلها، حيث ان حركتهم تكون بزخم حركة (أبطال) المجتمع يتدحرجون تدحرج الكرة عندما تدفع بقوة من الخارج، ليس لهؤلاء أي حركة ذاتية، هم قطيع منفعل سلبي ينساق مع أقرب صوت (للرعاة) لافتقارهم لأي اطار مرجعي خاص كمقياس ذهني محصلة للذات، لذا فهم دائماً يدورون في فلك أي اطار مرجعي متحرك في المجتمع، هذه الكتل البشرية يجب اختزالها إلى أدنى حد ممكن، لا باخراجها من مسرح الحياة الفسيولوجية وانما باقحامهم في (معترك) الحياة الفكرية لمجتمعهم(1).ـ

(1) أنظر في موضوع المقياس الذهني وفلسفة التاريخ شكل رقم -2- مخطط عام مع مخطط لكل مسار من مسارات حركة الافراد داخل المجتمع وفقاً لتكوين العقل الجدلي وعقده ص219.

مقاييس النمو النفسي (الوعي) :ـ







تسيطر على عملية النمو النفسي للفرد (وكذلك المجتمع والتاريخ) عدة مقاييس متتابعة تمتد من ذات لم تكن الا كتلة بايولوجية إلى ذات مذهبية، هذه المقاييس تمثل المراحل التطورية للتكوينات الجدلية المتعاقبة للمقاييس الذهنية التي هي بنى متدرجة للعقل الجدلي أكثر تنظيماً وأشد تعقيداً وأعمق وعياً وأكثر استقراراً من كل مرحلة تطورية سابقة سواء أكان بمستوى تطور الفرد أم المجتمع، وهذه المقاييس في مستوى تطور الفرد هي:

المقياس الفطري (الغريزي).

ـ
المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي).

ـ
المقياس الذهني المركب (الوعي القصدي).

ـ
المقياس الذهني المذهبي (الوعي الابداعي).

ـ
1- المقياس الفطري (الغريزي): هذا المقياس هو البنية الاساسية الذي على أساسه ومن خلاله يتم تحقيق النمو المزدوج: (التكوين الجسماني والتطور الذهني) كأساس مشترك للتكوين والتطور التاريخي لهذا الكائن الحي الفريد، الانسان، فهو يمثل مجموعة الغرائز او الافعال الانعكاسية الموروثة وهي ذات فعل آلي (مفتعل) لا تتعدى فيه حدود الاستجابة حلقة الفعل الآلي (الآلية الفسيولوجية).ـ

في الطفل الرضيع وقبل التطور العصبي للمخ يوجد هذا المقياس الفطري بسيادة غير واعية(1) (لا ينعكس فيه الوعي على نفسه) من (الذات) على الموضوع (أي هنا فاعل واحد هو الآلية الفسيولوجية) فهي نرجسية دون نرجس على حد تعبير جان بياجيه بمعنى ((دون أي حس بالدراية الشخصية بحد ذاتها))(2) حيث تسيطر عليه بواسطة المراكز العصبية الدنيا (الحبل الشوكي والاجزاء الدنيا من الدماغ) فهو يكفل حماية الكائن الجديد لأنه يساعده على التوافق مع ظروفه القائمة والتكيف مع البيئة أي انه تكيف بيولوجي بيئي يكون فيه الوعي مادي يخضع لقوانين المادة، وقد عبر ارسطو(3) عن الجذر التكويني للنفس أحسن تعبير ((كما ان النفس والجسم، كما قلنا، متميزان، كذلك للنفس جزءان مختلفان أيضا: أحدهما لا عاقل والآخر موصوف بالعقل وهما يظهران على هيئتين مختلفتين، فللأول الغريزة وللآخر الذكاء. واذا كانت ولادة الجسم تسبق ولادة النفس فتكوين الجزء اللاعاقل سابق على الجزء العاقل، ومن السهل الاقتناع بذلك، فالغضب والاراده والرغبة تظهر عند الاطفال عقب الولادة واما الفكر والفهم فلا يظهران، في النظام الطبيعي للاشياء، الا بعد ذلك بكثير، واذا ينبغي الاشتغال بالجسم قبل الفكرة في النفس، وبعد الجسم ينبغي التفكير في أمر الغريزة، ولو انه في نهاية الأمر لا يُعنى بالغريزة الا لاجل الفهم ولا يُعنى بأمر الجسم الا لاجل النفس

(1) أقصد ان الطفل غير واعٍ بمعنى الوعي الموجود عند الراشد وان هذا الوعي الذي يملكه الطفل هو أولاً (وعي) غريزي ويمثله السلوك الموروث وهو مادي يخضع لقوانين المادة ويمثل النشاط الفسيولوجي للكائن الحي باعتبار هذا النشاط وظيفة لمادة منظمة، ومن ثم وعلى أساسه يتكون وعي لا قصدي وهو امتداد العالم الخارجي داخل ذهنه وهو الوعي الذي لا يتضمن أي اضافة ذاتية من الطفل، وهي الاضافة التي تنتج كرد فعل ذاتياً من تركيب عناصر الوعي اللاقصدي كما يحدث عنده في مرحلة لاحقة أو خلق عناصر جديدة كما يحدث في مرحلة لاحقة أخرى متقدمة، فعلى حد تعبير فرويد: ((وما من أحد الا ويعلم ان الطفل الصغير كائن لا خلقي: فلا وجود عنده لأي كف داخلي يتصدى بالمعارضة للاندفاعات الملتمسة للذة، والدور الذي يضطلع به الانا الاعلى في زمن لاحق تتولاه في أول الأمر قوة خارجية، وهي سلطة الوالدين، ص76 محاضرات جديدة في التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي)).

(2) بياجيه: التطور العقلي لدى الطفل ص9 ترجمة سمير علي.

(3) السياسة ص286 ترجمة أحمد لطفي السيد.

ومن أكثر النظريات عقلانية وواقعية في فهم الجذور التاريخية التكوينية لغرائز الإنسان (والحيوانات كذلك) هي نظرية بافلوف والتي يسميها (أي الغرائز) بالمنعكسات غير الشرطية التي تقع مراكزها العصبية المسؤولة عنها في الحبل الشوكي بالنسبة للبسيطة وفي النخاع المستطيل بالنسبة للمعقدة في مقابل المنعكسات الشرطية التي هي العادات بالتعبير المألوف التي يكونها الفرد في مجرى حياته والتي تقع مراكزها العصيبة المسؤولة عنها في القسم الأعلى من الجهاز العصبي المركزي وهما نصفا الكرة المخيان في حالة الإنسان والحيوانات الراقية القريبة منه في سلم التطور البايولوجي ((غير ان بافلوف مع ذلك أوضح بجلاء من حيث هو مؤمن بالتطور ان الاختلاف بين المنعكسات الشرطية وغير الشرطية وهما النمطان الاساسيان من النشاط العصبي نسبي لا مطلق. معنى هذا وجود علاقة تطورية بينهما مع امكانية تحول بعض المنعكسات الشرطية إلى غير شرطية عندما تستلزم الضرورة البايولوجية ذلك لصيانة حياة الفرد أولاً وللمحافظة على النوع بعد ذلك. أي ان المنعكسات الشرطية التي يكتسبها الفرد في مجرى حياته باستطاعتها اذا استلزمت الضرورة البايولوجية ان يتحول بعضها إلى منعكسات غير شرطية تنتقل بالوراثة البايولوجية عبر الاجيال المتعاقبة وذلك بتحول مسالكها العصبية المكتسبة إلى ممرات عصبية فطرية مرتبطة بالمناطق الدماغية التي تقع تحت المخ لا سيما في النخاع المستطيل والحبل الشوكي، وهذا يدل على ان المنعكسات غير الشرطية الموجودة بالفعل في الوقت الحاضر كانت في الأصل التاريخي من الناحية التطورية منعكسات شرطية تحولت بالتدريج بفعل ظروف العيش المتبدلة أبداً (نمط الغذاء بالدرجة الأولى) إلى منعكسات غير شرطية وذلك ضماناً لاستمرار الحياة عن طريق التكيف الناجح ازاء العوامل البيئية. وقد استشهد بافلوف على ذلك بالاضافة إلى ما شاهده في المختبر، بحقائق علمية صلدة يأتي في مقدمتها عدم افراز بعض الحيوانات الجائعة كالقردة مثلاً اللعاب عند رؤيتها الطعام في ظروف تغيير الأسلوب الذي اعتادت ان تتبعه للحصول على الطعام، والاسلوب هنا فعل انعكاسي شرطي ارتبط فيه افراز اللعاب اربتاطاً شرطياً بالطعام أثناء البحث عنه للحصول عليه. ويجري هذا المجرى عدم استثارة الطعام الذي يوضع أمام الحيوان المفترس الجائع عند ادخاله المختبر لأول مرة لغرض اجراء التجارب عليه وذلك لاختلاف هذا عما اعتادهُ عند مطاردته الفريسة او تعقبها فترة طويلة من الزمن وبذل الجهد المضني لقنصها، وقد لاحظ بافلوف ان الحيوان المفترس لابد لـه في مثل هذه الأمور من ان يعتاد على الأسلوب المختبري في الحصول على الطعام وتناوله للتغلب تدريجياً على الأسلوب القديم (يعني نشوء منعكس شرطي طعامي جديد وانطفاء المنعكس الطعامي الشرطي القديم )))(1). ((معنى هذا بلغة الفسلجة المألوفة ان القوس الانعكاسي (Reflex arc) الذي ينشأ في مجرى التطور الجنسي (Phylogenetic) للجهاز العصبي المركزي في المملكة الحيوانية هو في الأصل، قوس انعكاسي شرطي اكتسبته بعض الحيوانات في مجرى تطورها الفردي (Ontogenetic)))(2).

