عرض مشاركة واحدة
قديم 24-02-2011, 04:13 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مشرف (المنتدى الإعلامي لموقع بني عُقيل الرسمي)
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية الشناني

البيانات
التسجيل: Apr 2010
العضوية: 236
المشاركات: 923
بمعدل : 0.34 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الشناني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
 

كاتب الموضوع : الشناني المنتدى : منتدى القضايا الحوارية ، والنقاشات الجادة
افتراضي



-2-

حلقة الذات الكبرى وحلقة الموضوع الكبرى

حلقة الذات الكبرى

حلقة الذات الكبرى (أو المحصلة) التي تستكمل (تتمظهر امكانياتها) عند الذات المذهبية وتدرك في تموضعها من قبل الذات المعاصرة والتي تم شرح مقاييسها المتتابعة يمكن توضيحها بالمخطط شكل رقم -1-

شكل رقم -1-

يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار درجة حلقة الذات المحصلة وهي متتابعة أي ان المقياس الذهني المركب يحتوي ضمناً على المقياس الفطري والذهني البسيط بصورة كامنة كنتاج للنفي الديالكتيكي للمقياس الذهني المركب، وكذلك قد تكون ذات معاصرة في درجة المقياس الذهني البسيط (الوعي اللاقصدي) وذات أخرى في درجة المقياس الذهني المركب ـ
(الوعي القصدي) وهذه واضحة حتى في المجتمعات المذهبية، وهنا تبرز نقطة مهمة هي قد يكون الوعي بمستوى مقياس ذهني مركب لموضوع ما وفي نفس الوقت بمستوى مقياس ذهني بسيط لموضوع آخر (كل موضوع واطار حلقته) ولتوضيح هذا التداخل ((فمنا مثلاً من لا يزال يعيش في القرون السحيقة في القدم وبذهنيتها ومنا من يصارع تيارات القرن العشرين الصاخبة ومنا من يقف في مرحلة من المراحل العديدة بينهما، بل منا من يفكر ويعيش في جانب من حياته في مرحلة وفي جانب آخر في مرحلة أخرى بعيدة عنها كل البعد مختلفة عنها أشد الاختلاف فاذا بالشخصية الواحدة منقسمة على ذاتها: انقساماً لا شعورياً مضحكاً في بعض الأحيان، وانقساماً في أحيان أخرى واعياً ثائراً منطوياً على كثير من الألم المولد والتفاعل النفسي المثمر))(1).ـ

(1) زريق: نحن والتاريخ ص28 – وحتى على مستوى حلقة الموضوع الكبرى يوجد هذا التداخل فمثلاً فيما يتعلق باكتشاف واستخدام المعادن، فان العصور السابقة لاستخدام المعادن تسمى بالعصور الحجرية لاستخدام الانسان الحجر ثم العصر البرونزي ثم العصر الحديدي ثم عصر الذرة، وعصر الفضاء (يمكن اعتبار هذا التقسيم التقسيم المعرفي (المدني) للتاريخ) يقول سارتون عن هذه العصور في تطورها ((ولكن من المفيد ان نسوق هنا تحذيراً ذا شقين: الأول ان العصر الحجري أو العصور التي تجمعها هذه الصفة، وكذلك العصر البرونزي والعصر الحديدي، لم تحدث في زمان واحد في كل اقليم من الاقاليم، فربما ابتدأت مبكرة، وربما استمرت أطول في اقليم عنها في اقليم آخر، استمر العصر الحجري في الأمريكيتين – مثلاً – إلى عصر الفتح الأوربي. الثاني ان هذه العصور لم تكن منفصلة مختلفة بعضها عن بعض اذ استمرت الأدوات الحجرية مستعملة في العصر البرونزي، واستمرت الأدوات البرونزية في العصر الحديدي وأحياناً استمر [ كما هو الحال على مستوى وعي الفرد باستمرار الغريزة ] استخدم المواد القديمة لاغراض دينية أو حقلية [ كما هو الحال على مستوى وعي الفرد باستمرار استخدام التعاويذ والتمائم ] كاستخدام السكاكين الحجرية لاغراض الختان في مصر الفرعونية وفلسطين، تاريخ العلم جـ1 ص49-50)).ـ

ان الذات المذهبية تتفاعل مع الموضوع وتغيره ويتغير تبعاً لذلك وعي الناس وهكذا يكون وعي الناس نتاج تغيير الموضوع وتغيير الموضوع نتاج عبقرية انسان والعبقرية ليست خالصة بل هي دائماً وأبداً عبقرية محصلة، بمعنى انها ليست متفردة مجردة بل متفردة منتمية باعتبارها غير مقطوعة عن الجذور التكوينية لوعي الأمة ومحركاتها الموضوعية (ما عدا علاقة العبقرية بالمعرفة حيث لا تنتمي إلى وطن أو امة) وهي تكمن في ابداع العبقري بتنظيم سلسلة تطور المجتمع من حلقاته المبعثرة إلى صيغ وتكوينات جدلية متقدمة وهي محصلة باعتبارها تاريخ الانسان الطويل في تعامله مع الطبيعة والمجتمع، لان العقل الجدلي لا يمكن ان يمثل القوة الفاعلة للحقبة التاريخية ما لم يعبر عن التكوين التاريخي للامة ان هذا الانسان الجدلي التاريخي الحي الفاعل والمتمثل بانسان الذات المذهبية الصانع للتاريخ هو ((ليس ((مستقبلياً)) مطلقاً سابحاً في الرؤى والأحلام ولا ((حاضرياً)) مطلقاً غارقاً كل الغرق في ما حوله من مشكلات ولا ((تاريخياً))(1) مطلقاً يحن إلى الماضي ويبغي ان يرجعه كما كان، وانما هو يعيش في توتر دائم بين الحاضر والمستقبل والماضي، وتتفاعل ذاته واياها جميعاً بادراك متزن صحيح، وبشعور دقيق نافذ، فيكون من أثر هذا التفاعل العمل التاريخي المبدع، الامين للماضي المتغلب على الحاضر، المخطط للمستقبل، الداخل في صلب الحضارة، المسهم فيها، المتشوق إلى من يأتي بعده ويتخطاه في مجالات الصنع والابداع والاسهام الحضاري. ومن الطبيعي ان صانع التاريخ هذا لا يستطيع تحقيق كيانه وبلوغ هذه المرتبة التي نصف إذا لم يشعر بقدرته على الاختيار واذا لم يكن مستعداً لتنفيذ اختياراته فالذي لا يرى السبل المختلفة المرتسمة أمامه، ولا يثير هذا الاختلاف قلقاً في نفسه ولا يحس ان عليه ان يختار بينها، وان يعتزم ويقرر، وانه قادر على هذا ومسؤول في نهاية الامر عنه – الذي لا يتصف بهذه الصفات أو ليس مؤهلاً لها يقصر عن الارتفاع إلى مرتبة العمل التاريخي ويظل تابعاً يجر قدميه في مؤخرة الركب ولا يتوصل إلى مقدمته))(2).ـ

ومن خلال هذا الانسان الحي الفاعل، البطل التاريخي، الذات المذهبية، نلاحظ خطأ عبارة ميزونوف حين يتحدث عن التيار الدينامي، (أحد مفاهيم عالم النفس الألماني لوين): ان هدف الدينامية في علم النفس كما في الفيزياء هو دائماً ((ارجاع الغرض إلى الوضع))(3) فدينامية الوعي الجدلي تصحح العبارة السابقة، بان هدف الدينامية هو دائماً دفع الغرض

(1) يميز مؤلف كتاب نحن والتاريخ بين التاريخي والتأريخي إذ ان التاريخ بـ(الألف اللينة) الماضي ذاته والتأريخ (بالهمزة) دراسة الماضي.

(2) زريق: نحن والتاريخ ص190.

(3) ميزونوف: دينامية الجماعات ص23.
أو الهدف إلى التموضع، والتموضع يعني تحقيق موضوعي لوعي بعدي، فهو ديناميكية آصرة الوسيلة – الغاية، والا فالدينامية التي يتحدث عنها ميزونوف هي عملية تكيف استاتيكي فهي دينامية في ظاهريتها كمراوحة في المكان دون ان تتضمن تموضع أي محتوى أو وعي جديد فهي بمعناها العريض استاتيكية:الوسيلة – الغاية كاستجابة تكيفية لتموضع وعي ذات بعدية الوعي، وبمعناها الضيق هي مسار آصرة الغاية – الوسيلة كعودة لتحريك وعي قبلي، وبهذا تصبح مهمة التثقيف كتطور هو تحقيق الاستجابة التماثلية مع ما هو متحقق فعلاً والمتمثل بتموضع الذات البعدية الوعي كبطل تاريخي.