(1) جعفر: طبيعة الإنسان في ضوء فسلجة بافلوف الجزء الأول ص179-180.

(2) جعفر: طبيعة الإنسان في ضوء فسلجة بافلوف الجزء الأول ص179-180.

2- المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي): هو عبارة عن التمثل الذهني للعالم الخارجي دون أيةِ إضافة ذاتية، بمعنى امتدادات العالم الخارجي في ذهن الإنسان وهي في جذرها التاريخي نتيجة عدم التفكير بالالفاظ بل بالصور البصرية والأصوات السمعية واللمس(1) ونتيجة عدم تكوين المفاهيم (قبل ادراك القوانين الموضوعية) مكتسب سلبي يمثل (تهذيب) للمقياس الفطري بسيادة من الموضوع على الذات (أي خالية من النزوع او الوعي الذاتي، فالفاعل هنا هو الموضوع فقط) فعالمه هو مجاله الحسي المخزون في ذهنه والذي يتميز ((بالتماثل المتوازي المستقل))(2) ـ

(1) الا ان وجود الالفاظ وسماعها كفعل حسي وليس لغوي مهمة جداً لتكوين الوعي القصدي مستقبلاً.

(2) ((تصطدم محاولة الباحثين لاعادة تركيب التاريخ الانساني بمشكلة أو صعوبة خاصة وهي ان التشابه البايولوجي (الحيوي) و(الحضاري) لا يرجع دائماً إلى أصل مشترك، لأن بعض الأشكال المتشابهة قد تتطور بصورة مستقلة ومتوازية وفي العالم الكثير من الأمثلة على حالات التماثل المتوازي المستقل الذي لا يرجع إلى اتصالات حضارية سابقة بين الجماعات التي تلاحظ فيها تلك الحالات، وفي عالمنا الكثير من الأمثلة على التماثل المتوازي المستقل، فالنباتات الصحراوية في أفريقيا وأمريكا تنبت في بيئات متشابهة وقد مرت في ظروف تغيير متماثلة على الرغم من انعدام الصلة الوراثية بينهما، كذلك الحيوانات الكيسية في استراليا هي الأخرى قد تطورت في اتجاهات تشبه اتجاهات تطور الحيوانات الثديية الأعلى منها مع انها تنتمي إلى صنف وراثي متميز، كما نلاحظ أوجه تشابه لغوية عديدة في اقاليم جغرافية منفصلة ومنعزلة نسبياً، وهي أيضاً قد نتجت عن عملية التطور المتوازي او المستقل وعليه فمن الواضح ان أوجه الشبه في مختلف جوانب الحضارات يمكن دراستها من زاويتين وهما التطور المستقل والاتصال الحضاري، ما الانتربولوجيا، د. قيس النوري ص11-12) ويقول جورج سارتون ((ومما يدعو إلى العجب اتفاق الشعوب السابقة إلى الحضارة اتفاقاً تلقائياً على استعمال القاعدة العشرية، ولكن ذلك ليس أعجب من التناسق اللفظي البديع في كل لغة. تاريخ العلم جـ1 ص58)).

الذي يشبه إلى حد ما التماثل المتوازي المستقل لطلائع البشرية الأولى (طفولة البشرية) وان دور الذات (ويمثلها في هذا المستوى الوعي الحسي المخزون في الذهن) هو استحضار الصورة المخزونة التي تطابق الموضوع، حيث توجد مرحلتان: مرحلة تكوِّن صورة للموضوع ومرحلة استحضارها الذاتي عندما يصادفها الموضوع او دافعه وهو الوعي النهائي للحيوان مهما بلغ من درجة التطور فهو لا يتعدى عن المقياس الذهني البسيط او الوعي المعبر عنه بالصورة الذاتية للموضوع، مثال المقياس الذهني البسيط الذي يكونه الطفل كنفي ديالكتيكي للمقياس الغريزي هو تغيير شكل اطار قنينة الرضاعة حيث ان الطفل يرفض حلمة الرضاعة بمجرد تغيير لون الاطار المحيط بها لدرجة ان الام لا تدرك ان سبب الرفض هو تغيير اللون، وفي تجربة بسيطة ومحدودة اجريتها وذلك بتغيير حجم حلمة الرضاعة لاحظت ان الاطفال الرضع أما ان يرفضوها بمجرد اللمس باليد أو يتأكدون من ذلك عن طريق وضعها في أفواههم ثم يرفضونها ((قام ايماس وجماعته 1971 بدراسة تبين منها ان الطفل في نهاية الشهر الأول يستطيع ان يميز بين صوتي الباء -b-والباء-p-وهو فرق دقيق للغاية))(1) كما ((لاحظ جان بياجيه ابنته جاكلين في سن تسعة شهور وستة عشر يوماً تتعرف على الاختلاف بين صوت الزجاجة التي تحتوي على عصير الفاكهة وصوت الاناء الذي يحتوي على شراب مقزز . . حينما تخرج الملعقة من الزجاجة تهم بفتح فمها على مصراعيه، ولكن اذا جاءت الملعقة من الاناء تبقي فمها محكم الاغلاق))(2) ((راقب جان بياجيه ابنته جاكلين عندما كانت في الشهر السادس عشر من عمرها شاهدت ذات يوم طفلاً يكبرها بشهرين وهو يصرخ ويركل محاولاً الخروج من القفص الذي يوضع فيه الأطفال كي لا يزحفوا إلى مواطن الخطر في البيت دون ملاحظة والديهم. ويصف بياجيه المشهد كما يلي :

(1) ولقد استعمل الباحثون طريقة طريفة للوصول إلى هذا الاكتشاف فمن المعروف ان الطفل يمص بسرعة ثابتة عندما تكون التنبيهات التي تصله مستقرة ثابتة، أي لا يوجد فيها شيء مثير وجديد ولكن عندما يتعرض لتنبيه جديد فان سرعة المص لديه تزداد وتيرة، ولقد وضع الباحثون في فم الطفل مصاصة مربوطة بجهاز إليكتروني يسجل سرعة المص لدى الطفل وبعد القيام بذلك فتحوا مسجلاً صوتياً يطلق صوت ((با)) ba// بانتظام ورتابة حتى تعود الطفل على رتابة الصوت واستقرت سرعة المص بوتيرة واحدة، عند ذاك ابدل الباحثون الصوت من با إلى /pa/ أظهر جميع الاطفال في هذه التجربة وهم في الشهر الأول من عمرهم زيادة في سرعة المص لدى سماعهم الصوت الجديد، وتدل هذه الدراسة ان الاطفال يمتلكون القدرة على اجراء التميزات الادراكية الصوتية المطلوبة والضرورية لاكتساب اللغة البشرية، الحمداني: اللغة وعلم النفس ص140)).