ان المجتمع (أي مجتمع في جميع مستويات تكويناته الانبعاثية التاريخية) ليس وجوداً مستقلاً خارج الافراد وانما هو نتاج تموضعات الوعي البعدي لافراده، وهكذا فالمجتمع كتجريد عام لا يفكر ولا يملك وعياً بعدياً وانما الافراد هم الذين يفكرون ويملكون وعياً بعدياً، وأفضل تشبيه للتفاعل المتبادل ما بين الفرد ومجتمعه الورقة والشجرة ((فالفرد من نوعه كالورقة من الشجرة تتغذى منها وتساعد على تغذيتها))(1).ـ

ويوجد أساس مادي لهذا التطور الذهني على المستويين الزمني والزماني ويتضح ذلك في العمليات العقلية العليا التي تكون ذات ركنين متميزين ومتلاحمين في آن واحد هما الجانب الجسمي المخي الذي هو أساسها والجانب الاجتماعي الثقافي المكتسب الذي يؤلف محتواها ((معنى هذا بعبارة أخرى محتوى الفكر ليس هو نتاج الوظيفة المخية وان كان مرتكزاً اليها وناشئاً بعدها وعلى أساسها، انه نتاج المجتمع عبر تاريخه الطويل))(2) وهذا الاساس المادي هو المبدأ الذي يعرف علمياً بأسم Corticalization: وهي العملية الفسلجية التي بلغت عند الانسان ذروتها والمتمثلة بخضوع الجسم كله لسيطرة القشرة المخية ((أي انتقال الوظائف الدماغية المهمة انتقالاً متدرجاً وفق مبدأ التطور صعداً إلى نصفي الكرة المحنية فالقشرة المحنية فالفصين الجبهيين بحسب تكامل كل منهما في الانواع البايولوجية المختلفة، فالوظائف التي تنجزها الاقسام الدماغية الواقعة تحت المخ في الفقاريات الدنيا التي لم يكتمل نمو المخ عندها قد انتقلت إلى المخ لدى الفقاريات الأرقى مع اختلاف متدرج بين هذه فيما يتعلق بدرجة تكامل نمو المخ))(3) ((وقد دل تاريخ تطور دماغ الانسان على ان المراكز العصبية الدنيا، الاقدم من الناحية التطورية التي تقع تحت المخ Sub Cortex (مثل ثلاماس وهايبو ثالاماس والجهاز الشبكي والمخيخ والقنطرة والنخاع المستطيل) قد أزاحت أهميتها البايولوجية جانباً وأصبحت ثانوية بفعل تطور المراكز الدماغية العليا والأحدث في نشوءها وارتقاءها بالاضافة ايضا إلى خضوع المراكز الدماغية السفلى إلى العليا، معنى هذا ان المراكز الدماغية السفلى لم تفقد أهميتها البايولوجية في المحافظة على حياة الفرد والنوع في ارتباطه بالبيئة المحيطة فقداناً تاماً بسبب انتقال الوظائف الدماغية المهمة إلى المراكز العليا بل أصبحت ثانوية خاضعة أو تابعة، وان المراكز الدنيا مستمرة في عملها في الجهاز العصبي المركزي السليم تحت اشراف المراكز العليا . . . أي ان الدماغ يتطور وفق مبدأ ((تراكم الطبقات)) Stratification: وذلك باضافة طبقات دماغية جديدة إلى القديمة وعلى أساسها وان اية طبقة قديمة لا تختفي أو تزول عن الوجود عندما تنشأ فوقها طبقة جديدة بل تنزاح جانباً بفعل الطبقة الجديدة. معنى هذا، بتعبير هيجل الفلسفي ان الطبقة الجديدة تنفي الطبقة القديمة نفياً ديالكتيكياً))(4) وتتم تلك العملية التطورية عن طريق وجود ممثلات مخية لأعضاء الجسم المختلفة من الناحية الحسية والحركية تختلف مساحاتها المخية باختلاف أهمية العضو من الناحية البايولوجية.

(1) ديورانت: قصة الفلسفة ص411 ترجمة فتح الله محمد المشعشع.

(2) جعفر: طبيعة الانسان في ضوء فسلجة بافلوف جـ1 ص303.

(3) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص101.

(4) نفس المصدر ص82-83 – هذا (النفي) الديالكتيكي هنا يشبه إلى حد ما المبدأ الفيزياوي المعروف بمبدأ التطابق Corres Pondence principle وهو القائل ((بان نظرية تصح في حقل معين لا تفقد صحتها فقداناً تاماً بنشوء نظرية جديدة أعم إنما تصبح قوانينها وصياغتها الرياضية حالة خاصة حدية من قوانين النظرية الجديدة وصياغتها الرياضية، الفلسفة والفيزياء جـ2 ص104 تأليف د. محمد عبد اللطيف مطلب))



حلقة الموضوع الكبرى

قبل توضيح حلقة الموضوع الكبرى (المجال الجذبي للواقع) باعتبارها نتاج التطور الجدلي لتموضع ذوات بعدية الوعي والاستجابة التماثلية الجمعية لها من قبل أفراد المجتمع ان اوضح عوامل المقياس الذهني وتكوين الذات الاجتماعية حيث بصورة عامة ان للمقياس الذهني عدة عوامل هي:


الموضوع: وهو المحفز الذي ينطلق منه تكوين المقياس الذهني لشتى الموضوعات فهو الواقع أو مجموعة المفاهيم العامة التي ينطلق منها ويتوجه اليها النشاط الذاتي (العقلي) للانسان أو أي نشاط آخر، وهي مفاهيم مرتبطة بمستوى محتوى العلاقة الجدلية بين الذات والموضوع.


العقلانية: هي انسجام القوة الكامنة للمقياس الذهني كمطلب بعدي (التطور، الغاية) مع الامكانية الموضوعية كوجود فعلي وان انعدام هذا الانسجام يؤدي إلى تكوين أفكار لا عقلانية من خيال وسحر وشعوذة، وعلى مستوى التطور التاريخي في الحقب التاريخية الأولى لم يتبلور هذا العامل (وهذه حالة شرعية) الذي هو عبارة عن التفاعل التاريخي للقصدية مما أدى إلى تكوين أفكار لا عقلانية من أساطير وآلهة محلية.


التكيف: تآلف نسبي بين المقياس الذهني والموضوع لتحقيق الاستمرارية، والتكيف نوعان: تكيف استاتيكي وتكيف ديناميكي، فالاستاتيكي هو تكيف لاستاتيكية الوعي المتمثلة بالقالبية المطلقة للمجتمع والتي تؤدي إلى العرف كاستجابة تماثلية لما هو موجود (آصرة استاتيكية: الوسيلة – الغاية)، والديناميكي هو تكيف لديناميكية الوعي المتمثلة بالعقلانية والتي تؤدي إلى (القانون) باعتبارها التفاعل الموضوعي للوعي البعدي للذات المذهبية في تموضع ذاتها كبطل تاريخي.

ويجب تمييز التكيف عن الترويض بكون الأخير يمثل سلطة الغير الاضطهادية المفروضة قسراً (سلطة مفروضة من خارج المجال الجذبي للواقع) على الانا سواء أكانت أنا فردية أو اجتماعية، وعندها تحدث أزمة، انتصار الترويض فيها على التكيف يؤدي إلى الاغتراب وانتصار التكيف فيها على الترويض يؤدي إلى العِرقية.


الاضافة الذاتية: تحويل المقياس الذهني إلى عقيدة.


الزمن: تهذيب مستمر للمقياس الذهني من خلال اسقاطات الخزين العقلي للانسان على الموضوع.

الذات الاجتماعية(1) التي هي نتاج تفاعل الذات المذهبية (وعي بعدي) والمعاصرة (استجابة تماثلية له) مع الموضوع [ الذات الاجتماعية=(المذهبية + المعاصرة) الموضوع ] ـ

عبارة عن سلسلة تطور المقاييس الذهنية المستمرة لافرادها ذات الوجود الموضوعي كضرورة تفرضها جدلية التكوين التاريخي للعقل.

(1) يجب التمييز – كما سيتضح فيما بعد – ما بين المدنية والحضارة في عقل الذات الاجتماعية حيث بصورة عامة جانب العقل الفاعل أي الكشف الذاتي يمثل المدنية حيث يمكن نقل المدنية في الزمان والمكان بينما الحضارة لها زمانها ومكانها وهي (أي الحضارة) ماضي لها قوة في الحاضر بينما المدنية ليست لها تلك القوة لانها مجردة من ضغط الوعي الجدلي، لذا فان عصرنة الماركسية وعقلنة الشيوعية يتم عن طريق التمييز هذا أي ما بين الوعي كخلق ذاتي للمجتمع والمدنية ككشف ذاتي للعالم وبهذا يكون النضال العالمي الموحد باتجاه ردم تلك الفجوة المدنية بين شعوب الأرض وكذلك يتوقف على هذا التمييز نوعية العلاقة ما بين الذات والموضوع، ففي حالة الكشف الذاتي تكون ذات سلبية تجاه الموضوع (ذات منفعلة، موضوع فاعل) وفي حالة الخلق الذاتي ذات ايجابية تجاه الموضوع (ذات فاعلة، موضوع منفعل) ويقوم تفاعلهما على التأثير التاريخي المتبادل ما بين الخبرة والممارسة والعقل والتاريخ للذات الاجتماعية.

الفارق الوحيد هو في (المتى) المرتبطة بالامكانيات المتمثلة بتموضع ذات بعدية الوعي كبطل تاريخي؛ لان العقل سمفونية رائعة لا يقبل النشاز، فالاضطراب يمثل النغمة (النشاز) التي لا تنسجم مع اذن المجموعة (الوعي الاجتماعي) والاضطراب يعني أزمة التكيف – الترويض، قد يكون نشاز للوهلة الأولى نتيجة تقوية النغمة (العقلية) وتطويرها من خلال التكيف لديناميكية الوعي وقد يكون نتيجة ملل تكرار النغمة الناتج عن التكيف لستاتيكية الوعي وان اشد أنواع الاضطراب هو الناتج عن النغمة الأجنبية نتيجة الترويض.

فالعقل ليس نتاج قوى خارج الطبيعة، وليس أيضاً نتاج قوى متناقضة بل هو نتاج انساني محض ذو محتوى موضوعي للاستمرار المتتابع على شكل سلسلة ديالكتيكية من النفي والصيانة للمقاييس الذهنية يكون الزمن فيها الغربال.

عندما لا يكون المحرك نتيجة قوى خارجية ولا نتيجة قوى متناقضة للموضوع فماذا يكون إذن ؟!!!