(2) بيرد: جان بياجيه وسايكلوجية نمو الأطفال ص37-38 ترجمة د. فيولا فارس البيلاوي.

كان يصرخ محاولاً الخروج من قفص اللعب واخذ يدفعه إلى الوراء ويرفس بقدميه.ووقفت (ج) تراقبه بدهشة لأنها لم تر مثل هذا المشهد من قبل وفي اليوم التالي أخذت هي أيضاً تصرخ في قفص لعبها محاولة دفعه إلى الوراء وأخذت ترفس بقدمها رفساً خفيفاً عدة مرات متتالية))(1) وأُجريت عدة تجارب على أطفال في وقت مبكر نسبياً من عمرهم بالنسبة لعمر جاكلين لمعرفة إلى أي مدى يمكن للطفل ان يحتفظ بالمادة المرئية في ذاكرته ((الواقع ان البحوث المختلفة أعطت اجابات مختلفة على هذا السؤال فبعضها أثبت ان الطفل في سن اربعة أشهر يمكنه ان يتعرف على شكل هندسي بعد (24) ساعة من رؤيته اياه للمرة الأولى، أما البعض الآخر فقد أثبت ان الطفل في سن خمسة أشهر يمكنه ان يتعرف على أشكال هندسية بعد (48) ساعة وعلى الوجوه بعد أسبوعين من آخر مرة رآها فيها (Cohen & Gibler 1975)(2) .

(1) الحمداني: اللغة وعلم النفس ص144.

(2) الحمداني: اللغة وعلم النفس ص144.

هذه التجارب والملاحظات تثبت ان المقياس الذهني البسيط الذي يكونه الطفل من خلال تمثله الذاتي للعالم الخارجي المحيط به هو مقياس شمولي من حيث الشكل والحجم وحتى الصوت، وبلغة العقل الجدلي استطيع القول ان هنا رابطة ديالكتيكية (وعي) متضمنة على النفي التطوري حيث ان المقياس الذهني البسيط الذي كونه الطفل على سبيل المثال عن حجم حلمة الرضاعة أو لون الاطار المحيط بها حدَّ من غريزة الجوع (حدها باعتباره حلقة أكثر تطورية منه) وهذا يدل بشكل قاطع على ان ابسط عملية ذهنية اكتسبها الطفل من البيئة تغلبت على اقوى غريزة وهي غريزة الجوع بمجرد تغيير حجم حلمة الرضاعة أو شكل الاطار المحيط بقنينة الرضاعة كوعي اكتسب ذاتياً من العالم الخارجي (وهو في حقيقته ليس الا انطباعات حسية عن العالم الخارجي) وبهذا تكمن طاقة الغريزة أمام أبسط صورة ذهنية يكونها الطفل عن البيئة وهذا هو جوهر معنى النفي الديالكتيكي في اطار تكوين العقل الجدلي المتضمن نفي المرحلة اللاحقة التطوري للمرحلة السابقة.

قد يرد إلى الذهن سؤال: ما هو التطور الادراكي عند الطفل برفضه للرضاعة؟ التطور هو تكوين كوابح ذهنية عنده لأن التطور خروج غائيته من كونها حاجة بيولوجية إلى هدف في بيئته المحيطة.

ان هذا المقياس الذهني البسيط عند الطفل الانساني في مرحلة الإدراك اللفظي أكثر ديناميكية مما هو عند الحيوان حيث تتحجر هذه المقاييس عند الحيوانات مهما كانت درجة
تطورها قريبة من الانسان(1) لافتقارها للمراكز المخية اللغوية التي ينفرد بها الانسان (المركز المخي اللغوي الحركي، المركز المخي اللغوي السمعي، المركز المخي اللغوي البصري). ويعزى الفارق التطوري عند الانسان دون الاحياء الأخرى إلى الامكانية البيولوجية المتمثلة بوجود المناطق الرابطة التي تربط بين مراكز الاحساس البصري والسمعي واللمسي معاً ((وتتركز الروابط المسؤولة عن وظائف الكلام في احد نصوص المخ فقط (عادة الفص الأيسر حيث توجد التركيبات الترابطية المتخصصة التي تقوم بالتحويل الضروري للإشارات البصرية والسمعية إلى تكوينات لفظية Levy 1976)))(2).

وهذه الامكانية التي ينفرد بها الانسان هي التي تفسر لنا توقف النمو العقلي عند الحيوانات وخاصة عندما اكتشف اخيراً ((ان القردة العليا (الشمبانزي والغوريلا) تمر هي الأخرى بنفس المرحلة الحسية الحركية التي يمر بها الطفل الانساني
(1979,cheveller,skdnikoof,kids) على انه بمجرد وصول القردة إلى اكتمال مفهوم دوام الشيء(3) فان نموها العقلي يتوقف في حين يستمر النمو العقلي للطفل الانساني بعد هذه المرحلة،وذلك فيما يبدو بفضل قدرته على استخدام الرموز اللغوية))(4) ـ

(1) بل حتى ان الطفل البشري نفسه اذا استنفذت إمكانياته الفسيولوجية المخية كنتيجة لعيشه في بيئة حيوانية منذ الولادة ولفترة طويلة من الزمن (تتحجر) عنده هذه المقاييس.

(2) اسماعيل: الاطفال مرآة المجتمع النمو النفسي والاجتماعي للطفل في سنواته التكوينية ص105.

(3) ان الاشياء المادية تظل موجودة حتى لو كانت غير موجودة في المجال الادراكي للطفل ولقد سمى بياجيه (الذي كان له فضل بحث هذا الموضوع) هذا الوعي (دوام الشيء) .

(4) المصدر نفسه ص217، ((ان ذكاء الانسان الكبير، وقدرته على تكوين الأفكار المجردة، وقابليته الفائقة على تكوين الرموز واستخدامها، هذه العوامل كلها تؤلف أساساً للاختلافات بين تعلم الانسان والحيوان، فهذه الاختلافات يمكن تلخيصها بإيجاز: 1) يستخدم الانسان تبصراً أوفر في حل المشكلات؛ 2) ينتفع الانسان أكثر مما ينتفع الحيوان من الخبرة الماضية، ويطبق على المشكلات الحاضرة أساليب تعلمها في مكان آخر؛ 3) يستطيع الانسان حل المشكلات باستخدامه العمليات الرمزية، بينما تحلها الحيوانات بأساليب السلوك الظاهرة عادة؛
4) ولقدرة الانسان على التجريد فهو يستطيع ان يستثني مجموعة كاملة من الحلول دفعة واحدة: فعندما يتضح أن حلاً معيناً لا يكون مرضياً في جانب خاص، فيمكن استثناء جميع الحلول الأخرى التي تشبهه من هذه الناحية؛ 5) ولتمكن الانسان من اللغة فانه يستطيع ان يتعلم من التلقين الظاهر. ص225 المدخل إلى علم النفس، ركس نايت ومرجريت نايت)).

ومن المهم ان أذكر إن بعض العلماء حاول ان يربي في منزله بعض أفراد الشمبانزي تحت ظروف بيئية أقرب ما تكون إلى البيئة الانسانية ((ومن هذه المحاولات تلك التي قام بها ((كيلوج)) وزوجته (Kelloge & Kellog 1933)، والتي قام بها ((هيز)) وزوجته (Hays, 1951) وقد بذل كل من هذين الزوجين جهوداً كبيرة في سبيل تعليم هذه الحيوانات اللغة الانسانية، فقد ربت أسرة كيلوج الشمبانزي ((جوا)) مع طفلها ((دافيد)) واستطاعت ان تعلمه فهم بعض الأوامر ولكنها لم تستطع ان تعلمه النطق بكلمة واحدة، اما أسرة هيز فقد استطاعت ان تكسب القرد ((فيكي)) القدرة على النطق بثلاث كلمات هي ((بابا)) و((ماما)) و((كب)) أي فنجان، والواقع انها قد فعلت ذلك بصعوبة كبيرة وبعد تدريب شاق اشتمل على تحريك شفتي القرد بأيديها بشكل مباشر))(1) في حين ان الطفل البشري في عمر ثلاث سنوات (بشرط ان يعيش في بيئة بشرية) تكون لديه حصيلة لغوية حوالي الف كلمة ((ولا يصل الطفل إلى السن الرابعة الا ويكون قد سيطر تماماً على المهارة اللغوية))(2) ((فاللغة خاصية انسانية ذات انظمة مفتوحة بينما تعتبر أنظمة النداءات والصيحات الحيوانية مغلقة))(3).ـ

مهما كان الجهد المبذول لتطور الإمكانية العقلية للحيوانات لا يتعدى في ارتقائها أكثر من تحويل المقياس الذهني من بسيط إلى تخصصي يمكن تسميته بالمقياس الذهني الوظيفي(4). ـ

(1) المصدر نفسه ص92.

(2) إسماعيل: الأطفال مرآة المجتمع، النمو النفسي والاجتماعي للطفل في سنوات التكوينية ص203.

(3) فهيم: قصة الانثربولوجيا، فصول في تاريخ علم الانسان ص225.

(4) انظر ص71 حالة كمالا وكيفية تحجر مقاييسها الذهنية البسيطة بعد ان عاشت في زريبة احدى اناث الذئاب وصغارها.

مثال ذلك المنعكسات الشرطية لبافلوف، كالربط بين صوت الجرس والطعام بدون ان يتضمن أي تركيب ذاتي (خلق) للتفكير المجرد حيث قام بافلوف بتجربة طريفة ثبت عنده ((ان فقدان اللغة عند الحيوان هو الذي يحول دون نشوء المدركات العقلية في دماغه حتى لدى الحيوانات الراقية القريبة للانسان في سلم التطور البايولوجي، فلا تتكون لديها (بفعل افتقارها للغة) الا المدركات الحسية (الصور الذهنية الحسية السمعية أو البصرية الخ) المنبثقة عن العالم المحيط بها، معنى هذا انها عاجزة عن تجريد نفسها عن الواقع المباشر أو الآني Immediate وعاجزة ايضا عن التفكير المجرد (الفكر الملتحم باللغة) ولهذا فهي تفتقر إلى إدراك جوهر الأشياء، وقد ثبت ذلك مختبرياً، فقد أجري بافلوف تجربة طريفة على الشمبانزي ثبت عنده إخفاق هذا الحيوان الراقي في ان يفعل شيئاً آخر سوى تحليل الصور الحسية البصرية وفي ظروف محدودة جداً وملائمة، وهذا هو الحد الأعلى من ((تفكيره البدائي الحسي)) بتعبير بافلوف. وتفصيل هذه التجربة: ان بافلوف وضع الشمبانزي الجائع في مكان بعيد عن القفص الذي يحتوي على الموز وحجز بينها بنار أشعلها خصيصا لتحول دون وصول القرد إلى طعامه. ووضع في جهة أخرى إناء صغيراً فارغاً قريباً من إناء كبير آخر مملوء بالماء ثم بدأ بالتلميح لمساعدة القرد على اطفاء النار، فاستطاع هذا ان يملأ الاناء الفارغ من الاناء الكبير المملوء بالماء، وان يطفئ النار بعد ذلك ويصل إلى القفص ويتناول الموز، وفي تجربة أخرى مماثلة وضع بافلوف القفص الذي يحتوي على الموز وسط حوض مملوء بالماء ووضع الاناء الفارغ قريباً منه والاناء الآخر المملوء بالماء بعيداً عنه، ولاحظ ان الشمبانزي بدلاً من ان يملأ الاناء الفارغ من الحوض كما كان متوقعاً ذهب إلى الاناء المملوء بالماء وأعاد ما فعله في التجربة السابقة، أي انه لم يكن قادراً على ان يفكر في ايجاد طريقة أخرى لاطفاء النار غير التي ألفها، وسبب ذلك من الناحية السايكلوجية راجع إلى عجزه عن تكوين صورة عقلية أو مدرك عقلي concept للماء ينطوي على خصائصه العامة، فلم يدرك (لافتقاره إلى اللغة بالدرجة الأولى ولعوامل فسلجة أخرى) ان ماء الحوض يطفئ النار أيضاً، أي ان تفكيره حسي بصري يفتقر إلى صفتي التجريد والتعميم (اللتين تنطوي عليها الكلمات)))(1) ان اكتساب اللغة عند الطفل هي الاساس المانع لتخصص المقياس الذهني البسيط وذلك بقطع عملية تحويله إلى مقياس ذهني وظيفي وانما إلى مقياس ذهني مركب نتيجة لصفتي التجريد والتعميم(2) ـ

(1) جعفر: اللغة والفكر ص80.

(2) ان الكليات كتجريد عام لموضوعاتها الجزئية هي الابن الشرعي لمنعكس التوجيه غير الشرطي الفسيولوجي (غريزة حب الاستطلاع بالمعنى السايكولوجي) حيث باطار الاستقراء المديد الفاعل في تاريخ البشرية باعتباره الظروف التي وفرت الشرائط التي عندها تكتمل التصورات اللازمة لهذا التجريد كروابط ذهنية للقوة الكامنة في تشيؤ الجزئيات (التجريد الذهني نتاج العلاقات الموضوعية بين الاشياء) فهي لا تكمن في أي جزئية من الجزئيات وإنما هي قوة عقلية كلية للجزئيات تكمن في الذهن كمقياس ذهني مركب للمقاييس الذهنية البسيطة للجزئيات بمعنى تمظهر ذهني لماهية الجزئيات، وصفتي التجريد والتعميم من خواص ذهن الانسان.

اللتين يتصف بهما تفكيره لارتباطه باللغة ((ولابد من الاشارة هنا إلى ان طفل الانسان يبقى طوال الأشهر الستة الأولى في حياته في مستوى تفكير الحوانات الراقية من ناحية الكلمات التي يسمعها من الاشخاص المحيطين به أي ان تلك الكلمات تبقى عنده مجرد أصوات Sounds مبهمة ذات صفة سمعية حسية acoustic لا تحمل أي محتوى أو معنى، يتضح اذن ان الكلمات التي تسمعها الحيوانات الراقية من الانسان والتي تستجيب لها أحياناً بهذا الشكل أو ذاك هي أصوات مبهمة بالنسبة لها على غرار الأصوات الأخرى التي يحدثها حفيف الاشجار أو خرير المياه أو الرعد وما يجري مجراها: أي انها ذات صفة سمعية صوتية acoustic ولهذا فان الكلمات ذات الصوت السمعي الواحد تستثير (وان اختلف معناها) استجابة متماثلة عند الحيوان الذي يسمعها، فالكلب المدرب على الجلوس عند سماع كلمة place الإنكليزية يجلس ايضاً عند سماع كلمة Brace, Space, Cace, Race ذات الصوت المتشابه وان اختلف معناها، كما انه لا يجلس مطلقاً عند سماعه كلمة Sit مثلاً لانها تختلف في الصوت وان تشابهت في المعنى))(1) في حين ان الطفل الانساني اذا ولد من أبوين مختلفي اللغة يأخذ من كل منهما لغته فيصبح ثنائي اللغة ((فقد روى الاستاذ جويوم ان طفلاً أبوه الماني وأمه فرنسية قد أخذ الألمانية عن أبيه والفرنسية عن أمه وكان اذا طلب إليه ابوه بالالمانية تبليغ أمر لأمه بلغها ذلك بالفرنسية بدون ان يشعر بانه يترجم إلى لغة أخرى الكلام الذي كلفه أبوه تبليغه))(2) ـ

(1) المصدر نفسه ص80-81.