الدافع للحركة هو قوة الوعي البعدي والذي يتمثل بالتكوين المستقبلي لما هو موجود ضمن اطار تكوين العقل الجدلي والذي يخلق موازنة قلقة تلك التي ترفد الحركة بالطاقة نتيجة مفارقته (أي الوعي البعدي) للواقع مفارقة جدلية، وتستنفذ إمكانية الحركة بمطابقة جديدة للواقع مع الوعي البعدي، وكما قال برادلي ((الحركة مستحيلة على الشيء إذا كملت حقيقته))(1). فالحركة هي طاقة ذهنية تستنفذ امكانياتها في الواقع وتنتهي بمطابقة الواقع الجديد للذهن المتضمن على الوعي البعدي باطاره الجدلي، اذن فالحركة هي وعي نتاج لوعي وتنتهي بوعي فالحركة بعبارة مقتضبة هي ولادة وعي تماثلي من أمهِ الوعي القبلي وأبيه الوعي البعدي ولادة تكمن شرعيتها من الواقع الذي تعبر عنه. كنتيجة لنشاط العقل الاجتماعي الموروث عن طريق اللغة (المنطوقة والمكتوبة)(2) تطورت المقاييس الذهنية للانسانية من الفطرية إلى المذهبية. فمراحل التطور النفسي للفرد هي عينها مراحل تطور المجتمع(3) وكل مجتمع

(1) المنهج الجدلي عند هيجل ص143، د. امام عبد الفتاح امام .

(2) ((الميزة الخاصة التي يمتلكها الانسان، الا وهي تدوين خبراته حتى يستفيد منها الآخرون فهذه القدرة الفريدة تسمى الترميز Symbolization وبها تكون الكلمات المكتوبة رموزاً للافكار وهذه الرموز نفسها يمكن استخدامها لتوضيح الافكار بل وللوصول بسرعة أكبر فاكبر إلى افكار أكثر تعقيداً، ويكمن في هذه النقطة بالذات – نقطة استخدام الفكر الرمزي – سر تفوق الانسان على غيره من الكائنات الحية. ص6. عقول المستقبل، تأليف جون ج. تايلور . ترجمة لطفي فطيم)).

(3) ((المبدأ البايلوجي العام أو قانون (Biogenetic) الذي وضعه ارنست هيكل الالماني (1834-1919) والذي فحواه ان كل فرد يعيد بين طفولته ورشده الملامح الكبرى التي مر بها اسلاف الانسان في عملية النشوء والارتقاء، اما محاولات تطبيقه على التطور العقلي فقد قام بها ستانلي هول الامريكي (1844-1924). ص137. اللغة والفكر د. نوري جعفر)) ((من المقرر ان المراحل التي يجتازها الطفل في مظهر ما من مظاهر حياته تمثل المراحل التي اجتازها النوع الانساني في هذا المظهر.... يطلق على هذه النظرية اسم ((نظرية هيكل Hoeckel أو ((نظرية التلخيص العام)) ص43 نشأة اللغة عند الانسان والطفل، د. علي عبد الواحد)) ((ولقد علمتنا الاشياء البيولوجية الهامة المماثلة ان التطور النفسي للفرد ما هو الا تكرار قصير لتطور الجنس البشري، ص65 ليوناردو دافينشي. دراسة في السلوك الجنسي الشاذ، فرويد. ترجمة عبد المنعم الحنفي)) ((فالطفل يكرر في مسار نموه النفسي، وعلى منوال مختصر، التطور النفسي للسلالة البشرية وهو التكرار الذي كان علم الاجنة قد أقام البرهان عليه فيما يتصل بالجسم ص47 مسائل في مزاولة التحليل النفسي، فرويد. ترجمة جورج طرابيشي)) ((فمن الواجب على هذا المخلوق البدائي الصغير ان يصبح في عدة سنوات قليلة انساناً متحضراً، ومن الواجب عليه ان يمر بمراحل هذا التراث الضخم من تطور الحضارة الانسانية في صورة مختصرة جداً وقد جعل الاستعداد الوراثي ذلك أمراً ممكنا. غير ان ذلك لا يمكن ان يتحقق أبداً بدون المعاونة الاضافية التي تقدمها التربية وسلطة الوالدين- وهي أصل الأنا الأعلى – التي تحدد نشاط الأنا بالنواهي والعقاب، وتسهل حدوث الكبت أو تجبر الأنا عليه وذلك لا ينبغي علينا ان ننسى ادخال تأثير الحضارة ضمن العوامل المسببة للامراض العصابية، فمن السهل في رأينا، ان يكون الهمجي في صحة جيدة اما الرجل المتمدن فعبأ الحياة عليه ثقيل، وقد تبدو لنا الرغبة في الحصول على أنا قوي مكبوت أمراً معقولاً، غير ان ذلك شيء معاد للحضارة أشد المعاداة كما يظهر ذلك في هذه الأيام التي نعيش فيها ص104 فرويد. معالم التحليل النفسي ترجمة. محمد عثمان نجاتي)).


يختلف عن غيره من المجتمعات في فترات السكون التاريخي ما بين المقاييس الموضوعية ومحتواها حيث التطور يتناسب عكسياً مع السكون التاريخي أي التطور في المجتمع هو تقلص السكون ما بين المقاييس الموضوعية (الاجتماعية) وهو تطور متوازي مستقل في مراحله التكوينية الأولى بين المجتمعات المختلفة ومستقل نسبياً فيما بعد نتيجة الايحاء وهو تطور يتميز بالتماثل في الشكل العام(1) والاختلاف فيه يكون في الفترة الزمنية لانطلاق مراحله ومحتواه الضمني ومن أبرز الأمثلة على ذلك الانقلاب الزراعي وتدجين الحيوانات الذي حدث في بلاد الرافدين في العصر الحجري الحديث (في حدود الألف التاسع أو الثامن إلى 5600 ق.م) قد تباين زمن ظهوره في المجتمعات المختلفة الأخرى حيث ((انه إلى جانب مناطق الشرق الأدنى وفي مقدمتها شمالي العراق التي ظهرت فيها أولى وأقدم زراعة، ظهر ذلك الانقلاب أيضاً بوجه مستقل في مركزين آخرين من العالم ولكن في أزمان متأخرة عن ظهوره في الشرق الأدنى وهما الشرق الأقصى (الصين) حيث زراعة الرز وتدجين الخنزير في حدود 3000 ق.م وفي أمريكا الوسطى حيث زراعة الذرة في حدود 1000 ق.م أما في سائر انحاء العالم فقد انتقلت اليها منجزات العصر الحجري في ازمان متفاوتة في الشرق الأدنى بالدرجة الأولى، فمثلاً انتقلت إلى اوربا عن طريق تركيا واليونان والى جنوبي روسيا ووادي الدانوب ومع ذلك الانتشار فان مجتمعات بشرية عديدة ظلت تعيش في طور جمع القوت بعد مرور ألوف كثيرة من السنين على ظهور الزراعة في

الشرق الأدنى))(2)(3).ـ

(1) أنظر مرفق ص 64 المخطط العام لتطور المجتمعات (الشكل العام).

(2) باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الوجيز في حضارة وادي الرافدين ص202.

(3) لاحظ أيضاً الاختلاف في محتوى الانقلاب.

ما هو عامل تفعيل التطور وما هي عناصر تسارعه؟

كسر حالة التوازن ما بين الموضوع والذات الاجتماعية تتم بمحصلة تتجه دوماً من الذات المذهبية (باطار تكوينها الجدلي) إلى الموضوع بتعبير آخر تفاعل الاصالة
(التراث = عناصر التسارع) مع الخلق والابداع (عبقرية انسان = عامل التفعيل) هو الصيرورة الحضارية المستديمة كنتاج للقانون الرئيسي في تطور المجتمعات وهو: ـ

ان حياة المجتمع بدون عبقرية انسان هي فترة السكون التاريخي(1) (فراغ تاريخي، عدم، اجترار وعي) وهذا القانون هو جوهر جدل التاريخ ويمثل نفياً ديالكتيكياً للقانون العام القائل ((بان المرء ينتهي دوما بتطبيق السلوك الذي اكتسبه من الآخرين على نفسه))(2) فالقانون الرئيسي يمثل

(1) وللفيلسوف اليوناني انباذوقلس (490-430 ق.م) نظرة في ما يتعلق بـ (الاتحاد) وما يؤدي إليه من وحدة ساكنة والانفصال وما يؤدي إليه من فساد وكثرة مضطربة والذي سوف يكون علّة التجدد في الاتحاد الجديد.

(2) بياجيه: التطور العقلي لدى الطفل ص69 ترجمة سمير علي.

ديناميكية الوعي والقانون العام يمثل ستاتيكيته (الوعي التماثلي، القالبية المطلقة، العرف) والقانون الرئيسي قانون جدلي خاص، فهو جدلي لأنه لا يمكن فصله عن التكوين التاريخي لمجاله الجذبي أي القطب الأول من جدل التاريخ: المؤثر الكامن المكنون، وخاص لأنه نتاج وعيه أي القطب الثاني من جدل التاريخ: المحرك الكامن المطلوب، ويمكن صياغة هذا القانون بالشكل التالي: ان المرء الذي يفكر بوعي بعدي كبطل تاريخي ينتهي دوماً بتطبيق السلوك الذاتي الذي اكتسبه جدلياً على الآخرين ضمن مدى مجاله الجذبي أي ان ما هو موجود بالفعل كوعي تماثلي (تطابقي) هو تموضع قبلي لامكانات ذوات بعدية الوعي، بمعنى ان الوعي التطابقي لها يعني الايمان بما هو موجود فعلاً اما تثويره بواسطة وعي بعدي جديد هو الديناميكية الفاعلة لجدل التاريخ حيث تبقى الذات في الوعي التطابقي ذات عارفة اما في الوعي البعدي فهي ذات فاعلة وهي ذات البطل التاريخي. والابطال التاريخيون هم العلة الاساسية للتعددية المذهبية في المجتمع، لأن مراحل التكوين العقلي للفرد متصلة ومستمرة ديالكتيكياً لا مع بعضها فحسب بل مع التكوين العقلي التاريخي لأمته, التعددية المذهبية تمثل مرحلة تعدد التيارات وتصادم النزعات باعتبارها مذاهب في صراع وهي تتناسب طردياً مع الحقب التاريخية الانبعاثية حيث ان كل فترة تاريخية انبعاثية تعني تموضع ذات بعدية الوعي لأنه بدون هذا التموضع فالوعي لا يعني أكثر من ان يكون تمثل تطابقي للوعي الموضوعي أو تمثل قبلي للتموضعات السلفية والتعددية المذهبية في كل مجتمع تاريخي تكون كامنة وظاهرة فهي كامنة عندما تمثل اغتراب جدلي لبطل تاريخي كامن يكافح لتموضع وعيه وظاهرة تمثل المذهب المركزي والمذاهب الثانوية كما موضح أدناه.