(2) وافي: نشأة اللغة عند الانسان والطفل ص180

3- المقياس الذهني المركب (الوعي القصدي): ـهو مجموعة الافكار والتصورات والعواطف المشحونة بشحنة نزوعية قوية والمتضمنة على الوعي الناتج من التركيب الذاتي لمجموعة المقاييس الذهنية البسيطة بعلاقة بين فاعلين هما الذات والموضوع وهي مرحلة مهمة في عملية النمو النفسي لأنها رحم العقد، واللغة أفضل تمثيل في تكوين هذا المقياس ولقد أجريت تجارب على أطفال المدارس الابتدائية تعزز أهمية توظيف اللغة في خلق الوعي ((فقد ارتبط في بعضها تيار كهربائي ضعيف يحدث رجة في الاصبع الأوسط لليد اليمنى ارتباطاً شرطياً بسماع الطفل كلمة ((ضوء)) فلوحظ بعد نشوء المنعكس الشرطي اللفظي المشار إليه ان الطفل أخذ يسحب يده بمجرد سماع الكلمة دون ان يصحب ذلك تيار كهربائي وهذا لا يختلف على وجه العموم عن تكوين منعكس شرطي حسي أزاء الضوء عند الحيوان الراقي، غير ان هناك فرقاً جوهرياً بينهما مفاده ان الطفل في التجارب السابقة بدأ يسحب يده أيضا عند مشاهدته كلمة ((ضوء)) مكتوبة على الشاشة التي توضع أمامه، كما انه بدأ يسحب يده في تجارب أخرى عند سماع كلمة ((قنديل))
أو ((مصباح)) أو ((كهرباء)) ذات المعنى المتماثل والتي تختلف كثيراً في الصوت وكذا الحال عند الكتابة، وهذا ما لا يحدث اطلاقاً عند الحيوان، وهذا هو الذي يميز تمييزاً جوهرياً الاشارة الحسية concrete أو المباشرة Immediate عن الاشارات اللفظية))(1) اذن الطفل الانساني في نموه يتطور في ذهنه عدد لا يحصى من المقاييس الذهنية المركبة على أساس المقاييس الذهنية البسيطة مثلما تتكون اللغة من عدد محدود من الحروف والطبيعة من عدد محدود من العناصر وذلك بمجرد ان يوجد في بيئة اجتماعية وخاصة في فترة الطفولة التي تنمو فيها مناطق الترابط في المخ اللازمة لنمو الوظائف الكلامية لأنه ثبت ان عزل الطفل عن البيئة البشرية يؤدي إلى ان يصبح بلا لغة بالرغم من وجود هذه الامكانية ((يروي هيوز Hewes 1976 حالة بنت في سن الثالثة عشرة والنصف كانت قد احتجزت وحيل بينها وبين أي تواصل حتى ذلك العمر، هذه البنت وجد انها قد أصبحت دون لغة اطلاقاً ومعنى ذلك ان الاستعداد البيولوجي وان كان شرطاً لازماً للنمو اللغوي الا انه غير كافٍ لضمان ذلك النمو في حالة غياب البيئة اللغوية))(2). وفيما يتعلق بهذه النقطة ذاتها لو سألنا لماذا نشأت اللغة عند الانسان دون الانواع الأخرى من الأحياء؟

(1) جعفر: اللغة والفكر ص78.

(2) اسماعيل: الاطفال مرآة المجتمع، النمو النفسي والاجتماعي للطفل في سنواته التكوينية ص133.

لقيل لنا لوجود الامكانية الفسيولوجية (ميكانزم اكتساب اللغة) عند الانسان ولكن المشكلة هي لماذا نشأت الامكانية الفسيولوجية لاكتساب اللغة عند الانسان دون الاحياء الأخرى؟

اعتقد هنا ان اللغة تطورت بمستويين مترابطين مع بعضهما – زمنياً وزمانياً من جهة ومع تطور البيئة الاجتماعية للانسان من جهة أخرى – ترابطاً جدلياً لا انفصام فيه ففي المستوى الأول تم تكوين إمكانية هائلة داخل التركيب المخي للإنسان لاستيعاب البيئة المحيطة بالتدريج من بيئة بسيطة إلى بيئة معقدة باختلاف مراحل تطور أجيال الكائن الذي أوشك ان يكون انسان عاقل وذلك عندما تراكمت في ذهنه معلومات يريد ان يعبر عنها (اجتماعياً) والتي اصبحت حافز جمعي لتنضيج المخ وحفر القنوات في داخله لتتجول فيه انطباعاته البيئية.واستطيع أن أقول انها عملية شملت فترة الموجات الثلاث الأولى من تطور البشريات (الهومنيدات)(1) والمتمثلة بالاوسترالوبثيكس والبثيكانثروبيس وانسان النيادرتال والتي استغرقت الفترة الممتدة من قبل (4) مليون سنة إلى ما قبل 50.000 سنة(2) فمن التجارب التي أجريت على الحيوانات والتي يمكن ان تمثل المستوى الأول لتطور

(1) أنظر ص80 شرح موجات تطور البشريات (الهوميندات).

(2) من المهم ان اشير هنا إلى ملاحظة مهمة أشار اليها كارلتون كون في كتابة قصة الانسان ((شكل دماغ طفل الانسان المنتصب يشبه شكل دماغ طفل الانسان العاقل شبهاً كبيراً، وهذا يعني ان دماغ الانسان العاقل يفوق أدمغة أسلافه حجماً ولكنه يحتفظ بشكل أدمغة أطفال اسلافه حتى سن البلوغ ص40)).

اللغة عند الانسان باعتبارها (أي حيوانات التجربة) كالانسان (في هذا المستوى) لا تمتلك اللغة ولا ميكانزيمها الكامن ((وتتوالى الأدلة من التجارب الحيوانية على ان خبرات الشهور والسنوات الأولى من الحياة ذات أهمية عظمى وانها غير قابلة للازالة، ولقد ظهرت نتائج متعددة للتجارب على القطط الصغيرة، فقد ربى كل من الدكتور هيرش والدكتور سبينلي من جامعة ستانفورد عدداً من تلك القطط بحيث انها منذ الميلاد ترى باحدى العينين خطوطاً افقية وبالاخرى خطوطا راسية، وعندما بلغت تلك القطط من العمر 10 أو 13 اسبوع، فحص تركيب الخلايا في منطقة الابصار من لحائها فوجد ان هناك مجموعات من الخلايا تستجيب للخطوط البيضاء الرأسية أو الأفقية التي يقع عليها بصر القطة ولكن لا توجد خلايا تستجيب للخطوط المائلة وان تلك الخلايا موجهة ايضا إلى الاتجاهات الرأسية أو الافقية المشابهة للخطوط التي تستجيب لها، وانها لا تنشط الا عن طريق العين التي تعرضت للخطوط الرأسية أو الافقية، وقد تجمع مزيد من الأدلة حول أهمية الخبرات الأولى من بحوث الدكاترة ديوز وهيوبل وويزل من كلية الطب في جامعة هارفارد، فقد بينوا أخيراً ان تغطية احدى عيني القطة لفترة صغيرة من حوالي أربعة اسابيع إلى ثمانية بعد الميلاد تحدث أثراً كبيراً على حدة الابصار وتمييز الانماط بل تقلل من استجابة القطة حتى انها لا تستجيب للمنبهات البصرية، الا اذا كان بعضها يختلف عن البعض الآخر في درجة الاضاءة وهذا التأثر لا رجعة فيه ويبدو انه يرجع إلى حدوث ضمور جزئي في النواة الجانبية وهي مركز الارسال الواقع في الممر العصبي من العين إلى اللحاء))(1) ((واحد التطورات الطريفة في ذلك المجال هو ما لاحظه دكتور تشسلر من كلية الطب بنيويورك من ((ان القطة الأم قد تعمل كوسيط هام لنقل المعلومات عن طريق الملاحظة)) فقد ظهر من خلال التجربة التي حاول فيها معرفة الوقت الذي تستغرقه قطيطة كي تتعلم ان تضغط على رافعة فور رؤيتها ضوءاً لكي تحصل على مكافأتها من الطام، فقد تعلمت القطيطات التي اتيحت لها فرصة رؤية امها تقوم بذلك – هذه العملية بسرعة تبلغ 4 أضعاف سرعة القطيطات التي لاحظت قطة غريبة عنها تقوم بذلك بينما لم تستطع القطيطات التي لم تتح لها فرصة التعلم عن طريق المحاكاة واقتصرت على المحاولة والخطأ – لم تستطع اكتساب تلك الاستجابة، ولعل هذا يفسر لنا لماذا يحدث التعلم لدى القطط وغيرها من الثدييات أساساً عن طريق الملاحظة وليس عن طريق المحاولة والخطأ أو التطويع Conditioning))(2) ان التأثر بالبيئة والتكيف لها وتوظيف الخبرة تمتد لفترة ما قبل الولادة في التكيف للمستوى الأول ((ولقد أجريت دراسات على أثر البيئة الأولى على الأطفال وامتدت لتشمل فترة ما قبل الولادة، اذ قام عالمان يابانيان هما دكتور أندو ودكتور هاتوري من جامعة كوبي، بدراسة أثر الضجيج الذي تحدثه الطائرات على الأطفال المولودين في مدينة ايتامي الواقعة قرب مطار اوزاكان الدولي، ولقد خرجا بنتيجة هامة مؤداها ان 58% من الاطفال الذين ولدوا لامهات انتقلت إلى ايتامي قبل الحمل، أي الذين قضوا فترة حياتهم الجنينية كلها بالقرب من المطار، كانوا ينامون نوماً عميقاً طوال الليل بينما بلغت نسبة من يتيقظون ويبكون أثناء الليل عند مرور الطائرات (6%) ستة بالمائة فقط، اما الاطفال الذين انتقلت امهاتهم إلى ايتامي من خلال النصف الاخير من فترة الحمل أو بعد الميلاد فمنهم (16%) ستة عشر بالمائة فقط كانوا ينامون نوماً عميقاً بينما كان يستيقظ من 45 إلى 50 بالمائة منهم ويبكون أثناء الليل عند مرور الطائرات))(3). ومن التجارب غير المباشرة والطريفة في توظيف الخبرة ما لوحظ عند الحيوانات المختبرية حيث ان نشوء المنعكسات الشرطية يحدث أسرع لدى الحيوانات التي الفت المختبر وتعرضت للتجارب، أي انها اكتسبت القدرة على حل قضايا مختبرية بشكل أكثر نجاحاً من غيرها.ـ

(1) تايلور: عقول المستقبل ص101 الترجمة العربية للدكتور لطفي فطيم.

(2) تايلور : عقول المستقبل ص105 ترجمة د. لطفي فطيم.

(3) المصدر نفسه ص95.

والمستوى الثاني من مستويي تطور اللغة هو توريث هذه الامكانيات بشكل ميكانزيمات كامنة لاستيعاب البيئة لغويا بشكل مكثف جداً وانها عملية شملت الموجة الأخيرة من الهومنيدات في تطورها والتي أصبح فيها هذا الكائن انسان عاقل Homo Sapiens وهي الفترة التي بدأت قبل حوالي 50.000 سنة والعلاقة الجدلية للمستويين مع البيئة الاجتماعية باعتبارها الجذر التكويني لمحتوى لغة كل أمة تتمثل بالتفاعل التاريخي للجماعات في خلق الفونيم بالاتفاق العفوي وتصنيع المورفيم بالاتفاق القصدي، ويدل على ذلك هو ان ميكانزيمات اللغة على المستوى البايولوجي هي تجريد عام لا ترتبط بلغة معينة وعلى المستوى الاجتماعي ان محتواها كمورفيمات لا تحمل المعنى بذاتها بل بعلاقات الوعي الجمعي لها، حيث يكون مورفيم لمجتمع ما يحمل معنى بينما يكون نفس المورفيم لمجتمعات أخرى مجرد اصوات مصطفة لا تحمل أي معنى، حتى اكتساب اللغة بالنسبة لاطفال المجتمع هو خروج من استخدام الكلمة كتعبير ملازم للشيء إلى استخدامها كاشارة ممثلة له (بمعنى انها ليست صفة من صفات الشيء) فالاستخدام الأول هو عملية حسية اما الاستخدام الثاني فهو عملية ادراكية تستند إلى خزين عقلي جماعي والذي تكوَّن من توظيف خبرة اجيال اسلافه وللعدل والانصاف نقول ((ان الانسان الحديث لا يملك دماغاً أكبر ولا قدرة أصلية على التفكير أعظم من سلفه الذي عاش قبل (5000) سنة ولكن فعالية تفكيره تضاعفت مرات عدة عبر التعلم وعبر ادخال تجربة الاجيال السابقة ضمن تجربته))(1) ـ

(1) كار: ما هو التاريخ ص129 ترجمة ماهر كيالي، بيار عقل.

عند هذه النقطة يمكن القول فيما يخص العلاقة ما بين الفكر واللغة ان الفكر دائما يخلق اللغة الا ان العلاقة بينهما تكون عكسية في الاسبقية فقط في مراحل التطور التاريخي للفرد والمجتمع عنها في مرحلة الجذور التكوينية للغة كل أمة، حيث في بدء وعي الانسان التاريخي كنوع في جذوره التكوينية الأولى؛ الفكر خلق اللغة عن طريق حتمية التعبير اللغوي عما يجول في ذهنه لشيء مقصود وهذا التعبير يتمثل عملياً بخلق الفونيم Phoneme فاصبح التعبير في تفاعله الموضوعي ذا دلالة بالاتفاق القصدي والذي يتمثل عمليا بتصنيع المورفيم Morpheme (الكلمة) أي يدل على شيء ما، وهذا ما يحدث أيضاً عند الحيوانات الراقية من تعبير قصدي بالاصوات ((حيث وجد العلماء ان لدى الشمبانزي حوالي اثنين وثلاثين صوتاً مختلفاً يستطيع عن طريقها ان يحقق التواصل مع افراد جنسه، فهناك أصوات تعبر عن الرغبة في التواصل الجماعي وهناك أصوات يثيرها مثل هذا التواصل وكلاهما يتميز عن الآخر تماماً، وهناك أصوات تعبر عن الخوف وأخرى تعبر عن تأكيد السيطرة، وأصوات تعبر عن الاحتجاج والاستغراب والمفاجئة والعدوان والاحباط والنداء الجنسي وهكذا))(1) اما بدئ وعي الفرد في مجتمع مشبع بالدلالات يحدث العكس في الاسبقية، اللغة في البدء تكون كأداة ووسيلة للتعبير عن الفكرة لأن البيئة التي يولد فيها الطفل (حبلى) بالاشارات والرموز والمفاهيم اللغوية كنتيجة للتطور التاريخي الكبير للغة التي كانت بيئة بدء الانسان كنوع تفتقر لها، وهذا هو المقصود بالتاريخ كبعد ديالكتيكي لا يمكن فصله عن الفرد والمجتمع. فعلى حد تعبير ((دوروثي لي)) ((صحيح ان تفكير الفرد لابد من ان يسير باتجاه تياراته الخاصة، ولكن هذه التيارات نفسها موروثة من افراد سابقين حددوا اتجاهها في سياق الجهود اللاواعية التي بذلوها للتعبير عن مواقفهم من العالم، وتحتوي قواعد اللغة على الخبرة التي تراكمت على مر الاجيال والتي يجري تجميعها، وتعرضها بشكل مجمل مبلور بحيث تمثل النظرة الاجمالية التي يتبناها أي شعب من الشعوب نحو العالم))(2).ـ

خلاصة القول يمكن توضيح هذه المقاييس (المقياس الفطري، المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي)، والمقياس الذهني المركب (الوعي القصدي)) من خلال مراحل ارتقاء اللغة عند الطفل كمثال لتطور هذه المقاييس جدلياً، باعتبار اللغة سواء أكانت مكتوبة أو منطوقة أو لغة اشارات هي ممثل عقل الانسان (تفكيره) في تفاعله الموضوعي مع الغير، فمن الثابت علمياً (هو ما تم توضيحه سابقاً وما سيتم لاحقاً) ان اكتساب اللغة لا يمكن ان يتم ما لم تكن هناك امكانيات فسيولوجية(3) وهذه الامكانيات تتمثل بنمو ونضج الجهاز العصبي والغدد الصماء والتي تعتبر البيئة التحتية الاساسية للنمو والتطور المزدوج الجسمي والذهني.ـ

(1) اسماعيل: الأطفال مرآة المجتمع (مصدر سابق) ص91.