هؤلاء الأفراد التاريخيون هم على حد تعبير ماركيوز(1) ـ

(1) العقل والثورة ص220.

وهو يتحدث عن هيجل ((رجال عصر تنشأ فيه ((مصادمات جبارة)) ((بين الواجبات والقوانين والحقوق القائمة المعترف بها، وبين الامكانات التي تتعارض مع هذا النظام الثابت، والتي تزعزع أسسه ووجوده، بل تهدمها)) هذه الامكانات تبدو للفرد التاريخي في صورة اختيار متاح لقدرته الخاصة ولكنها تنطوي على ((مبدأ كلي)) من حيث انها اختيار شكل أعلى للحياة، تصبح في داخل النظام القائم وهكذا فان الافراد التاريخيين قد استبقوا ((الخطوة التالية الضرورية للتقدم، التي كان يتعين على عالمهم اتخاذها)). فالموضوع الذي كانوا يرغبونه ويناضلون من أجله هو ((نفس حقيقة عصرهم وعالمهم)). والاساس الذي انبنى عليه سلوكهم هو الوعي
((بمقتضيات العصر)) وبما أصبح ((ناضجاً للنمو والتطور))))وعلى حد تعبير ويد جيري وعو يتحدث عن الابطال وعبادة الابطال والبطولة في التاريخ عند توماس كارليل( ان التاريخ الشامل كما أراه، تاريخ ما انجزه الانسان في هذا العالم، هو في قرارة الأمر تاريخ الرجال العظام الذين عملوا فيه، هؤلاء الرجال العظام، كانوا القادة، فقد كانوا القدوة والنموذج، وبمعنى أعم، كانوا هم الذين خلقوا كل ما فاز به وبتحقيقه جمهور الناس العام، فكل ما نراه من انجاز في العالم هو حرفيا النتيجة المادية والتحقيق العملي والتجسيد للافكار التي عمرت بها مخيلة الرجال العظام المرسلين إلى العالم، ويمكننا ان نقول بأصح حجة ان تاريخهم يوضح ما حرك تاريخ العالم باكلمه)) فان ((تاريخ العالم)) هو ((مسيرة الرجال العظام)))) (1) وتفعيل الواقع بواسطة البطل التاريخي يتم بمرحلتين مرحلة الحركة الذاتية للفهم من الواقع إلى الذهن والتي يكون فيها الوعي في مفارقة ديالكتيكية مع ما هو موجود (الواقع) وحركة ذاتية للفعل من الذهن إلى الواقع والتي يتم فيها تفعيل ما هو موجود ليطابق الوعي البعدي. يقول رسل(2)ـ

(1) ويد جيري: المذاهب الكبرى في التاريخ من كونفو شيوس إلى توينيي ص141 – نص هامش المؤلف ((لقد كتب كارليل في بحث سابق بعنوان في التاريخ يقول(ان التاريخ هو جوهر سير عديدة)) ولكنه على خلاف الاهتمام الذي سيظهره فيما بعد بالشخصيات النابغة وحدها، كان يلفت النظر إلى أهمية الشخصيات المنسية والمعتبرة عامة في المرتبة الثانية. ((من كان أعظم مجدد، ومن كان أهم شخصية في تاريخ الناس: أهو هذا الذي أول من قاد الجيوش عبر جبال الألب وانتصر في معارك كان Cannes وفي معركة بحيرة ترازيمين Trasimine أم هو ذلك المجهول الخشن الذي كان أول من اخترع المعول؟)). ص241 المذاهب الكبرى في التاريخ من كونفو شيوس إلى تويني . ت. ذوفان قرقوط)).

(2) حكمة الغرب ص162جـ2 ترجمة د. فؤاد زكريا.

((ولا بد من التمييز بين الذهن أو الفهم وبين العقل. وقد عبر هيجل في مرحلة لاحقة عن هذه الفكرة بقوله ان العقل هو ما يوحّد الناس، على حين ان الفهم هو ما يفرقهم ويمكننا القول ان الناس يكونون متساوين بقدر ما يكونون عقلاء، أو مالكين لنعمة العقل، ولكنهم يتفاوتون فيما يتعلق بالفهم، لأن هذا الأخير تعقل إيجابي يتفاوت الناس فيما يتعلق به تفاوتاً هائلاً)) فالتفكير هو تفعيل الحركة الذاتية للفهم بمعنى ان يجعل لها وجوداً موضوعياً بشكل تموضع ذات، ولتوضيح ذلك، ان المراجع الاساسية للدين الاسلامي هي نفسها بالنسبة للمذاهب المختلفة وهي تمثل العقل ولكن الاختلاف ناتج من اختلاف وجهات نظر العلماء المجتهدين وهي تمثل الفهم، والعقل هنا هو استمرارية الوعي القبلي الناتج عن تموضع ذات، ولتوضيح ذلك أكثر استطيع ان استعير مفهوم دي سوسور في تفريقه الاساسي بين اللغة وهي نظام وبين فعل الكلام حيث يكون جانب اللغة التي تمثل عنده ذخيرة من العلاقات التي تجمعت سلبياً (والمقصود بالسلبية انها موجودة خارج إرادة الفرد باعتباره متلقي سلبي لها) وتمثل الجانب الاجتماعي والتي تسلمها الفرد من بقية الافراد في مجتمع لغوي واحد، هذا الجانب يمثل في تشبيهنا العقل، والكلام Parole الذي هو عنده يمثل الجانب الفردي يمثل في تشبيهنا الفهم والتفكير هو عملية الخلق الذاتي في الكلام ومن خلاله، بحيث يكون للجانب الفردي الجديد (الكلام المخلوق) جانب اجتماعي (لغة) لأن الفكرة الذهنية كتكوين ذاتي لا يكون لها وجود موضوعي كمفهوم اذا لم تكن باطار رمز مدرَك (سواء أكان رمز منطوق أو مكتوب)، وهذه العلاقة توضح كما يلي: لغة (ذخيرة سلبية بالنسبة لذات الفرد، لغة مجتمعه) [ العقل ] كلام (ذخيرة ايجابية بالنسبة لذات الفرد وتمثل ما يلتقطه من مجتمعه اللغوي) [ الفهم ] خلق الكلام [ تفكير ](1).ـ

فالعلاقة الجدلية واضحة فالكلام يعتمد على اللغة واللغة بحد ذاتها هي معادل عام لمجموعة الجذور التكوينية للكلام في تفاعله التاريخي، وهذا هو الوعي الجدلي المستند إلى قوة التاريخ، وبدون هذا الفهم يكون الوعي كالاشياء لا يحسب أي حساب لجذوره التاريخية كمؤثر كامن مكنون باعتبارها القوى القبلية الكامنة، ومن المهم ان أشير إلى ان الوعي التطابقي لا يعني ان الفرد في تمثله لوعي المجتمع ان يكون تمثله كلي (بمعنى ان تمثله لا يشمل كل جوانب الحياة العقلية لمجتمعه) وانما يكون مع خصائص فردية في وعي المجتمع تكون على صلة مع وعيه البعدي باعتبار هذه الخصائص امكانيات من جهة ولمنع استرخاء شد الذهن في التعامل الروتيني كهدنة توتر(2) مع الواقع من جهة أخرى.

فلو نظرنا إلى تكوين العقل البشري كما هو كائن في الواقع بمختلف تكويناته الجذبية المخلوقة لأدركنا الترابط الجدلي بين مراحل التكوين العقلي للفرد مع التكوين العقلي التاريخي لأمته(3) وهذا هو السبب الجوهري لايماني العميق بعدم امكانية تحديد علم النفس ضمن اطار دوغمائي مجرد من محتوى التكوين التاريخي للعقل لأنه علم تتفاعل فيه الديناميكية الذهنية مع التعددية الموضوعية عبر قناتي مبدأ جدل التاريخ: المؤثر الكامن المكنون والمحرك الكامن المطلوب.ـ

(1) خلق الكلام [ التفكير ] يمكن ان يكون:

1)مضمون فقط/ خلق مفهوم جديد للكلمة بنفس اطارها اللفظي / في معظمها تمثل جانب الوعي من العقل / فكلمة الاستعمار مثلاً تعني في معناها الأصلي نزوح جماعة من الناس إلى منطقة شبه خالية من اجل تعميرها اما الآن فتعني نزوح (جماعة) من الناس إلى منطقة عامرة لتخريبها، ومثال آخر الجدلية كانت تعني المجادلة وهي مقابلة الحجة بين المتناظرين وهي أيضاً: اللدد في الخصومة، ولكن الآن ((يقال بين هذه المسألة وتلك علاقة ((جدلية)) يريدون ان العلاقة حتمية وان الأولى لا بد أن تفضي إلى الثانية وان كليهما مترابطان متكاملان (السامرائي العربية تواجه العصر ص42).

2)اطار ومضمون/ خلق مفهوم جديد يضاف إلى الذخيرة اللغوية باطار صوتي جديد/ معظمها جانب المعرفة من العقل/ مثال ذلك/ المذياع/ الكهرباء/ النشاط الاشعاعي.

3)اطار فقط/ خلق اطار لفظي جديد للكلمة بنفس مفهومها الاجتماعي أي خلق مرادفات للكلمة مثال ذلك/ مصباح، قنديل واسد، ليث، الخ.

(2) أنظر نهاية ص144، وما بعدها.

(3) من المهم ان أذّكر هنا ان الجذر التاريخي لكلمة القومية في اللاتينية هي كلمة Nascar التي تعـــني
((انا مولود)) وهي تشبه في اشتقاقها هذا إلى حدما اشتقاق كلمة القومية في العربية من كلمة قوم عند العرب بكل ما تعنيه هذه الكلمة عندهم في جذورها التاريخية من معنى الارتباط بالرحم كما لا يخفى على أحد.

.

يمكن توضيح حلقة الموضوع الكبرى (المجال الجذبي للواقع) باعتبارها التطور الجدلي بالمخطط شكل رقم -2- مع ملاحظات لابد منها لاستيعاب مبدأ جدل التاريخ ضمن اطار تكوين العقل الجدلي.

ـ

ملاحظة أدناه تكبير لكل صفحة من المخطط أعلاه لغرض التوضيح علما أن المخطط موجود في أصل الكتاب ملحق صفحة 64 ]ـ]

شكل رقم -2-ـ

مخطط عام للتطور الإجتماعي الجدلي (حلقة الموضوع الكبرى )ـ

لا تختلف المجتمعات بالتسلسل التتباعي للمراحل بل في عمق ومحتوى وطول وأسبقية الفترات الزمنية للمراحل)ـ)











ملاحظات لابدَّ منها لاستيعاب مبدأ جدل التأريخ

أولاً – ان الاطار العام الذاتي والموضوعي في تكوين العقل الجدلي يتميز بالعمومية لجميع الأفراد والمجتمعات، ولكن بسبب الاندفاعات الخاصة والاهداف المتباينة والخبرات المختلفة التي يكتسبها الأفراد وتكتسبها المجتمعات، يكون محتوى هذا التكوين مختلف ومتباين باختلاف وتباين المجالات الجذبية الموضوعية والاهداف الموضوعانية(1) التي يتعامل معها الافراد والمجتمعات، حيث (على سبيل المثال) ليس هناك من فردين يمران بنفس التجارب ويكتسبان نفس الخبرات بالضبط وبشكل متماثل، ويشمل هذا ليس فقط الأخوة الاشقاء، بل حتى التوائم الذين ترعرعوا في نفس الرحم والبيت والبيئة والمدرسة والمجتمع.

ثانياً – المراحل التتابعية الأولى للنمو النفسي (الوعي) ما قبل المفترق الأممي الحضاري للمجتمعات تتميز بالتماثل المتوازي المستقل شأنها شأن التماثل المتوازي المستقل لأشياء الطبيعة الا في الاتفاق العفوي للفونيم وهذا هو الذي يعلل لنا تعدد اللغات في العالم.

ثالثاً – ان نشأة اللغة عند الجماعات البشرية ضرورة قانونية موجودة عند جميع المجتمعات البشرية ولكن الاتفاق العفوي للفونيم (النغمة الصوتية) ظاهرة لا قانونية أي صدفي وهذا مثال حيوي على الرابطة الجدلية ما بين الضرورة والصدفة وهي تشبه إلى حد ما القانون الاحصائي بالنسبة للعالم الميكروفيزياوي حيث انه (على سبيل المثال) تفسخ بعض نوى اليورانيوم يحدث بصورة صدفية أي ظاهرة لا قانونية ولكن حتمية حدوث تفسخ لبعض نوى اليورانيوم يولد قانون النشاط الاشعاعي، بحيث تستطيع القول بانه يوجد (في حالة الاتفاق العفوي للفونيم، تفسخ بعض نوى اليورانيوم) امكانيات كامنة جدليا تطلب واقع موضوعي جديد(2).ـ

(1) الموضوعاتية هي الصورة المستقبلية لما هو موجود.

(2) جدل الطبيعة تمييزاً له عن جدل الحياة الاجتماعية للانسانية في تطورها التاريخي نستطيع ان نسميه بالجدل المغلق باعتباره عملية تكرارية تستمر في حدوثها كما تحدث في كل مرة، اما جدل الحياة الاجتماعية فهو جدل مفتوح تستمر فيه عملية عصرنة الوسيلة وتحديث النفس (الوعي) إلى ما لا نهاية.

رابعاً – أبسط برهان على التطور التماثلي المتوازي المستقل للتكوين البايولوجي للانسان والتطور اللامتماثل واللامتوازي والمستقل نسبياً للتكوين التاريخي للافراد والمجتمعات هو اللغة، حيث ان ميكانيزم اللغة (جانبها الفسيولوجي) هو واحد للانسانية وهو يمثل التكوين البيولوجي المغلق، وبتعبير أدق لا يوجد من الناحية الفسيولوجية ميكانيزم خاص باستيعاب لغة معينة دون أخرى.

خامساً – من خلال المخطط ندرك ان تبلور اللغة في إطار التثقيف التاريخي للفونيم(1) باعتباره النغمة الصوتية التي تم استخدامها لتكوين المورفيم باعتباره متتابعات صوتية منطوقة ذات معنى هي أساس – وليس عامل – الوعي القومي ومحور المفترق الأممي وهي الاساس الوحيد الذي لا يحد تاريخياً بفترة زمنية معينة واللغة كأداة أساسية للخلق الذاتي (أي كوسيلة لمحتوى الوعي) هي علة التغاير الأممي. وسبب انكسار التماثل المتوازي المستقل حيث تنسج كل أمة من خلال مورفيمها أساليب تفكيرها وهي وسيلة ثنائية الوظيفة حيث انها أداة تكوينية وتميزية للأمم في تحويل علاقاتها من علاقات ستاتيكية متماثلة (كتجمعات) إلى علاقات ديناميكية متنوعة (كمجتمعات) ويمكن توضيح ذلك تاريخياً من خلال طرح السؤال التالي: ما الفرق بين الكوتيين البرابرة القادمين إلى العراق من الجهة الشمالية الشرقية والعموريين المتكلمين بالسامية القادمين إلى العراق من الجهة الجنوبية الغربية؟ الجواب دليل على الوعي كجدل تاريخي حيث قام الكوتيون(2) باسقاط الإمبراطورية الأكدية في نفس الوقت الذي بدأ فيه العموريون دخول العراق والذين أنشأوا فيما بعد مدينة بابل(3). ـ

(1) ((الفونيم هو النتيجة النهائية للانطباعات السمعية والحركات اللفظية: ان الوحدة المسموعة والوحدة المنطوق بها، كل منهما تؤثر في الأخرى، اذن الفونيم وحدة معقدة لها جذر في السلسلة المسموعة، وآخر في سلسلة عملية النطق ص14 علم اللغة، الاسس الأولى – دي سوسور وعلم اللغة، تأليف رولون .س.ولز. ترجمة الدكتور يوئيل يوسف عزيز)).

(2) الدور الكوتي 2230 – 2110 ق.م.

(3) العصر البابلي القديم 2000 – 1500ق.م.

الأولى بقيت غريبة عن العراقيين ونظر لها كحالة احتلال ناضل العراقيون للتخلص منها وقد قضي عليهم بعد حوالي القرن من دخولهم، وهي فترة تعتبر فراغ تاريخي بالنسبة للعراق، أما الثانية فهي تكوين حضاري وتميز بان ((انتقل العموريون ولا ريب بيسر إلى التكلم بالأكدية لأن لغتهم الأصلية كانت السامية مثل الأكدية))(1).ـ

سادساً – ان خلق اللغة هو الذي جعل البشرية تتخطى حدود الميراث الغريزي كاحتكاك مباشر في توظيف الخبرة الشخصية إلى توظيف اجتماعي ذهني لها كخزين عقلي جمعي للادراك الذي يجعل ما تلتقطه الحواس أكثر عمقاً مما سبق نتيجة لتوظيف خبرة الأجيال عن طريق اللغة المنطوقة أولاً ثم أُضيف اليها قبل زهاء ستة آلاف سنة اللغة المكتوبة ثم أضيف إليها فيما بعد قبل حوالي خمسمائة سنة اللغة المطبوعة ثم أضيف اليها حديثاً لغة الكومبيوتر والانترنيت فعلى حد تعبير سارتون(2) ((يستطيع الانسان ان يظل في حياته شوطاً طويلاً بلا كتابة ولكن لا يستطيع ذلك بلا لغة، فاللغة هي الاساس الذي يقوم عليه بناء الحضارة وقد اصبحت على توالي الأيام أغنى ذخيرة للحضارة)).ـ

سابعاً – يلاحظ من الناحية الانثروبولوجية ان اللغة تمثل كل الثقل (الحضاري) في المجتمعات الاستاتيكية (البدائية) بينما الحضارة هي التي تستوعب اللغة في المجتمعات الديناميكية فمثلاً عند الإسكيمو أكثر من (40) كلمة تصف الثلج من ناحية الشكل والمواسم وذلك للاهمية (الحضارية) للثلج بالنسبة لسكان الإسكيمو وكذلك الحال بالنسبة للببغاوات في حضارة قبيلة البورو نتيجة لأهميتها (الحضارية) ((فان لغة هذه القبيلة تمتلك عدداً كبيراً من الاسماء التي تقابل الأنواع المختلفة من الببغاوات ولكن لا توجد لديهم كلمة واحدة تعبر عن كافة أنواع الببغاوات(3)))(4) ((يقال ان العرب يمتلكون أكثر من ثلاثة آلاف كلمة لوصف الجمال التي كانت مهمة في حياتهم. ولاشك ان العربي الاعتيادي المعاصر لا يستعمل منها الا عدد محدود مثل جمل وبعير وناقة اذ لم تعد الجمال ذا فائدة حيوية في حياتهم المعاصرة .... ـ

(1) تويني: تاريخ البشرية. جـ1 ص119.

(2) تاريخ العلم، جـ1 ص43.

(3) الحمداني: اللغة وعلم النفس ص194.