(2) الانثرولوجيا وازمة العالم الحديث ص183 تحرير والف لنتون، ترجمة عبد الملك الناشف .

(3) هذا الجهاز أو التكوين المادي للعقل كأساس لابد منه هو هام بمعنى يجب ان يوجد دماغ سليم لتحقيق استمرارية نمو الوعي، ويوجد اختلافات فردية كمية ونوعية بين الافراد في تكوين الجهاز.

تم تحديد أربع مراحل لانتاج الأصوات في العام الأول من عمر الطفل وهذه المراحل عامة ومتشابهة عبر مجتمعات لغوية مختلفة وهي:

أ- الصياح الذي يبدأ مع الميلاد.

ب- الاصوات الأخرى التي تشبه الهديل، والتي تبدأ في نهاية الشهر الأول.

جـ- المناغاة التي تبدأ في منتصف العام الأول.

(((Patterned) اد – الكلام المشكل المنمط) في نهاية العام الأول))(1)ـ

تمثل المراحل الأربعة السابقة مع التكوين الفسيولوجي للطفل بتعبير العقل الجدلي التداخل ما بين المقياس الفطري والمقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي) الذان يعبران عن التماثل المتوازي المستقل لجميع أفراد المجتمعات البشرية التي على أساسها يستمر النمو والارتقاء اللغوي عند الطفل ((فمنذ نهاية الشهر الأول يستطيع الأطفال تمييز الأصوات البشرية من الاصوات الأخرى، وفي نهاية الشهر الثاني يستجيب بشكل مختلف لصوت امه، ثم للاناث غير المألوفات له، وقد يصدر في وقت مبكر بعض الأصوات محاكياً أنماطاً صوتية يصدرها الراشدون من حوله وذلك في أوائل النصف الثاني من السنة الأولى، الا ان هذه الاصوات لا تكتسب معانياً الا في مرحلة متأخرة عن ذلك بوقت غير يسير، في أواخر السنة الأولى، وتظل قدرة الطفل على استخدام لغة الراشدين ضئيلة، بينما تزداد قدرته على فهمها حتى منتصف السنة الثانية))(2).ـ

(1) يوسف: سايكولوجية اللغة والمرض العقلي ص113.

(2) المصدر نفسه ص112.

هذه المرحلة، مرحلة إدراك الأصوات واصدارها هي مرحلة المقياس الذهني البسيط أو الوعي اللاقصدي باعتبارها امتدادات من الخارج إلى داخل ذهن الطفل يدركها كما هي في دخولها إلى ذهنه وتمثيله لها لا كما يفهمها ويدركها الراشدون من حوله، هذه المقاييس الذهنية البسيطة هي وعي بسيط لا قصدي فهي وعي بسيط لانها تتضمن إدراك شيء ما من البيئة الخارجية والذي على أساسه سيتكون الوعي المركب، ولا قصدي لانه لاغائية ولا انتقائية من الطفل نفسه في دخول هذا (الوعي) إلى ذهنه ((وفي النصف الثاني من تلك السنة [ السنة الثانية ] تنمو قدرته على الكلام بصورة بارزة ومفاجئة، تأخذ بعد ذلك في النمو المطرد السريع))(1) عندها يتكون المفترق الموضوعي للافراد داخل المجتمع الواحد(2) ((في هذه المرحلة [ مرحلة استخدام الكلمتين وما بعدها، حوالي في الشهر الثامن عشر إلى الشهر العشرين ]* ان الطفل يصبح له نظام لغوي من صنعه هو وليس نسخة مباشرة من نظام الراشدين، ويبدأ الطفل في استخدام وسائل لغوية بطريقته الخاصة ليبتكر منطوقات جديدة، هذه المنطوقات ذات علاقة ما بالكلام الذي سمعه من حوله ولكنها لسيت بالتأكيد مجرد نسخة مصغرة من تلك المنطوقات))(3).ـ

(1) المصدر نفسه ص113.

(2) وعلى اساس تطوره التاريخي وتفاعله مع الغير يتكون المفترق الموضوعي للمجتمعات المختلفة

* ما بين القوسين المركنين في داخل النص اضافة من عندي، وهي كذلك في كل مكان من الكتاب.

(3) يوسف: سيكلوجية اللغة والمرض العقلي ص115.

نلاحظ بسهولة من النص السابق ان الطفل في هذه المرحلة (مرحلة القياس الذهني المركب الخاص باللغة هنا) ان له نظام لغوي من صنعه وابتكاره، وبجدليته هو، وفي هذه المرحلة (أي المقياس الذهني المركب أو الوعي القصدي) تتعدد وتتنوع وتنمو المقاييس الذهنية المركبة لشتى الموضوعات والعلاقات التي يريد ان يعبر عنها الطفل بوعيه، ويكمن التوالد في تكوين وتعدد وتنوع هذه المقاييس الذهنية المركبة بتعدد وتنوع المقاييس الذهنية البسيطة الداخلة في ذهنه والمتزامنة مع نمو ونضج الجهاز العصبي المركزي والغدد الصماء كامكانية فسيولوجية مادية لابد منها لاستيعاب اللغة وادراك البيئة المحيطة به، هذه المقاييس الذهنية المستندة على التكوين الفسيولوجي في أصلها والى البيئة الاجتماعية في تفاعلها والى الذات المتفردة في نتاجها هي الوحيدة التي تعطي لنا تفسير للتمثل اللامادي للغة وللتواصل والامكانيات اللامحدودة للخلق اللغوي تاريخاً وذاتاً.

((وقد ثبت ان هناك تأثيراً متبادلاً في مجرى عملية التطور البايولوجي والاجتماعي، بين المراكز المخية اللغوية الثلاثة (المركز المخي اللغوي الحركي المختص بنطق الكلمات والمركز المخي اللغوي السمعي المختص بسماع الكلمات وبفهم معانيها والمركز المخي اللغوي البصري المختص بقراءة الكلمات المكتوبة وبفهم معانيها، وبجهاز النطق (الحنجرة واللسان والحبال الصوتية) من جهة وبين محتوى اللغة (يعني الرموز الصوتية والمكتوبة) من جهة أخرى، فقد أدى تطور كل منهما إلى تطور يلائمه في الجانب الآخر، أي ان الكلام، الذي ينشأ لدى الانسان في ماضيه السحيق.... هو، من حيث أصله الفسلجي حصيلة تطور دماغ الانسان، وانه، في الوقت نفسه، قد ساعد أيضاً على حدوث تطور لاحق في دماغ الانسان))(1).ـ

(1) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص235-236.

4- القياس الذهني المذهبي (الوعي الابداعي):ـخلق أو اكتشاف المضمون الجوهري للواقع حيث التبلور النوعي للموضوع ذهنياً وتحول الادراك الحسي (الصورة الذاتية للواقع المتضمنة على النفي التطوري) من الكمي إلى الكيفي ومن الشكل إلى المحتوى ومن العرض إلى الجوهر وما يتبعها من تكوين مفاهيم والتي سوف تنعكس في الذهن على شكل احكام عقلية ضمنية وتعتبر كمرحلة عليا من التفكير المجرد، وهذا المقياس المذهبي يعني ان المقياس الذهني يدرك بُعْدِيّاً المضمون الموضوعي للواقع وهذا يتم بسيادة واعية (ينعكس فيه الوعي على نفسه) من الذات على الموضوع، وفيه تكون العلاقات الاجتماعية في هوية فلسفية تاريخية تستوعب زمنياً الابعاد الزمانية للوعي.

النمو النفسي (الوعي) هو سلسلة التطور التتابعي للمقاييس الذهنية للذات من صورة تطابقية إلى إدراكية إلى نزوعية إلى تكوين أحكام عقلية ضمنية إلى مذهب يمثل قمة النفي الديالكتيكي لحلقة الموضوع، حيث يعكس (أي المذهب) نشاط الموضوع من فاعل إلى مفتعل والذات من مفتعلة إلى فاعلة أي فعل غير متوازي ما بين الذات والموضوع تتجه محصلته دائماً من الذات إلى الموضوع عند الذات المذهبية، الذات المذهبية شكل أعلى من أشكال النشاط العقلي للذات حيث تمثل الأرضية التي ينطلق منها فيما بعد النشاط النفسي (الوعي) أي تجريد المنطلق من الموضوع إلى الذات المذهبية حيث تكتمل عندها حلقة الذات الكبرى (أي عند الذات المذهبية وتدرك من قبل الذات المعاصرة التي تكون مذهبية بالايمان والطاعة وليس بالابداع حيث ان كل ذات مذهبية هي ذات معاصرة وليس كل ذات معاصرة هي مذهبية) فالذات المذهبية تمثل التنضيج الذاتي لمرحلة الانطلاق الموضوعية حيث يتم عندها استكمال الانعكاس الناقص لحلقة الموضوع الكبرى(1) بالانعكاس الكامل النامي لحلقة الذات المحصلة. وهذا هو خلاصة العقل الجدلي المتمثل بجدل التاريخ المتضمن توظيف الخبرة فعلى حد تعبير

(1) سيأتي توضيح حلقة الموضوع الكبرى بالتفصيل أنظر مرفق ص64 المخطط الخاص بها.


هيجل(1) يتضمن مبدأ التطور ((وجود بذرة كامنة – أي قدرة أو وجود بالقوة يكافح لكي يتحقق(2))): ((كل ما يتعين علينا ان نقوله هو ان الروح تبدأ ببذرة لا مكانية لا متناهية، لكنها امكانية فحسب، تشمل وجودها الجوهري في شكل غير متطور، كموضوع وهدف لا تصل إليه في نتيجتها وهذه النتيجة هي تحقيقها الواقعي الكامل. ويبدو التقدم في الوجود الفعلي انه سير من شيء ناقص إلى شيء أكثر كمالاً، لكن الناقص ينبغي الا يفهم فهماً مجرداً على انه مفتقر إلى الكمال فحسب، وانما على انه شيء يتضمن نقيضه الصريح، أو ما يُسمى بالكامل – بوصفه بذرة أو دافعاً، وهكذا فان الامكان يشير، نظرياً على الأقل، إلى شيء يستهدف ان يصبح واقعياً بالفعل، ولنذكر ان فكرة القوة Dynamism عند أرسطو هي ايضا فكرة الامكان Potentia أعني الطاقة والقدرة، وعلى ذلك فان الناقص بوصفه يتضمن ضده، هو تناقض موجود بغير شك لكنه تناقض يحل ويتلاشى باستمرار: فهو الحركة الغريزية أو الدافع الباطني في حياة النفس، الذي يستهدف تحطيم قشرة الطبيعة المحض، والحالة الحسية، وكل ما هو غريب عنها، لكي يبلغ نور الوعي، أعني الوعي بذاته))(3) الوجود الكامل هو وجود بالقوة (دائما هو مما سيكون) والوجود الناقص هو الوجود بالفعل (دائماً هو ما هو كائن) باعتباره اطار ضيق يعيق من تمظهر الامكانات الكامنة في ذاتها وهذا هو معنى نمو الذات ((بحيث تستمر الذات في كونها شيئاً غير ذاتها . . . . حيث يكون للنمو مضمون عقلي))(4) باعتبارها سلب مستمر لما هو كائن حتى ان ((التفكير كما عرفه هيجل: ((هو في أساسه سلب ما هو ماثل أمامنا على نحو مباشر)) لأنه وجود ناقص والنقص لا يكمن في ((الشيء في ذاته)) وانما نقص معرفة الذات المدركة للشيء المدرك، فالوجود ناقص بمقدار ما فيه من إمكانيات كامنة تطلب واقع موضوعي جديد، فهو نقص بالمعنى الجدلي الذي يعني نقص الوعي أو المعرفة العقلية لما هو كائن، فالعقل لا يبقى ثابت دون تغيير لأن مضمونه الحقيقي هو قوة جدل التاريخ الذي تنمو فيه الذاتية وتتموضع باعتبارها التعبير العملي عن هذا المضمون العقلي بقطبيها الفاعل (الخالق الجدلي للوقائع التاريخية أو المكتشف لقوانينها الطبيعية) والمنفعل العارف لها ((وليست ((الامكانات)) التي يحملها الواقع خيالات يخلقها ذهن عابث، وانما هي هذا الواقع نفسه منظوراً إليه على انه ((شرط)) لواقع آخر، وهكذا لا تكون أشكال الوجود الفعلي الموجودة أمامنا صحيحة في مجموعها الا بوصفها شروطاً لاشكال أخرى للوجود العقلي، وعلى ذلك فان صورة الواقع المعطاة مباشرة ليست واقعاً نهائياً))(5).ـ

(1) العقل في التاريخ ص127 – مصدر سابق.

(2) فكرة القوة والفعل هي أحد أربع افكار ارسطيه – على حد قول د. امام عبد الفتاح امام كان لها أثرها في الجدل الهيجلي وهي الفكرة التي قال عنها هيجل ((ان اروع ما عند أرسطو هو توحيده بين القوة والفعل)) وقد ظهرت هذه الفكرة في الجدل الهيجلي تحت اسم الضمني والصريح، أو ((ما هو في ذاته)) وما هو
((في ذاته ولذاته)) . راجع ص63 المنهج الجدلي عند هيجل: دراسة لمنطق هيجل د. امام عبد الفتاح امام)).

(3) هيجل: العقل في التاريخ ص130.

(4) ماركوز: العقل والثورة ص15.

(5) هيجل: العقل في التاريخ ص807 من مقدمة المترجم د.امام عبد الفتاح امام.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:12 AM

أقسام المنتدى

المنتديات العامة | المنتدى الإسلامي | منتدى الترحيب والمناسبات | المنتدى العام | منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة | المنتديات الخاصة بقبائل بني عُقيل العامرية | منتدى أخبار ومناسبات بني عُقيل | منتدى أنساب ومواطن بني عُقيل | منتدى تاريخ بني عُقيل | منتدى أمراء وأعلام بني عُقيل | منتدى قصائد وأشعار بني عُقيل | منتدى مكتبة بني عُقيل | المنتديات الخاصة بالقبائل العامرية والعربية العامة والتاريخ العام | منتدى القبائل العامرية | منتدى القبائل العربية العامة | منتدى مكتبة الأنساب والتاريخ | المنتديات الأدبية | المنتدى الشعري العام | منتدى الخواطر ونبض المشاعر | منتدى القصص والروايات | منتدى الألغاز والأمثال والحكم | المنتديات المنوعة | منتدى الأسرة والمرأة والطفل | منتدى الصحة والطب | منتدى الرياضة | منتدى الطبيعة والسفر | منتدى الحاسوب والجوال والعلوم التقنية العامة | المنتديات الإدارية | منتدى الملاحظات والاقتراحات | منتدى المشرفين والمراقبين | منتدى السيارات والدراجات | منتدى المرأة العام | منتدى التدبير المنزلي | دواوين شعراء المنتدى | المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي | المنتدى التاريخي العام | منتدى الشعر النبطي | منتدى الثقافة العامة | قبيلة قيس العامرية (جيس) | منتدى بصمات مبدعي الموقع .. تخليداً لذكراهم |



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd SysArabs
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات قبائل بني عقيل
This Forum used Arshfny Mod by islam servant