(4) ((يفترض بعض العلماء في تفسير هذه الظاهرة ان التشابه بين الببغاوات ليس مهما لهذه الحضارة وما هو المهم هو الفروق بينهما لذلك ليست هناك حاجة لكلمة تعبر عن التشابه بين الببغاوات عموماً بل الحاجة ماسة لعدة كلمات تبين الفروق بين الببغاوات)) نفس المصدر.

وللأطر الاجتماعية دور في هذه المفاهيم ففي العربية نميز بين العم والخال والعمة والخالة ولكننا لا نجد مثل هذه التمييزات في اللغة الانكليزية مثلاً))(1) ((ولقد ازدادت قدرة الانسان على التعميم عن طريق اللغة تدريجياً وكانت هذه القدرة عند الانسان البدائي هزيلة رغم بدئه بالكلام ((كانت لغته لا تحتوي الا على القليل من المفاهيم العامة، كما ان عمومية هذه الأخيرة كانت محدودة، ويمكن التثبت من ذلك عند دراسة لغة بعض القبائل المتأخرة المعاصرة، علماً بان هذه القبائل قد قطعت أشواطاً بعيدة إلى الامام اذا ما قورنت بقبائل الزمن البدائي، هكذا نرى ان لغة احدى القبائل تحتوي على (75) كلمة للتعبير عن عمليات السير التي تتباين فيما بينها بفوارق بسيطة، وعلى أكثر من (10) كلمة للتعبير عن الطبخ، ولكنها لا تحتوي على أية مفاهيم عامة لعمليتي السير والطبخ، وهناك بعض القبائل الشمالية التي تعبر بكلمات منفردة عن الثلج مقروناً بحالات معينة كـ ((الثلج على الأرض))، ((الثلج المتساقط))، ((الزوبعة الثلجية))، ((الثلج المتراكم)) ويزيد مثل هذه التعابير لديها عن أربعين، في حين انه لا يوجد لديها كلمة عامة تعني الثلج بالذات، وهناك قبائل لا تحتوي لغتها على كلمة عامة تعني ((عجل البحر)) بل تحتوي على تعابير كالتالية ((عجل البحر على قطعة من الجليد)) . . . . الخ))))(2)ـ

(1) المصدرنفسه. ص114.

(2) الآلوسي: بواكير الفلسفة قبل طاليس أو من الميثولوجيا إلى الفلسفة عند اليونان ص57.

((فقد أجمع علماء الانتوجرافيا الذين قاموا بدراسة هذه الشعوب (أي الشعوب البدائية) بامريكا واستراليا وأفريقيا وغيرها على القول بضعف عقلياتهم بهذا الصدد وعجزها عن إدراك المعاني الكلية في كثير من مظاهرها وقد كان لهذه العقلية صدى كبير في لغاتهم، فلا نكاد نجد في كثير منها لفظاً يدل على معنى كلي ففي لغة الهنود الحمر مثلاً يوجد لفظ للدلالة على شجرة البلوط الحمراء وآخر للدلالة على شجرة البلوط السوداء . . . وهكذا، ولكن لا يوجد أي لفظ للدلالة على شجرة البلوط، ومن باب أولى لا يوجد أي لفظ للدلالة على الشجرة على العموم، وفي لغة الهورونيين Hurons (من السكان الأصليين لامريكا الشمالية) يوجد لكل حالة من حالات الفعل المتعدي لفظ خاص بها، ولكن لا يوجد للفعل نفسه لفظ يدل عليه، فيوجد لفظ للتعبير عن الأكل في حالة تعلقه بالخبز، ولفظ آخر للتعبير عنه في حالة تعلقه باللحم وثالث في حالة تعلقه بالزبد ورابع في حالة تعلقه بالموز وهكذا ولكن لا يوجد فعل ولا مصدر للدلالة على الأكل على العموم أو الاكل في زمن ما: ولغة السكان الأصليين لجزيرة تسمانيا Tasmania (بقرب استراليا)، لا يوجد بين مفرداتها لفظ يدل على الصفة فاذا أرادوا وصف شيء لجئوا إلى تشبيهه بآخر مشتمل على الصفةالمقصودة، فيقولون مثلاً ((فلان كشجرة كذا)) اذا أرادوا وصفه بالطول))(1) ((فتكاد اللغات البدائية كلها ان تحصر نفسها في حدود الحسي والجزئي، وهي بصفة عامة فقيرة في الاسماء الكلية والمجردة فسكان استراليا الاصليون يطلقون اسماً على ذيل الكلب واسماً آخر على ذيل البقرة، ولكن ليس في لغتهم كلمة تدل على ((ذيل)) بصفة عامة، ولا شك ان أجيالاً من الناس تعاقبت قبل ان يستطيع الانسان ان ينتهي من اسم العلم إلى الاسم الكلي، وفي قبائل كثيرة لا تجد ألفاظاً تدل على الألوان مجردة عن الأشياء الملونة))(2).ـ

ثامناً – عند دراسة المجتمعات وفق هذا الفهم الجدلي (مبدأ جدل التاريخ) يجب التمييز بين ما هو كامن وما هو منظور حيث توجد مجتمعات (متماثلة) ظرفياً بما هو منظور، الا ان هناك فارق في الجذور التكوينية يتمثل بجانب جدل التاريخ الكامن المؤثر (القطب الأول: المؤثر الكامن المكنون) لذا ان التفاعل الموضوعي لهما باتجاه أي توظيف عقلي غير متناظر.ـ

تاسعاً – النظرية المالتوسية(3) ما قبل مالتوس تكون صحيحة لا ما بعد مالتوس حسب ما توقع هو وذلك لعدم ادراكه للامكانية العلمية في تكوين التراكم الغذائي بمتوالية هندسية كما هو الحال بالنسبة لنمو السكان وليس بمتوالية عددية كما فرضته عليه درجة المعرفة العلمية في عصره، فهي (أي المالتوسية ما قبل مالتوس) العامل الحاسم الذي كسر السكون (السلم البيولوجي) المتماثل المتوازي المستقل (للتجمعات) وادخل أفراده في مرحلة صراع اوسع نسبياً من دائرة الصراع الغريزي، أي صراع ذاتي لغرض اشباع الذات الذي يتطلب (يشترط) تقييد الغير، وهي أول بؤرة استقطاب لنمو الانانية داخل الذاتية (محاولة تقييد الغير الناجمة عن المصلحة الذاتية) لأن لحرية الأنا تكوين آلي كناتج عرضي سلبي لها هو تقييد حرية الغير.ـ

(1) وافي: نشأة اللغة عند الانسان والطفل ص38.

(2) ديورانت: قصة الحضارة ص125جـ1.

(3) نظرية مالتوس: يذكر مالتوس مصادرتين يبني عليهما تحليله: الأولى هي ان الغذاء ضروري لحياة الانسان، والثانية، ان العاطفة بين الجنسين ضرورية وسوف تظل في المستقبل في حالتها الراهنة تقريباً. وهاتان المصادرتان من طبيعة ثابتة، ولكنهما متعارضتان، ويقول مالتوس ((انه بفرض ان المصادرتين قضية مسلم بها، أقول، ان قدرة السكان هي أعظم بدرجة متناهية من قدرة الارض على انتاج وسائل العيش للانسان فالسكان يتزايدون بنسبة هندسية – اذا لم يحد من هذه الزيادة – بينما لا تزيد وسائل العيش الا بنسبة حسابية، وبناءً عليه، فان المعرفة الطفيفة بالاعداد لتبين ضخامة القوة الأولى بالمقارنة مع الثانية ص29 المشكلة السكانية، تأليف د. رمزي زكي))ـ

عاشراً – كاطار عام كل علاقة يدخل فيها توظيف الخبرة هي علاقة ديناميكية (يشترط ان يكون الانسان طرف مباشر بتلك العلاقة) اما العلاقات الأخر (التي لا يدخل الانسان كطرف فيها) فهي علاقات ستاتيكية حتى لو كان هناك حركة فمثلاً العلاقة ما بين ارتفاع درجة الحرارة وتمدد الزئبق حيث ان كل زيادة في درجة الحرارة
(لدرجة معينة) يطابقه تمدد عددي يناسبه للزئبق في المحرار مثل تلك المطابقة المتزمتة غير موجودة في الوظائف النفسية، ونفس الشيء بالنسبة إلى صفات المواد الناجمة عن علاقة ترتيب الجزيئات تكون فيزياوية وليست كيمياوية بينما صفات المواد الناجمة عن علاقة ترتيب الذرات تكون كيمياوية وليست فيزياوية مثل تلك الصفات المتزمتة الناجمة عن هذه العلائق غير موجودة بالنسبة لعلاقات الترتيب للمجتمعات حيث بالرغم من تماثل المجتمعات بترتيب حلقة الموضوع الكبرى والافراد بترتيب حلقة الذات الكبرى الا انهما (أي الافراد والمجتمعات) غير متماثلين بالتكوين النفسي.

الحادي عشر – ما هو مبدأ جدل التاريخ؟

المراحل التكوينية لوعي الأمة تتكرر في وعي الفرد كمؤثر كامن مكنون لتكوين المحرك الكامن المطلوب والذي في حالة نجاحه في تمثيل المرحلة التاريخية الجديدة من خلال تموضع ذات بعدية الوعي (أي يكون لها وجود موضوعي) يكمن من جديد كمؤثر كامن مكنون لتكوين محرك كامن مطلوب جديد وهكذا تم تجاوز السلم البايولوجي والوعي الجمعي والعرف ويتم تجاوز أي استاتيكية للوعي وباستمرار لكي تستمر الحياة بفعالية وجمالية بلا استنساخ وتقليد.

نعود إلى مخطط حلقة الموضوع الكبرى فنقول ان الانسان الغريزي والذي يمثله في الوقت الحاضر الاطفال الذين سرقتهم الحيوانات لاشتراكهما معاً بصفة التجرد من الوعي الاجتماعي فعلى سبيل المثال ((الطفلتان اللتان عثر عليهما في الهند سنة 1920 وكان عمر أحدهما زهاء سنتين وعمر الأخرى حوالي ثماني سنوات وقد وجدتا في زريبة (Lair) احدى اناث الذئاب تعيشان مع صغارها (Cube) ثم نقلتا إلى احد المياتم وقد تركت الذئاب طابعها العميق في سلوكهما فكانتا تمشيان على اربع وتسهران ليلاً وترقدان في النهار في احدى زوايا بناية الميتم (الذي وضعتا فيه) محتضنتين بعضهما (Cudding) كصغار الذئاب وكانتا تعويان (Howl) مثلها، وقد تضايقتا كثيراً من حياة الميتم الاجتماعية وحاولتا الهروب إلى ((موطنهما الاصلي)) السابق، غير ان صغراهما (المسماة آمالا) توفيت بعد سنة من حياتها الجديدة، أما الكبرى (كمالا) فقد عاشت زهاء عشر سنوات حاول أثناءها المشرفون على شؤون الميتم تعويدها على نمط حياة الانسان ولكنهم لم ينجحوا في ذلك الا جزئياً وبمشقة، ويلوح ان البطء في تعلمها حياة الانسان مرده في الاصل الفسلجي إلى ان جميع إمكانيات دماغها قد استنزفت في التكيف للعيش في بيئة حيوانية تختلف عن بيئة الانسان (1) اختلافاً نوعياً وجذرياً، اتضح ذلك في ان مستوى نموها العقلي لم يتجاوز قبيل وفاتها (عندما بلغت السنة السابعة عشرة من عمرها) مستوى النمو العقلي لطفل في السنة الرابعة من عمره، وقد وصفها كثير من المعنيين بدراسة هذه الحالات وبخاصة الدكتور سنك الذي اشرف على تربيتها وراقب سلوكها مراقبة دقيقة وسجله يوماً بيوم: وكانت كما ذكرنا تمشي في أول الأمر على أربع وتعى كالذئب وتلعق السوائل من الأرض ولا تتناول طعامها أو شرابها الا اذا سفح على الأرض(2)ـ

(1) من المهم ان اذكر هنا ((ان فسلجة مخ رجال الفضاء الكوني التي بدت طلائعها قبل بضع سنوات قد بينت ان القشرة المخية بحاجة متواصلة إلى تلقي عوامل الخفر البيئية التي تنشطها إلى الدرجة المطلوبة، كما ان التجارب المختبرية التي اجريت حديثاً على اشخاص وضعوا لبضعة أيام في مختبرات يسودها السكون المطبق والانعزال التام عن جميع المؤثرات البيئية الطبيعية والاجتماعية دلت على خمول القشرة المخية، واخفاقها في القيام بالتزاماتها الفكرية ص197 الفكر طبيعته وتطوره، الدكتور نوري جعفر)).ـ

(2) أنظر القصيدة الأولى في بداية الكتاب ص8.

ولا تقترب منه ما دام في الاناء وان اشتد بها الجوع. وكانت تزمجر كالحيوان أثناء اقتراب الانسان منها وتعوي أثناء الليل. وكان مدى رؤيتها أوضح في الظلام وكانت تتحامى النور الساطع والماء والنار، وتنام أثناء النهار ولا تسمح لأحد ان ينظف جسمها، وقد مزقت الثياب التي وضعت عليها لتغطية جسمها ورمت الغطاء الذي وضع عليها في الليالي الباردة، ولم تستطع ان تفعل شيئاً آخر بعد سنتين من عمرها الجديد غير الوقوف البدائي برهة قصيرة مع استمرارها على الجري على اربع ولم تتعلم حتى نهاية السنة الرابعة سوى ست كلمات ولم تستطع المشي كالانسان الا في نهاية السنة السادسة ... الطفل الذي عثر عليه في الهند عام 1956 بين قطيع Pach من الذئاب وكان عمره زهاء تسع سنوات، وقد لوحظ ان مستوى تطوره العقلي لم يتجاوز مستوى التطور العقلي لطفل في الشهر التاسع من عمره))(1).ـ

فيما سبق يتضح لنا قوة تحجر المقياس الذهني البسيط لاستمراره لفترة طويلة في بيئة حيوانية والى المستوى الذي أدى إلى الحد من قوة غريزة الجوع وهذا المقياس هو أبسط مكتسب بيئي يرتكز في ذهن الانسان كامتداد من الموضوع إلى الذات بدرجة تتخطى اطار الغريزة كتكوين جدلي بدائي في نشأته و(ميتافيزيقي) في تقولبه كوعي مستقل ومتفرد ويفتقر لصفتي التجريد والتعميم اللتين يتصف بهما تفكير الانسان الذي يتم في وعبر الالفاظ أي انه هنا (عند كمالا) مقياس ذهني وظيفي كآخر عملية (فكرية) ذهنية بالنسبة للحيوانات الراقية، فالانسان الغريزي في فجر البشرية يشترك مع الحيوانات الراقية في المقياس الغريزي وكلاهما يمتلك هذا المقياس، الاختلاف فقط يكمن في السيادة البيولوجية للسلوك الموروث وعلى الارجح بالنسبة للانسان الغريزي بالاضافة إلى الصفات الخاصة التي يختص بها كانت الحلقة السائدة في مقياسه الغريزي هي العبث بالاشياء الموجودة في عالمه الخارجي والتأمل فيها وفي البيئة المحيطة به واستخدامها كأداة ((وكل أداة اتخذها الانسان للاستعمال كانت ثمرة لخطوات طويلة من المحاولة والخطأ، ونتيجة لجدل طويل بين المخترعين، أي بين المجددين والمصلحين من ناحية، والمحافظين من ناحية أخرى وطبيعي ان تكون الطائفة الثانية أكثر عدداً، على حين تكون الطائفة الأولى أكثر حماسة وأقوى دفعاً(2))) ولا تعرف كل أمة بطلها الذي استخدم أول معول(3) وبطلها الذي دجن أول حيوان وبطلها الذي أول من حرث الأرض، ولكن كل أمة استخدمت المعول ودجنت الحيوان وحرثت الأرض وزرعتها.

(1) جعفر: اللغة والفكر ص75-76.

(2) سارتون: تاريخ العلم جـ1 ص64.

(3) لعب العمل وصنع الادوات دور مهم في تكوين الانسان وفي احداث القفزة الواسعة بينه وبين أعلى مراتب الحيوانات ((ان اعداد حتى أبسط الأدوات يميز الانسان عن عالم الحيوانات لأنه ما من حيوان بقادر على القيام بالنشاط الهادف، وما من حيوان يستطيع اعداد حتى أكثر أدوات العمل بساطة والانتقال من استخدام أدوات العمل التي أوجدتها الطبيعة – الحجارة والعصى – والتي كانت تقع صدفة في متناول اليد إلى اعداد أدوات العمل هو قفزة عظمى في تطور الطبيعة ويدشن تحول القرد الشبيه بالإنسان، جـ1 ص8 عرض اقتصادي تاريخي، تشكيلات ما قبل الرأسمالية، عدة مؤلفين.

ومما ساعد الانسان بصورة أساسية على تجاوز المقياس الفطري التجمعي من دون الحيوانات الراقية الأخرى هو الاختلافات الفسيولوجية ((عندما ظهر الانسان لأول مرة في العالم كان يملك خمس صفات مميزة، بعضها جديدة وبعضها قديمة وبعضها مركبة من الجديد والقديم، أعطته الفرصة ليكون سيد الأرض، وهذه الصفات الخمس هي: أسنانه الطاحنة وقامته المنتصبة، ويداه حرتا الحركة وعيناه حادتا التبؤر والتشخيص ودماغه القادر في النهاية على اصدار الاحكام الدقيقة واتخاذ القرارات المهمة والذي يمتاز بقوة الادراك ونفاذه والقدرة على النطق، ويشترك الانسان بجميع هذه الصفات إلى حد ما، مع السعادين والقرود، ولكن هذه الصفات الخمس لم تحصل مجتمعه الا للانسان وحده، واجتماع هذه الهبات الخمس في الانسان، بحد ذاته شيء فريد))(1) ولتطور حافة حنك الانسان دورها الهام ((وقد ثبت علمياً في الوقت الحاضر ان تطور حافة Ridge الحنك هو أول مستلزمات نشوء القدرة على النطق بالكلمات من الناحية التشريحية وهو الذي يتفرد به الانسان العاقل ليس بالموازنة بالحيوانات الراقية فحسب وانما ايضاً بالموازنة بانواع الانسان المنقرضة (انسان جاوه وانسان بكين وانسان هايدلبرغ وحتى انسان نندرتال) وهناك عوامل فسلجية كثيرة أخرى مهدت للقدرة على النطق بالكلمات عند الانسان يأتي في مقدمتها تحول الفك الاسفل (Mandible) إلى هيئة قوس بعد ان كان مستطيل الهيئة (Elongated) وزيادة حجم تجويف الفم مما سهل حركة اللسان بطلاقة وكذلك حرية حركة الفك الأسفل باتجاه جديد مماأدى إلى تقلص الانياب))(2) ـ

(1) كون: قصة الانسان ص17 ترجمة محمد توفيق حسن وعبد المطلب الأمين.

(2) جعفر: اللغة والفكر ص58.

ويعزو الباحث البريطاني ويلز Willis ((تطور جمجمة الانسان في عصور ما قبل التاريخ إلى التبدلات التي طرأت على غذائه وأسلوب عيشه من حيث الاساس، ويقول ان كثيراً من خواص جمجمة الانسان التي تنفرد بها قد نشأت بتأثير الطعام المطهي الذي أصبح سهل المضغ لا يستلزم مضغ Masticatory عالي التطور بخلاف نظيره لدى الحيوانات الراقية الأخرى، هذا بالاضافة إلى ان الانسان مع ضعف جهاز المضغ عنده، الذي تعبر عنه الفكان والاسنان، يصنع أدوات القطع المعروفة وأدوات تكسير المواد الغذائية الصلبة، كل ذلك أدى إلى تناقص دور عملية المضغ عنده والى حدوث تحول مورفولوجي في فكه الأسفل بصورة خاصة))(1) في حين ((ان القرود التي تعيش على الارض والسعادين لا تستطيع ان تحرك فكوكها بحرية إلى الامام والى الجانبين بسبب عائق، وبما ان المضغ لديها يتم بحركة الفكين إلى الأعلى والأسفل فهي تحتاج إلى اسنان أكبر من أسناننا لتنجز مقداراً معيناً من العمل، وهذا العائق هو سنّان متخصصتان على جانبي الفك الأعلى يسمى كل منهما الناب العليا أو ناب الفك الأعلى، وبينما تتلاقى سائر اسنان الفكين في صف واحد فان كلاً من نابي الفك الأعلى يتراكب مع سنين من أسنان الفك الأسفل بشكل يجعله يحتك بهما كلما انغلق الفم، وهذا الفعل يعطيه دائما طرفين ثابتين كطرفي السكين. ومع ان الشمبانزي يستعمل هاتين النابين لتقشير ثمر المناطق الاستوائية الغليظة فانهما تزودان جميع القرود والرباح بآلتين مميتتين من آلات القتال(2))).ـ

(1) جعفر: الفكر طبيعته وتطوره ص95.

(2) كون: قصة الانسان. مصدر سابق ص27.

ويعتبر تطور مخ الانسان هو الاختلاف الفسيولوجي الحاسم في تمييز الانسان عن الحيوانات كمرحلة حدية فاصلة، وبالاخص المراكز المخية اللغوية الثلاث الموجودة في الفص الجبهي الايسر (95% من البشر الذين يستخدمون أيديهم اليمنى) والايمن (5% من البشر الذين يستخدمون ايديهم اليسرى) لارتباطهما الفسيولوجي الوثيق بعملية التفكير والتي ينفرد بها هذا الكائن الذي أصبح انساناً عاقلاً وهي سند علمي مختبري لا يقبل الجدل في تجاوز سكونية التجمعات اللاقصدية الناتجة من التجمع الغريزي للانسان مثلما تتجمع الطيور في اسراب والابقار في قطعان ويعود تاريخها إلى أكثر من (50.000) سنة تقريباً وهو تاريخ نشوء الانسان العاقل، وهذه المراكز هي:


المركز المخي اللغوي الحركي (المختص بنطق الكلمات) ويسمى مركز بروكا الموجود فوق الاذن (اليسرى 95% واليمنى 5%) إلى الامام قليلاً.

ـ
المركز المخي اللغوي السمعي (المختص بسماع الكلمات المتحدث بها).

ـ
المركز المخي اللغوي البصري (المختص بقراءة الكلمات)

ـ
ودلت الدراسات الفسلجية الحديثة ((على ان المراكز المخية اللغوية الثلاثة لا تنمو جميعاً بشكل متناسق عند الطفل بعد الولادة، ففي الاشهر الأولى بعد الولادة يبدأ ظهور المركز المخي الكلامي السمعي الذي يمهد بعد ذلك ببضعة أشهر لظهور المركز المخي الكلامي الحركي الذي يتضح كثيراً في نهاية السنة الأولى. ثم يليه بعد ذلك منذ بداية السنة الثانية ظهور المركز المخي اللغوي البصري، وهذا يدل على ان الاسس الفسلجية المخية للغة تبدأ بالنشوء والارتقاء عند الطفل بشكل متدرج وان الاقدم منها يهيء الاساس المناسب لنشوء الاحدث وان الطفل لا يستطيع ممارسة أي شكل من اشكال الكلام قبل نضج المركز المخي المسؤول عنه ووصوله إلى مستوى معين))(1). ((ويبدو ان اسناد السبب في القصور اللغوي عند القرود إلى مخها، له ما يبرره في ضوء الفروق التشريحية بين القرد والانسان في التركيبات اللحائية، فالمخ لدى الانسان مزود بسخاء بما يسمى بمناطق الترابط (Association Areas) وهي المناطق التي تربط بين مراكز الاحساس للبصر والسمع واللمس معاً، وتتركز الروابط المسؤولة عن وظائف الكلام في احد فصوص المخ فقط (عادة الفص الايسر حيث توجد التركيبات الترابطية المتخصصة التي تقوم بالتحويل الضروري للاشارات البصرية والسمعية إلى تكوينات لفظية))(2). ويعزو الباحثون تطور اللغة في أعلى مراحلها الارتقائية عند الانسان العاقل Homosapiens الذي يتميز بوجود المنظومة الاشارية الثانية أو اللغوية المسؤولة عن التفكير المجرد والتي يتفرد بها وحده إلى نمو منطقتين في المخ هما منطقة بروكا Broca Area الموقع المخي المسؤول عن توليد اللغة ومنطقة ويرنيك Werniks Area المسؤولة عن فهم اللغة المنطوقة والمكتوبة وهي تصل بمنطقة بروكا بخلية طويلة منحنية تمر بالمراكز الحسية البصرية والسمعية(3).ـ

(1) جعفر: اللغة والفكر ص65.

(2) اسماعيل: الاطفال مرآة المجتمع ص105.

(3) ص76 الانسان وعلم النفس د. عبد الستار إبراهيم.

واكتشف علماء الاعصاب ((مناطق مخية ينفرد بها الانسان اطلقوا عليها أسم ((المناطق المحنية الثلاثية)) Teritiary Cortical Zone مسؤولة عن نمط العمل الذهني الذي يمارسه الدماغ أثناء اليقظة وفي النوم المصحوب بالاحلام، هذه المناطق المخية الثلاثة هي التي تميز مخ الانسان تمييزاً نوعياً جذرياً وحاسماً عن مخ سائر الحيوانات الراقية القريبة منه في سلم التطور البايولوجي وهي التي تجهز مخ الانسان بخصائصه ((الانسانية)) ((الاجتماعية)) المتميزة، وتسمى ايضا مناطق ((مفترق الطرق)) ((Cross roads)) بمعنى انها تقع في الحدود الفاصلة بين الفصين المخيين الجبهيين Frontal Lobes والفصين المخيين الصدغيين Temporal lobes والفصين المخيين الجداريين Parietal Lobes والفصين المخيين القذاليين Occipital Lobes وهي حدود ذات أهمية كبيرة في حياة الانسان العقلية وتنقسم المناطق المخية الثلاثية قسمين من حيث موقعها في المخ ومن ناحية وظائفها السايكلوجية ، هذان القسمان هما : المناطق المخية الثلاثية الجبهية Frontal Cortical Zone التي تقع في القسم الامامي الأعلى من المخ ووظيفتها التعامل مع الأمور المجردة وتكوين انطباعات ذهنية مجردة والتعبير عنها تعبيراً مجرداً بالرموز والكلمات والمعادلات الرياضية، ولا علاقة لها بالاحلام، اما القسم الاخر من المناطق المخية الثلاثية فهو: المناطق المخية الثلاثية الحسية Sensory Cortical Zone التي تقع في القسم الخلفي الأعلى من المخ وعلى جانبيه الايمن والايسر، ووظيفتها التعامل مع الاشياء المحسوسة وتكوين انطباعات حسية عنها والتعبير عن هذه الانطباعات تعبيراً حسيا بالرسم أو النحت أو الموسيقى،وهي المسؤولة عن الأحلام: المناطق المخية الحسية الثلاثية البصرية التي تقع في القسم الخلفي الاعلى من المخ هي المسؤولة عن الاحلام عند ذوي البصر السليم، في حين ان المناطق المخية الحسية الثلاثية التي تقع جانبي المخ – المسؤولة عن السمع والشم واللمس – هي المسؤولة عن الاحلام لدى فاقدي البصر))(1) وبصورة عامة ان ((أهم المناطق القشرية التي تقوم بوظيفة ربط وظائف المخ المتعددة هي: ـ


المنطقة الرابطة الجدارية وتوجد في المنطقة الجدارية ويعطى لها رقم تشريحي
(5،7) ان وظيفة هذه المنطقة هي ربط كل المعلومات الحسية الواردة من المناطق الحسية في قشرة المخ مع تلك التي ترد من مناطق الهايبوثالاماس التي تنقلها من مناطق الجسم الحسية المختلفة.

ـ

المنطقة الرابطة الجدارية القفوية: وتستلم هذه المنطقة اليافاً من المناطق الحسية المختلفة ومن المناطق الرابطة (رقم 5،7) ومن المنطقة الحسية البصرية والمنطقة السمعية .

ـ

المنطقة الرابطة الصدغية: ويؤدي تلف هذه المنطقة إلى فقدان المصاب قابلية فهم الكلمة المنطوقة أو المكتوبة.


المنطقة الرابطة قبل الجبهية: وتتصل هذه المنطقة عن طريق الياف واردة وصادرة مع معظم المناطق المخية، سواء في قشرته أو تحتها وسواء على الجهة نفسها أو على الجهة المعاكسة من المخ: وقد تتلف هذه المنطقة من المخ نتيجة آفات أو أورام تصيبها فتؤدي إلى مجموعة أعراض تسمى تناذر الفص الجبهي
Frontal Lobes Syndrome وأهم أعراضه: (1) قلة التعقل والكبح.
(2) الضجر والشرود. (3) فرط الحركة وزيادتها. (4) عدم استقرار الرأي وتركيزه. (5) فقدان المبادرة. (6) ضعف الذاكرة. (7) ضعف الشعور الاخلاقي والاجتماعي))(2).

ـ
(1) جعفر: طبيعة النوم والاحلام في ضوء علوم الدماغ ص178.

(2) ابراهيم: النفس والعدوان ص78.












عرض البوم صور الشناني   رد مع اقتباس